إنها من أعظم بركات النهضة الحسينية علينا، نلمسها ونراها عين اليقين خلال مسيرة المشي نحو مدينة كربلاء المقدسة لزيارة الامام الحسين في أربعينه، فالجموع الزاحفة تمثل خليطاً من أذواق، ومزاجات، وثقافات متنوعة من داخل العراق وخارجه، فضلاً عن الانتماءات الاثنية (العرقية والقومية)، الجميع يسيرون في طريق واحد، ويحملون همّاً واحداً، وغاية مشتركة وهي أداء زيارة الأربعين لتجديد العهد والولاء للإمام أبي عبد الله الحسين، عليه السلام.
مصدر فخرنا بهذا الانتماء العظيم كونه يفعل ما تعجز عنه كل الإجراءات والمحاولات لجمع أبناء شعب واحد من قوميتين –مثلاً- أو طائفة من الناس من بلدين في مكان واحد، كما يحصل في ملاعب كرة القدم إلا بإجراءات أمنية معقدة ومشددة ليس لتحقيق الانسجام والوئام بقدر فرض الهدوء والنظام وتحاشي الفوضى والعنف، بينما في مسيرة الأربعين؛ المشاة المتنوعين في لغاتهم وقومياتهم وجنسياتهم، هم من يوفرون الأمن والوئام والتلاحم على طول الطريق، وتحديداً من النجف الأشرف الى كربلاء المقدسة، كون معظمهم يأتون من البلدان البعيدة جواً.
لمن يكون في طريق المشاة الى مدينة كربلاء المقدسة مع الزائرين، أو حتى لو كان ابن المدينة مستقبلاً الزائرين بمختلف اشكال الضيافة، يدرك السر وراء تكوين هذه المشاعر الإنسانية الجيّاشة إزاء الآخر، ولماذا لا يكون كل فرد من الزائرين معتزاً بشخصيته وما لها من رغبات ومزاجات، إنما يحاول تذويب كل ما لديه في تيار الزيارة الاربعينية؟
بكل بساطة؛ يمكن الوقوف عند سبب –من جملة أسباب- تفسّر لنا هذا الشعور المميز، وهو؛ الاقتداء بتضحيات الامام الحسين يوم عاشوراء بكل ما يملك، فهل من العقل والانصاف أن يتحدث كل واحد منّا عن رغباته ومصالحه الشخصية وهو متوجه لإحياء ذكرى الأمام الحسين، عليه السلام؟!
الامام الحسين، ضحّى بالطفل الرضيع، وهي تضحية لا تُقاس بأي شيء آخر، وهي القمة في التضحيات بعد نفسه الزكية، بينما الواحد منّا يفكّر بالمكان الذي يجلس فيه، وأن يكون مريحاً أمام تيار الهواء البارد! أو ان يحصل على الطعام اللذيذ من توزيع المواكب الخدمية، أو ينام في المكان الأفضل، وغيرها كثير من الأمثلة التي ربما نراها احياناً خلال هذه الزيارة العظيمة.
و يكتمل هذا الدرس عندما نستمر في هذا الاقتداء بعد انتهاء زيارة الأربعين، لأن باعتقادي أن الزيارة لن تنتهِ يوم الأربعاء، العشرين من شهر صفر الخير هذا العام، المصادف للرابع من شهر آب القادم، إنما تستمر مع سيرة حياتنا، والتحقق عن مقدار ما أخذنا من أيام المشي والزيارة من صفات أخلاقية وإنسانية تفيدنا لحياتنا اليومية في قادم الأيام.
فالتفاوت الطبقي –مثلاً- المبتلى به جميع البلدان الإسلامية، يفترض أن يتراجع في تأثيره على طريقة التعامل ومستوى الاحترام بين الافراد في الشارع والمدرسة والأسواق والدوائر الحكومية، فعندما نضيّف الزائر بمختلف الخدمات دون معرفة انتمائه العشائري، او الأسري، او مستوى رصيده المالي، يفترض ان يستمر الحال منذ اليوم الأول بعد الزيارة، يعني من الواحد والعشرين من شهر صفر، والى أيام الزيارة في العام القادم، في الدائرة الحكومية، وفي المحكمة، وفي المراكز التعليمية، وفي كل مكان، ليتحول التلاحم والتواصل الى ثقافة اجتماعية، ولو بصورة نسبية، فنحن لا ندعو الى المثالية، ويبقى افراد البشر متنوعين بمستوى تفكيرهم، وبظروفهم العائلية والاجتماعية، والقرآن الكريم يقول: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً}، والآية الكريمة تؤكد حقيقة التنوع؛ {كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ}، والشاكلة تأتي من التنوع في القدرات الذهنية والعضلية، وايضاً؛ التنوع في الأمزجة وطريقة التعامل مع الأشياء، لكن يبقى المبدأ الأساس؛ التنوع الإيجابي والاختلاف البناء.
