إضاءات تدبریة

المسؤولية طريق النجاح

في الفلسفة الإسلامية؛ المسؤولية تعطي قيمة مميزة لحياة الانسان، كما تعطيه الحوافز للعمل والتطور والبحث عن الأفضل وفق معادلة الثواب والعقاب

إنها مفهوم إنساني تدور حوله جميع الشرائع الإلهية، وايضاً؛ جميع النُظم الوضعية، ومن دون الالتزام بها، و وعيها بالكامل، والايمان بحقانيتها، ينهار بناء التنظيم الاجتماعي، وتفقد السياسة والاقتصاد والقانون قاعدتهم الإنسانية التي يبنون عليها أنظمتهم العملية، والحق يُقال؛ فان الإسلام يُعد الرائد في بعث روح المسؤولية في النفوس بأجلى وأسمى معانيها، ولكن؛ كيف؟!

خطوتين متكاملتين نكتشفها من خلال بصائر القرآن الكريم، تحملنا الى تحقيق هذا المفهوم الحضاري السامي الذي يمكن وسمه بأنه أقرب الطرق الى النجاح.

الخطوة الأولى: تفنيد مبررات التهرّب

القرآن الكريم، كتاب رحمة وهداية وبشارة للبشرية، فهو من حيث الأصل ذو طابع إيجابي محض، أما التهديد والوعيد فهو لمن تسوّل له نفسه الانحراف عن الطريق على حين غفلة، وهو بحد ذاته مبعث خير ورحمة لأنه يمثل جرس إنذار دائم لنا لنتذكر مسؤوليتنا في الحياة أمام الله –تعالى- ومن هذه التحذيرات:

  1. ما يتعلق بغفلة الانسان عن وجود الله –تعالى- في حياته فيتوكل على الآخرين لقضاء حوائجه؛ من فرصة عمل، او غنىً بعد فقر، او طلب العلم، او حتى الشفاء من الامراض، وفي القرآن الكريم آيات لا تُعد تذكرنا بالتوكل على الله؛ {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}، و {إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}، و{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}، و {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً}، وهي المعضلة النفسية التي عانى منها الانسان منذ القدم، وأشار اليها القرآن الكريم في مقارعته للشرك وعبادة الأوثان من دون الله، وكشف عن حقيقة ما تزال غائبة عنّا حتى اليوم، بأن من نتوكل عليهم من دون الله لن يحققوا لنا مطالبنا الحقيقية، ولعل الآية الكريمة من سورة يونس، تجسد هذه الحقيقة بشكل رائع: {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}.
  2. ما يتعلق باعتقاده أن افعاله غير مرتبطة به شخصياً، إنما هي من خلق الله! وهي العقيدة القدرية التي ظهرت بوادرها منذ فجر الإسلام، وفي حياة رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، الذي وصف القدرية بأنهم “مجوس أمتي”، ولكن الغريب أن يمتد هذا الفكر الانهزامي والمتخلف الى عهد الامام الصادق، عليه السلام، ليتحول الى نظرية “الجبر”، ثم يظهر مقابله “التفويض”، فراح البعض ينسبون أفعالهم القبيحة ومواقفهم المتخاذلة إزاء قضايا الدين، الى الله –تعالى-! وأن كل شيء مقضيٌّ ومقدّر له من عند الله! حتى وجود الطغاة والمنحرفين في منصب قيادة الأمة، أما “المفوّضة” فانهم ذهبوا الى أن لا شأن لله –تعالى- بالأساس بعباده، فهم مخولون بفعل ما يريدون دون حساب ولا كتاب!

وفي سورة يس، آية تشرح طريقة التفكير هذه في الازمان الغابرة: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}، وفي سورة المؤمنون على لسان هؤلاء: {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ}، ويأتي النفي القاطع من الله –تعالى- على اداءات الجبرية والقدرية في سورة الزمر: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ}.

  • نفي الحتميات التي آمنت بها فلسفات بشرية شتّى، وإطلاق الحرية للإسان لاستثمار قدراته العقلية والعضلية كلٌ حسب امكانيته واستيعابه، فالمسؤولية موزعة على جميع افراد البشرية، إنما؛ {لا يُكلّفُ اللهُ نَفْسَاً إلّا وِسْعَهَا}.

بيد أن البشر ابتدع في القرون الأخيرة المزيد من منافذ التنصّل عن المسؤولية بنشر تصورات وأوهام تتحدث عن “الحتمية الإنسانية”، وأن ثمة نوازع تجذبه الى ما لا طاقة على مخالفتها، أبرزها؛ الجنس، والمال، وقد تعكّز كثير من مفكري الغرب على ما يُسمى بنظرية “المنعكس الشرطي” وأن الانسان يتبع المثيرات وحسب، علماً أن هذه النظرية اكتشفها طبيب روسي مختص بالجهاز الهضمي بالصدفة خلال تقديمه الطعام لكلبه الخاص في البيت، فسميت نظريته ب “كلاب بافلوف”!

  1. ومن الحتميات الأخرى التي لها جذور رجعية في تاريخ الشرك والوثنية القديمة، فهي الحتمية الاجتماعية التي تفرض على الانسان القبول بثقافة وفكر ونمط حياة صادرة من محيطه الاجتماعي، أما هو فلا يعد سوى مثل صامولة في ماكنة كبيرة! والقرآن الكريم ينفي هذا التصور عقلياً: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، فلا علاقة مطلقاً لما فعل السابقون بما نحن بصدده للإصلاح والتغيير، فبأي منطق يعيش الانسان وفق ما يمليه الآخرون عليه؟
  2. الخطوة الثانية: بصيرة الجزاء

في الفلسفة الإسلامية؛ المسؤولية تعطي قيمة مميزة لحياة الانسان، كما تعطيه الحوافز للعمل والتطور والبحث عن الأفضل وفق معادلة الثواب والعقاب.

وفي القرآن الكريم إشارات دقيقة الى هذه المعادلة في الأحكام وفي الأخلاق، وفي السُنن الإلهية والعِبر من الاقوام الماضية؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، والآية الكريمة المرشدة الى واحدة من بنود الأخلاق العامة: {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، والآية الكريمة المحذرة من عواقب البيع بالربا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، وآيات عديدة تحكم الربط بين مسؤولية الانسان إزاء نفسه، والآخرين، بمعادلة الجزاء، والغاية هي لمصلحة الانسان نفسه، فهو الذي سيكون من الراشدين، والمفلحين، والمهتدين، ولا يكون من الضائعين، والخاسرين.

البشر ابتدع في القرون الأخيرة المزيد من منافذ التنصّل عن المسؤولية بنشر تصورات وأوهام تتحدث عن “الحتمية الإنسانية”، وأن ثمة نوازع تجذبه الى ما لا طاقة على مخالفتها

وربما يسود الاعتقاد بأن الجزاء في هذا المضمار مقتصرٌ على الحياة الآخرة، وليس في عالم الدنيا حيث الناس تعيش المظالم والمفاسد بسبب الانحرافات عن الدين والأخلاق، حتى صار في روع البعض أن المؤمن الملتزم والمتقي الورع أكثر معاناة من المتحلل من كل شيء، فذاك يعيش الضنك، بينما الثاني يعيش الراحة والرفاهية! ولكن!

القرآن الكريم يأتي مرة أخرى ليبين حقيقة الجزاء في الحياة الدنيا وفي الآخرة، و أن المسيئ والمجرم لن يكون منأى عن الجزاء في هذه الحياة، لنقرأ معاً هذه الآية الكريمة من سورة المائدة، فيها استعراض كامل لمشهد المواجهة بين أهل الحق وأهل الباطل، وكيف يبين القرآن عاقبة الكافرين والمنافقين: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

المصدر: التشريع الإسلامي، الجزء التاسع- المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا