مواصفات رجال الأمة الناهضة

0

الأمم على ثلاثة أصناف:
الأمة الناهضة، والأمة النائمة، وما بينهما أمة هي نائمة لكن؛ تحاول النهوض، أو الأمة التي هي ناهضة، وتسير باتجاه النوم.
من علامات الامة الناهضة أن رجالها وقادتها لهم نشاط وحركة وهم أحياء، فأنت تسمع عن نشاطهم ومواقفهم وإنجازاتهم ما داموا في سن النضج.
ولكن الامة النائمة لا تسمع عن رجالها إلا بعد موتهم، فكأن الموت هو أعظم إنجاز يحققه رجال الامة النائمة؛ فلا تسمع عن احدهم خبراً، ولا موقفاً، ولا إنجازاً، ولكنه اذا مات سمعت عنه في كل مكان، فالباكون له كثيرون، والمترحمون عليه أكثر، ولكن لا ترى له اتباعاً في حياته، لانه إما أنه لم يكن يمتلك في حياته موقفاً، ولم تكن له انجازات، او ان الناس لا يكتشفون مواقفه وانجازاته إلا بعد موته.
نعم؛ قد يعد الكثيرون انفسهم اتباعاً له بعد موته، ولكنها تبعية لا تسمن ولا تغني من جوع.
إن رجال الامة النائمة جزء من التاريخ وهم أحياء، وبالموت يتمّ تحنيطهم، ثم يبدأ اتباعهم بالتباكي عليهم لفترة طويلة من الزمن.
أما الامة الناهضة فهي تلفظ كل من لا يحركها، ولا يتحرك بها، مهما كان موقعه، واذا فشل أي شخص –أياً كان موقعه- فان الامة تستبدل به غيره.

من علامات الامة الناهضة أن رجالها وقادتها لهم

نشاط وحركة وهم أحياء، فأنت تسمع عن نشاطهم ومواقفهم وإنجازاتهم ما داموا في سن النضج

يقول ربنا –عزّ وجلّ-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.
فالامة الناهضة اذا ارتد منها أحد، سواء كان في موقع القيادة أم في القاعدة فانها ستلفظه وتستبدل بن غيره، بينما الامة النائمة فان رجالها هم كالتماثيل التي لاتُجس ولا تُمس، ولايمكن نقدها وتقييمها، واذا اصبح لها قائد فهو لا يتغير ولا يتبدل، فقط الموت وحده الذي ينتزعه منهم.

  • الامة الناهضة و حملة راية النهضة

والمشكلة؛ أن التخلف الذي تعاني من الامة النائمة يتوارث، فهناك علاقة وثيقة بين حالة الانحطاط المتوالدة والمؤثرات البيئية والاجتماعية للأمم، فالامة الصالحة تنشئ ابناءً صالحين، أما التي فسدت فهي لا تلد إلا فاسداً.
وحينما نتحدث عن الامة الناهضة او السائرة نحو النهوض فاننا بلا شك نتحدث عن رجال عظماء يحملون راية النهوض والعمل في امتهم، وعليه فان الامة بدون رجالها لا تستيطع النهوض والتقدم/ وهكذا هم الرساليون في مجتمعاتهم فاعلون وعاملون، قد حملوا على عاتقهم ثقل المسولية، ونهضوا بأعباء الامة وساروا بدون كلل او ملل نحو حل مشاكل الناس.
يقول تعالى: {مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}.
ولذلك فان هؤلاء الرجال هم الذين يصنعون الحضارات، وبهم تُبنى الأمم، وباتباعهم تزدهر الدول.
وتاريخنا مليئ بالنماذج المشرقة من هؤلاء الرجال الذين انقذوا الامة وحافظوا على البناء الحضاري فيها، وهنا نذكر رجلين كان لهما التأثير الكبير والبالغ في الامة، الأول: هو المرجع الديني والمجدد السيد محمد حسن الشيرازي، صاحب فتوى تحريم التبغ في ايران، والثاني: هو المفكر السيد جمال الدين الافغاني.

  • الميرزا الشيرازي وسلاح الفتوى

ولد المجدد الشيرازي في الخامس عشر من جمادي الاول سنة1230هـ وتوفي سنة 1312هـ، هاجر الى مدينة النجف الأشرف سنة1259هـ ثم توجه الى مدينة سامراء المشرفة سنة 1291هـ.
آلت اليه المرجعية الدينية سنة1281هـ بعد وفاة استاذه الفقيه الشيخ مرتضى الانصاري.
قارع الاستعمار البريطاني في ايران، وقاد ثورة التبغ (التنباك) بإصدار فتواه الشهيرة بتحريم استخدام التبغ المنتج بريطانياً في ايران، وذلك عام 1891م مما أدى الى افلاس الشركة البريطانية التي أرادتها لندن جسراً لتحقيق مصالح سياسية واقتصادية في ايران آنذاك.

تاريخنا مليئ بالنماذج المشرقة من الرجال الذين انقذوا الامة وحافظوا على البناء الحضاري فيها، ومن هؤلاء الذين كان لهم التأثير الكبير والبالغ في الامة، المرجع الديني السيد محمد حسن الشيرازي، والمفكر السيد جمال الدين الافغاني

فقد وافقت حكومة الشاه ناصر الدين القاجارية سنة 1312هـ على منح امتياز زراعة وتجارة التبغ في ايران لشركة “ريجي” البريطانية، مما يجعل الفلاح والمواطن الايراني عاملاً وأجيراً تحت رحمة البريطانيين، بالمقابل تحصل حكومة الشاه على خسمة عشر الف ليرة انجليزية سنوياً، مع ربع الارباح.
بعد توقيع المعاهدة ظهرت الآثار السلبية سريعاً على حوالي مئتي ألف مزارع وتاجر في ايران يعملون في زراعة وبيع التبغ، وبات مصير هؤلاء مهدد بخطر الجوع والمهانة امام الاجنبي، الامر الذي جعل الميرزا الشيرازي يستجيب لنداء الاستغاثة ويصدر فتواه الشهيرة بتحريم استخدام التبغ في ظل السيطرة البريطانية، والفتوى كانت تمثل المطالبة الجماهيرية بإلغاء معاهدة الاميتاز مع الشركة البريطانية وهو ما حصل بعد شدّ وجذب، وحراك جماهيري وعلمائي كبيرين في ايران.
لم تكن هذه الفتوى في نطاقها الايراني وحسب، وانما سجلت نقطة مضيئة في تاريخ الشعوب الاسلامية في جهادها ضد الاستعمار، فقد أيقضت العالم الاسلامي، وأعطته الوعي السياسي حيث تنبه المسلمون في كل مكان الى الى الأخطار التي تحيط بهم.

  • جمال الدين الأفغاني و مشروع الوعي

مَن يرفع راية العدل، ويدعو الى الحق، ويطالب بالحرية، فلابد أن يجد عاجلاً أم آجلاً من يتبع خطاه، ويستجيب لدعوته.
هذه هي قصة السيد جمال الدين الافغاني، ذلك الرجل العظيم، الذي تفتخر شعوب مختلفة بانه ينتمي اليها، وهو فعلاً ينتمي اليها جميعاً، لانه لم يعمل لفئة دون اخرى، ولا لوطن دون غيره، ولا من اجل اقليم دون آخر. كان يعمل من اجل الحق، والحق المقدس لدى الجميع، وكان يعمل للحرية، والحرية من حق الجميع ايضاً، وكان يعمل للاستقلال، والاستقلال قوّة للأمة قطعاً.
كان يدعو الى الحق والحرية، ولذلك اصبح ظلاً ممدوداً في دنيا الفكر والسياسة، ودخل حتى في الكتب المدرسية، لانه أحد أهم رموز النهضة في تاريخ الشرق الحديث، وهو من آبائها الأولين.
لقد مثّل الافغاني روح النهضة، فصنع تياراً متميزاً في دعوته، وانطلق من التسامح والإخاء في دعوته الى “الجامعة الاسلامية” مستهدفاً تحرير الشرق من الاستعمار والاحتلال، من خلال إيقاظ الامة بالعقلانية المتدينة، والتدين الفاعل، وكان حاملاً أول مشعل للحركة الاصلاحية في القرن الاخير، وكان له الدور الكبير في انبعاث الحركات التي تدعو الى الاستقلال في البلاد الاسلامية.
ولد السيد جمال الدين الافغاني في مدينة اسعد آباد بافغانستان، وبدأ مسيرة الهجرة في حياته وهو ابن العاشرة من العمر، فتوجه الى ايران، وبعد اقامة قصيرة في كل من طهران وقزوين، انتقل الى النجف الاشرف، وبعد هناك لعدة سنوات، أرسله استاذه الى الهند، وكان لايزال دون العشرين من العمر.
كانت تلك بداية مسيرة الهجرات المتعاقبة الى عديد البلاد الاسلامية، عالماً، وخطيباً، وناهضاً للهمم، ونافخاً للروح، ومحركاً لأبناء الامة، وصانعاً للأمجاد.
وبعد إقامته لمدة سنتين في الهند تم طرده منها عام 1869 من قبل سلطات الاحتلال البريطاني، فتجول لمدة خمس سنوات في ارض الله الواسعة، فدار بين أمم مختلفة، وحاور علماء الاديان جميعاً، ومن أجل نشر دعوته، واستنهاض أمته هاجر الى كل حواظر الاسلام وغيرها، وأقام في كثير من المدن مثل كابول، وقزوين، وطهران، والنجف، وبغداد، ومكة، وبومباي، وكراتشي، وكلكتا، وحيدر آباد، والقاهرة، واسطنبول، وبخارا، ولندن، وباريس، وبطرسبورغ، وميونخ.
كانت طريقته الاتصال باصحاب القرار، وتقديم النصح لهم بما يلزم، فاذا لم ينفع توجه الى الناس وحثهم على تحمّل مسؤولياتهم الاجتماعية والدينية، وإجراء التغييرات اللازمة.
مثلاً؛ حينما استقرّ به المقام بعد هجرته الاولى الى اسطنبول اتصل هناك بجانب من الوسط الثقافي، فألقى محاضرة أثارت الجماعات المتزمتة، فنفي الى مصر سنة 1871، فبقي هناك ثماني سنوات، لكنه أخرج من مصر إثر تولي الخديوي توفيق العرش، فأبعد الى الهند مرة اخرى، وبعد إقامة قصيرة في كراتشي ثم في بومباي، انتقل الى حيدر آباد حيث بقي هناك سنتين أو اكثر، نشر خلالها كتابه “الرد على الدهريين”.
وبعد أن زار لندن لفترة قصيرة، استقر في باريس لمدة ثلاث سنوات وأنشأ فيها مجلة العروة الوثقى.
وهكذا كان الافغاني المهاجر الدائم في بلاد الله، يدعو الناس الى التمسك بالحق، ونبذ الباطل، ومواجهة الظلم، والتحرر من الاحتلال، والتسلح بالعلم والايمان.
كان الرجل أشبه شيء بكرة النار، ما تمسّ شيئاً إلا اشعلت فيه لهباً.
لقد كان الافغاني رجل دين يتحمل المسؤولية الدينية في عملية الإصلاح، ومقاومة الظلم، ومواجهة الاحتلال الاجنبي، وكان يرى أن الايمان هو محور التحرك، وأن الاصلاح منه يبدأ، وإليه ينتهي.
لقد اصطدم الافغاني بسلطات الاحتلال البريطاني، كما اصطدم بالحكام المحليين ايضاً، منهم؛ ناصر الدين شاه في ايران، واعتكف سبعة أشهر في احد المساجد يكتب ضده، محرّضاً على خلعه، فعمد الشاه الى إخراجه الى البصرة، ولقد استجاب له الكثيرون، وانتهت الامور بمقتل الشاه على يد أحد اتباع الافغاني، وهو ميرزا رضا كرماني.
ولأن السيد جمال الدين الافغاني كان يعبر بجلاء عن ضمير الامة، ويعمل لمعالجة آلامهم، وينير لهم الطريق لتحقيق طموحاتهم فقد كانت لكلماته فعل السحر في الناس، وخاصة الطبقة المثقفة منهم.
فقد عبر خير تعبير عن المشكلات التي كان المسلمون يعانون منها، وكان يحثّهم بحماسة بالغة على محاولة فهم اسباب التخلف والعمل لإصلاحها.
ثم إن الافغاني تميّز؛ بالإضافة الى وعيه وثقافته، بصفات شخصية جعلت منه قائداً فذاً، وزعيماً كبيراً، فلقد كان جريئاً في قول الحق، لا يخشى أحداً إلا الله، فلا السلطات الانجليزية في أوج عظمتهم، ولا الحكام المحليون كانوا يثيرون خوفه، فكان يواجههم بقوة المنطق وشجاعة المقاوم.
أما السنوات الاخيرة من حياته فقد قضاها في اسطنبول، وذلك عام 1892، وهناك من يرى أنه قد دُس اليه السم، وتمت تصفيته عام 1897، بيد أن الذي لم يكن بمقدور أحد تصفيته من السيد الافغاني فهي تلك الروح التي حملها بين جنبيه وبثّها في الامة، والتي لاتزال تعطي ثمارها حتى اليوم.