عرفت البشرية الإيمان على انه عنوان الانتماء وتجلّي الشخصية الإنسانية المتميزة عن سائر الكائنات الحيّة بالعقل والإرادة والمشاعر، فعندما كان الانسان القديم يعبد أشياء مختلفة في الحياة إنما كان يريد التعبير عن ذاته أمام الآخرين، ولم تكن ثمة مشكلة في تعدد المعبود في حياة البشرية منذ القدم، لأن كلٌ كان ينظر الى نفسه والى الحياة بمنظاره الخاص وفق الظروف المحيطة به.
تعدد الآلهة سبب للإنسان مشاكل جمّة ليس أقلها اكتشاف خطل التصور والاعتقاد بمرور الزمن، وتحمل هذا الانسان وزر من روّج لعبادة الشمس، او البقر، أو الحجر عندما تبين عجزها جميعاً في حماية او تحقيق ما يريده في الحياة، وذلك بدلالة العقل والفطرة السليمة.
ومن أجل قاعدة رصينة وموحدة للإيمان أسس الله –تعالى- مبدأ الحق لتكون محوراً للإيمان يدور حيثما دار ضمن علاقة عضوية لا تنفصم ابداً، إنما يحتاج الأمر الى تطويع نفسي أولاً؛ ثم تحكيم العقل ثانياً، ثم توسيع مديات الرؤية في الحياة، وهو ما بلغه انسان القرن السادس الميلادي بمستويات جيدة عند ظهور نبي الرحمة وخاتم الأنبياء والمرسلين؛ محمد، صلى الله عليه وآله وسلم.
اختبار أمام القاعدة غير المرئية
ولأن الحق هو غيب بالأساس، وليس عبارة عن قوانين واضحة ملزمة بشكل ملموس كما هي قوانين المرور والسفر والعمل وغيرها، يستفيد منها الانسان الى حدٍ ما، فان الانسان منذ البداية واجه صعوبة في الإيمان بها والتسليم لها لأنها تمثل منظومة قوانين غير ملموسة في واقع حياته، رغم تجسيدها لكل ما هو صحيح وصواب وتقبله الفطرة السليمة، مثل؛ الصدق، والعدل، والحرية، والكرامة الإنسانية، الى جانب حقائق في الواقع الخارجي لحياة الانسان مثل؛ الرسالات السماوية، وكلام الله المجيد، والموت، والمعاد، والحساب يوم القيامة، والجنة والنار.
وبما أنها المبدأ والقاعدة المشتملة على كل المفاهيم والقيم الإيجابية، في مقابل الباطل ومنظومته السلبية، فان الله –تعالى- جعلها محوراً للإيمان به، والمسلك الوحيد الى رضوانه، لذا نقرأ في الآيات الكريمة تأكيدات متوافرة على أنه –تعالى- خلق السماوات والأرض بالحق، وكل ما يصدر منه فهو حق مطلق، {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}. سورة الأنعام- الآية:73
فالايمان بالله والتسليم له يعني التسليم بمنظومة الحق كاملة دون نقصان، أي أن يكون الايمان بكل مظاهر الحق التي بينها الله –تعالى- في كتابه المجيد، لا أن يكون الإيمان بالنبي دون الإمام والوصي من بعده، او أؤمن بالصدق والأمانة، ولا أؤمن بكرامة الانسان. أو أؤمن بالجنة والنعيم وأنسى العقاب والعذاب، وهذا يدعونا الى السعي للوصول الى إيمان متكامل بهذه المنظومة الإلهية التي تُعد –حقاً- إحدى مظاهر الخير واللطف الإلهي للبشر لتنظيم حياتهم بشكل يحقق لهم السعادة والرخاء.
إن النظرة الضيقة والمادية السطحية تقف دائماً وراء تكبد الانسان خسائر فادحة في حياته، على الصعيدين؛ المادي والمعنوي، بينما يرجو له الله –تعالى- السعادة في الدنيا والنعيم الأبدي في الآخرة في جنان الخلد
والآية الكريمة من سورة يونس تعطينا الخيار في طريق الإيمان: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ}، وفي مؤلفه القيم؛ “التشريع الإسلامي- ج4 يبين سماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي، ضرورة “أن نسعى من اجل ان نهتدي الى الحق، فمن اهتدى الى الحق فانما اهتدى لمنفعة نفسه، وحقق طموحاته وتطلعاته، ومن ضلّ فانما ضلّ على نفسه، فمن المسؤوليات التي نستوحيها من هذه الاية والتي تتصل بالحق هي: مسؤولية الاهتداء اليه، والتعرف عليه والوصول اليه”.
الانسان يخسّر نفسه!
كيف يكون هذا؟!
إن النظرة الضيقة والمادية السطحية تقف دائماً وراء تكبد الانسان خسائر فادحة في حياته، على الصعيدين؛ المادي والمعنوي، بينما يرجو له الله –تعالى- السعادة في الدنيا والنعيم الأبدي في الآخرة في جنان الخلد، وهذه كانت قاتلة المشركين والكافرين بالله وبقيم الحق لأنها تدعوهم الى ما هو خارج ذواتهم وأنانياتهم، بينما الشرك والكفر أمره سهل يسير كونه يدعو صاحبه الى التقوقع داخل شرنقة الذات وعدم تجشم عناء البحث عن الحقائق في هذه الحياة، وهذه الحالة يسميها القرآن الكريم “الهوى”، وطالما حذرنا منها في آيات عدّة، ومن سماتها؛ تبرير أي خطأ او جريمة او انحراف في نفس الانسان حتى لا يشعر بوخز الضمير وتنبيه الفطرة.
الآية الكريمة من سورة المؤمنون صريحة جداً في تحذيرها من مغبة تغليب الهوى على العقل والفطرة والتنكّر لقيم الحق مقابل الاستجابة لقيم الباطل بأشكال مختلفة: {وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ}، وما تزال المعضلة قائمة عند من يتصور أنه مع الحق الذي صنعه بنفسه، لا النظام الذي وضعه الله –تعالى- للبشر وللكائنات والوجود كله، ولا يثنيه حجم الويلات والكوارث عن ميوله الى الهوى والرغبات النفسية الزائلة.
ومن أجل إضفاء شيء من المصداقية على المنهج الشخصاني للإنسان نراه يتعكّز على وسائل ذهنية مثل؛ التحليل، والظن، والتصور، والقياس، علّه يقنع نفسه بأنه على حق وعلى صواب، والقرآن الكريم يحذرنا ثانية من مغبة الانزلاق في “الوساوس” القادمة من الشيطان وتستهدف النفس والقلب فتجعل صاحبها يرى الحق باطلاً والباطل حقّاً، ويرى المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، وهو ما جاء من توصيات وإرشادات الرسول الأكرم للمسلمين لاختيار الطريق المستقيم في حياتهم.
ولكن هذه المحاولات، إن سادت لفترة معينة، فان المستقبل والعاقبة للتقوى ولقيم الحق، لأن الله –تعالى- حسم الأمر من البداية بأن لا كذب ولا خطأ في الحق، وكل ما يدعو اليه الله هو صدق وعدل وصواب وإن لم يقتنع به البعض كما حصل في مسألة خوض النبي الأكرم لأول مواجهة عسكرية مع قوى الشرك في غزوة بدر، فقد كان بعض المسلمين يحملون تصوراً و رؤية ضيقة دفعتهم لإعطاء الرأي المخالف لخوض المواجهة، فجاءت الآية الكريمة من سورة الأنفال: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ}، وفي تفسير هذه الآية يقول سماحة المرجع المدرسي في “من هدى القرآن”: “إن فريقاً من المؤمنين كانوا كارهين للخروج للحرب، ويجادلون في جدوى الخروج، حتى تبين لهم صدق الرسالة وسلامة أوامر الرسول، و وعدهم الله ان تكون لهم إحدى الطائفتين؛ أما القافلة التجارية، وإما الجنود المسلحون، ومن الطبيعي أن يكون المسلمون يفضلون القافلة التجارية، بينما الله كان قد قضى لهم بمواجهة الجيش المعادي لأن الله يريد ان تحقيق واقع الرسالة الجديد وليس فقط حصول المسلمين على حطام الدنيا”. وعلى طول الخط؛ كان المضي في طريق الحق؛ إيماناً وتسسليماً وعملاً صادقاً، هو المؤدي الى الانتصار والنجاح والتقدم في الحياة، بينما المضي في الطريق الذي يرسمه الانسان لنفسه والذي يعبر عنه في سورة الأنفال، وفي تكملة الآية الآنفة الذكر: {وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}، هو الذي يؤخر النصر والفرج وحل المعضلات في الأصعدة كافة، فضلاً عن احتمالات الخسارة عندما تتحول هذه الرؤية الى منهج سياسي واقتصادي يدفع ثمن اخطاءه الناس أجمعين.
