مناسبات

يوم المباهلة: يوم الاعتراف العالمي بالإسلام

جسّد الرسول الأكرم مصداقية رسالته السماوية في شجاعته وثقته بخوض المباهلة، ليس فقط أمام النصارى، بل وأمام المسلمين ايضاً لمزيد من تعميق الإيمان في النفوس

قويت شوكة الإسلام بفضل جهاد وتضحيات رسول الله، وأمير المؤمنين، والثلّة المؤمنة من الأصحاب، وامتدّت رسالة التوحيد الى الآفاق من خلال مصاديق عملية من أخلاق وأحكام الإسلام السمحة، فكانت وفود القبائل والاقوام تترى على رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، للدخول في الإسلام، فكان قرار النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، في السنة العاشرة للهجرة بإرسال رسائل إلى ملوك العالم يدعوهم فيها الى الإسلام، ومن تلك الرسائل ما وصل الى اسقف نجران في اليمن، فاستشار كبار قومه للجواب على رسالة النبي الأكرم، وحسب بعض المصادر، فان وفداً مؤلفاً من ستين رجلاً من النصارى توجه الى المدينة لهذا الغرض، وفي تاريخ ابن الأثير: “أرسلوا العاقب والسيّد”، ويبدو كان يترأسون الوفد لمحاورة رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم.

ولما وصلوا المدينة المنورة جاؤوا إلى مسجد رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، فجلسوا يحاورونه، فقال كبيرهم “السيّد”: يا أبا القاسم من أبوك؟ فقال، صلى الله عليه وآله وسلم: عبد الله. ثم قالوا: من أبو موسى؟ فقال، صلى الله عليه وآله وسلم: عِمران. ثم قالوا: ومن أبو عيسى؟ فقال، صلى الله عليه وآله وسلم: إن عيسى وُلد من غير أب وهو روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم. فقالوا: بل هو ابنُ الله! فنزل قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، فلم يقتنعوا، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إلى المباهلة امتثالاً للأمر الإلهي، وهي الآية التي نزلت بعد الآية الآنفة الذكر في سورة آل عمران: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}.

وافق النصارى على فكرة المباهلة، وجاؤوا في اليوم الرابع والعشرين من شهر ذي الحجة الحرام، وكان النبي الأكرم على أتمّ الاستعداد لخوض هذه المنازلة التاريخية والحاسمة مع النصارى، وحتى ينفذ الأمر الإلهي بمن يكون أعضاء الوفد من الجانبين، فبالنسبة له، صلى الله عليه وآله وسلم، دعا أمير المؤمنين –أنفسنا- وابنته الصديقة الزهراء –نساءنا- وسبطاه؛ الحسن والحسين –ابناءنا-، صلوات الله عليهم.

وفي مكان عام ينظر اليهم الآلاف من الناس، من المسلمين والنصارى، وقف النبي الأكرم مع أهل بيته، عليهم السلام، فيما وقف وفد النصارى، فهَالَهُم المنظر، وقبل البدء بالمباهلة الموعودة، أجرى النصارى مشاورات فيما بينهم، فقال كبيرهم: يا معشر النصارى! إني لأرى و جوها لو شاء الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا و لا يبقى على وجه الأرض نصارى إلى يوم القيامة”. لذا اتفقت كلمتهم على التراجع عن المباهلة والقبول بخيار “الجزية” ضمن قانون التعامل مع أهل الذمّة في بلاد الإسلام.

رسالتين من المباهلة إلينا والى العالم

إن لحادثة المباهلة دلالات وآثار غاية في الأهمية في الجانب العقدي، وفي الجانب الحضاري.

الرسالة الأولى: تأكيداً آخر من السماء وبنصّ الآية الكريمة بمنزلة علي بن أبي طالب دون غيره في الإسلام، وأنه الخليفة والإمام المفترض الطاعة من بعد رسول الله، لأنه نفسه المقدسة بتصريح القرآن الكريم، فهي حجة بالغة على جميع المسلمين منذ ذلك اليوم وحتى الآن والى يوم القيامة بأن من يقود الأمة بعد رسول الله، هو أمير المؤمنين، عليه السلام.

هذا الى جانب المنزلة العظيمة للصديقة الطاهرة، وسبطي رسول الله، صلوات الله عليهم، فهم الأقرب الى نفسه من أي انسان آخر، ولتكون الحجة البالغة الأخرى على الأمانة الإلهية في أعناق المسلمين بكيفية الاستجابة لنداء “المودة” كمرحلة تأسيسية نحو الايمان بالولاية والإمامة والقيادة الاسلامية الحقّ.

ولعل من المفارقات المحزنة في هذه الذكرى، أن نقرأ في التاريخ الرهبة المُلقاة في قلوب رجال من الديانة المسيحية لما رأوا تلكم الوجوه المُضيئة أمامهم، بينما رجالٌ يدعون الإسلام، ويقرأون القرآن الكريم، ويؤدون الطقوس العبادية الظاهرية، بل وبعضهم يدّعي خلافة رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، ثم يحلّل لنفسه انتهاك حُرمة أهل بيت رسول الله، وسفك دمائهم.

أما الرسالة الثانية؛ فهي الرسالة الحضارية الحاملة لنور الحق الى البشرية جمعاء، والحق ليس نظرية يصوغها انسان، ولا اجتهاد شخصي، إنما هو “مقياس التقييم السليم لا الرجال، ولا العنصر، والحق من الله، فهو الذي يهدي اليه، ولأنه من الله –تعالى- فلا أحد يستأثر به، او يحكم باسمه الناس، ويتخذهم عبيداً، وأن الله –تعالى- رب الجميع، وليس لطائفة دون أخرى، ولأن الحق لله فهو لا ريب فيه”، (تفسير من هدى القرآن- المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي)، ولذا جسّد الرسول الأكرم مصداقية رسالته السماوية في شجاعته وثقته بخوض المباهلة، ليس فقط أمام النصارى، بل وأمام المسلمين ايضاً لمزيد من تعميق الإيمان في النفوس من خلال “الاحتكام الى الواقع الملموس في الخارج”، يقول المرجع المدرسي، فما يتمخض عن الابتهال الى الله –تعالى- في تلك المباهلة، نتيجة سريعة بملح البصر في اتضاح طريق الحق عن طريق الباطل، ومن تنزل عليه لعنة الله –تعالى-، وقد تنبّه النصارى الى هذه الحقيقة في الوقت المناسب قبل فوات الآوان.

من المفارقات المحزنة في هذه الذكرى، أن نقرأ في التاريخ الرهبة المُلقاة في قلوب رجال من الديانة المسيحية لما رأوا تلكم الوجوه المُضيئة أمامهم، بينما رجالٌ يدعون الإسلام، وحبّ النبي الأكرم ثم يحلّل لنفسه انتهاك حُرمة أهل بيت رسول الله، وسفك دمائهم

ومن نافلة القول: أن يوم المباهلة يُعد يوماً استثنائياً في تاريخ الإسلام، بل وفي تاريخ الديانات في مرّ التاريخ، فهي المرة الأولى والأخير التي يقرّ فيها دين سماوي له كتاب مقدّس مثل الديانة المسيحية بأحقية الإسلام، وربما لو غفل النصارى في لحظة غرور وتعالي عن معادلة الحق، لما بقي اليوم مسيحياً واحداً في العالم، وجميع هؤلاء اليوم مدينون لأولئك الرجال الحكماء في ذلك المشهد التاريخي العظيم، فهي رسالة تخاطب العقل والفطرة والنفس البشرية للهداية الى طريق الحق للنجاة من المهالك والأزمات التي يتخبط فيها أهل العالم.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا