وجود المحطات الثقافية من مختلف الجهات والمؤسسات الفاعلة، ضرورة وحاجة جماهيرية على مدار السنة
تسابقت المواكب الخدمية داخل مدينة كربلاء المقدسة، وعلى طول طريق الزائرين لأربعين الامام الحسين، لتقديم مختلف ما يحتاجه الزائر من طعام، وشراب، وسكن، وخدمات طبية واتصالات ونقل، وخدمات لا تُعد مثل سائر الأعوام الماضية، وكلها جهود مشكورة، ونرجو أن تكون منظورة عند الامام الحسين، وعند رسول الله، وامير المؤمنين، والصديقة الزهراء الملكومين بمصاب الحسين في يوم أربعينه.
ومن أبرز الخدمات المميزة التي ربما تستوقف الزائرين، محطات خاصة على طريق المشاة، وفي داخل مدينة كربلاء لا تقدم الطعام والشراب مثل سائر المحطات والمواكب المتراصّة جنباً الى جنب، إنما تقدم غذاءً من نوع آخر؛ إنه الغذاء المعنوي للشباب والأطفال ولعامة الزائرين الكرام، القاصدين زيارة الإمام الحسين، وإحياء قضيته الرسالية.
الغذاء المادي، وأيضاً توفير سبل الراحة للزائرين من شأنه إزالة مشاقّ السفر عن أبدان الزائرين القادمين من مسافات بعيدة، وهذا مطلوب جداً، ومحل تقدير عظيم، إنما الذي يحتاجه الزائر ايضاً؛ الغذاء المعنوي بعد أن يكتسب قسطاً من الراحة والانبساط داخل الخيم والمواكب في مدينة كربلاء ليتعرّف على قضية الامام الحسين، وتحديداً قضية السبايا التي تصادف في ذكراها تقريباً، ذكرى مرور أربعين يوماً على استشهاد الامام الحسين، وماذا حصل بعد يوم عاشوراء؟ وكيف تعامل المسلمون مع عترة نبيهم وهم يساقون كالأسرى من الأقوام الخارجة عن الإسلام؟ ثم كيف تعامل –بالمقابل- الامام زين العابدين، وعمته زينب العقيلة، وسائر من تبقى من عيال الحسين مع الجهل والتضليل المطبق في الأمة آنذاك؟ والسؤال الأكبر والأهم؛ ما هي الأسباب والعلل المؤدية الى هذا المصير الأسود للأمة؟
إنها أسئلة كبيرة و واسعة الأبعاد، كتب عنها العلماء والباحثون في النهضة الحسينية، وعندما نشهد وجود محطات تقدم المطبوعات الى الزائرين من مؤسسات ثقافية متعددة، ويجلس طلبة العلوم الدينية وعلماء الحوزة العلمية مع الزائرين للحديث عن هذا الموضوع، لهو أمرٌ عظيم، ومبادرة شجاعة بتحمل مسؤولية كبيرة مثل هذه، وخلال أيام معدودة، ربما لا تتجاوز العشرة أيام أو أكثر قليلاً لانطلاق الزائرين المشاة من جنوب العراق الى كربلاء المقدسة.
إنها لمهمة صعبة للغاية ان تختزل الإجابة عن كل تلكم الأسئلة في فترة محدودة، ليس هذا فقط، وإنما يشمل العاملون الرساليون على نشر الثقافة الإسلامية بشكل عام بين الزائرين، وأبرزها ثقافة القرآن الكريم، ونشر قيم الأخلاق، ومعالم الفكر الإسلامي الأصيل.
ولا ننسى أننا في كربلاء المقدسة نستقبل أكثر من زيارة مليونية تأتي في المرتبة الأولى بعد زيارة الأربعين؛ ثم الزيارة الشعبانية، ثم زيارة عرفة، والزيارات الأخرى، بل وحتى زيارات ليالي الجمعة، فهي محط اهتمام عامة المؤمنين والموالين داخل العراق، لا يتخلون عنها طوال السنة، متحدين الظروف المناخية، والاقتصادية، وحتى الخدمية لتجديد العهد والولاء مع الامام الحسين، عليه السلام.
وهذا يجعل وجود المحطات الثقافية من مختلف الجهات والمؤسسات الفاعلة، ضرورة وحاجة جماهيرية على مدار السنة، فالذي يدفع الناس لهذه الزيارات المتتالية، ليست حوافز مادية من الحكومة، او اشخاص او جهات معينة، بقدر ما يجذبهم الإيمان بالله –تعالى- وبالولاية لأهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وآله، وأنهم، عليهم السلام، مصدر الولاء الأول، والملجأ لما يتعرضون له من أزمات وتحديات في عقيدتهم، وفي حياتهم بشكل عام.
الوقت ليس في صالحنا بالمرة، فالمتربصين بالعقيدة والايمان يستخدمون آخر ما يتوصلون اليه من تقنيات الاتصال والنشر، مستخدمين ثقافة الصورة، وإثارة الغرائز، والفضول، وخلق مشاعر الاحتقار واليأس في نفوس الشباب والأطفال
وجود المنشورات والمطبوعات، الى جانب المتحدثين من أهل العلم والمعرفة، له آثار طيبة وسريعة على الزائرين في اتجاهين؛ الأول: في زيادة المعرفة بأهل البيت، تكريس الثقافة الإسلامية لديهم، والاتجاه الثاني؛ وهو الأهم: خلق حالة من الاطمئنان والسكينة في النفوس بأنهم ليسوا وحيدين في الساحة أمام مختلف اشكال التحديات والهجمات الثقافية الناعمة من خلال شبكة الانترنت، وأساليب الحرب النفسية المتعددة التي نلاحظ من خلال التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، وجود حالة من اليقظة والاستعداد لمواجهتها وتنفيدها، إنما نحن بحاجة الى المزيد، فالوقت ليس في صالحنا بالمرة، فالمتربصين بالعقيدة والايمان يستخدمون آخر ما يتوصلون اليه من تقنيات الاتصال والنشر، مستخدمين كل وسائل التأثير النفسي، وليس أقلها؛ تكريس ثقافة الصورة، وإثارة الغرائز، والفضول، وخلق مشاعر الدناءة والاحتقار واليأس في نفوس الناس، والشباب والأطفال على وجه الخصوص.
وقبل الختام، نؤكد أن توافد الزائرين على مدينة كربلاء المقدسة لزيارة مرقد الامام الحسين، عليه السلام، على مدار اثنين وخمسين اسبوعاً في السنة، مع إحياء الزيارات المليونية، أمرٌ يشكل تحدٍ معاكس وشجاع من شيعة أمير المؤمنين ضد من يعدون هذا الحراك الجماهيري المتصاعد مع الزمن، تهديداً خطيراً لمخططاتهم وبرامجهم في العراق، وفي سائر البلاد الإسلامية، الامر الذي يستدعي التفكير ألف مرة في الغذاء الثقافي والفكري للزائرين، كما نفكر بالغذاء المادي من طبخ الطعام وتقديم المشروبات الباردة صيفاً والساخنة شتاءً. {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}
