إنّ إدماج الشباب في قلب مشروع النهضة الشيعية المعاصرة خيار تأسيسي يتوقف عليه مستقبل هذا المشروع. فبقدر نجاح المؤسسات في الانتقال من منطق الإدارة الفوقية إلى منطق الشراكة والتأهيل والتمكين والحوار
في صميم أيّ مشروع نهضوي جادّ، يبرز الشباب بوصفه العنصر الأكثر حساسية في معادلة المستقبل، لأنّه يمثل الموقع الذي تتقاطع فيه تحوّلات الوعي، وتحدّيات الهوية، وإمكانات التجديد. فالشباب اليوم لا يعيشون داخل فضاء اجتماعي مغلق أو ضمن منظومة ثقافية أحادية، بل يتشكّلون في سياق عالم رقمي مفتوح، تتداخل فيه المرجعيات، وتتسارع فيه المؤثرات، وتُعاد فيه صياغة الأسئلة الكبرى المتصلة بالذات، والانتماء، والمعنى، والدور.
إنّ النظر إلى هذه الفئة بوصفها متلقيًا سلبيًا للخطاب، أو حصر دورها في حدود الامتثال والتنفيذ، يكشف عن قصور في فهم طبيعة المرحلة، ويعبّر عن عجز بنيوي في إدراك مواطن القوة الحقيقية داخل المجتمع.
إنّ تهميش الشباب يمثل تعطيلًا للمجال الذي تُصاغ فيه ملامح الغد، فالمشاريع التي تغفل عن إفساح موقع فعلي للشباب في التفكير والتقدير والمبادرة، تحكم على نفسها بالبقاء أسيرة الحاضر، عاجزة عن بناء امتدادها التاريخي. فالشباب وعيٌ في طور التشكّل، وإذا أخفقت المؤسسات الدينية والاجتماعية الشيعية في مرافقة هذا التشكّل، ستتولى قوى أخرى هذه المهمة، وفق تصوّرات تتقاطع مع البنية القيمية والثقافية للمجتمع.
من هنا، تصبح الحاجة ملحّة لإعادة تعريف العلاقة مع الشباب على أساس الشراكة، وتأصيل الثقة بقدرتهم على الإسهام عوضًا عن الاكتفاء بتوجيههم من الخارج. وإشراكهم في صناعة القرار داخل المؤسسات الدينية والاجتماعية، ضرورة بنيوية لإدماج وعيهم بالتحولات وأسئلتهم وخبراتهم في صلب الفعل المؤسسي، فالمؤسسة التي تغض الطرف عن الجيل الذي سيتحمل أعباء المستقبل، وتصادر حقه في المشاركة بصياغة أولوياته، تُنتج خطابًا منفصلًا عن الواقع، وتكرس آليات عمل فاقدة للتأثير.
غير أنّ الشراكة تظل قاصرة ما لم تُبنَ على قاعدة تأهيل حقيقي وعميق. فالمراهنة على الشباب تتطلب الاستثمار الطويل في تكوينهم العلمي والفكري والأخلاقي والمهاري، وبناء شخصية تمتلك أدوات الفهم، والتمييز، والنقد، وتحمل المسؤولية. إن المجتمع الطامح لشباب فاعل في مشروعه النهضوي، ملزم بتهيئة أدوات الوعي لهم، ومنحهم القدرة على قراءة العالم، وفتح سبل النمو المتكامل أمامهم، ليتجاوزوا حالة الانفعال ويتحصنوا ضد التيه والضياع أمام كثافة الخطابات المتنافسة.
كما أنّ استنهاض دور الشباب يقتضي فتح مجالات رحبة للإبداع، فالطاقات الشابة لا تزدهر في البيئات المغلقة أو الأطر الجامدة. إن الإبداع في مجالات التفكير، والإعلام، والعمل المدني، والتقنية، شرط أساسي للحضور الفاعل في العصر. وأي محاولة لتجديد لمشروع النهضة الشيعية المعاصرة تفتقر إلى تمكين الشباب من التعبير والابتكار والمبادرة، تظل ناقصة، إذ تحرم نفسها من المصدر الأكثر قدرة على التقاط تحولات اللحظة وصياغة أدوات جديدة للتأثير فيها.
ويرتبط بذلك شرط لا يقل أهمية، وهو بناء بيئة حوارية جادّة تحترم الأسئلة، وتتعامل مع الشكوك بوصفها جزءًا من مسار البحث عن المعنى. فالشباب الذين يواجهون سيلًا من الأطروحات والاعتراضات والنماذج الفكرية، يحتاجون إلى خطاب علمي رصين، يعترف بتعقيد الواقع، ويتعامل مع القضايا بعمق وهدوء وثقة معرفية. إن تجاهل الأسئلة يدفعها نحو الهامش حيث تتفاقم وتتحول إلى قطيعة صامتة، أما احتضانها داخل فضاء حواري ناضج، فيجعلها مدخلًا للفهم وترسيخ الانتماء على أساس الوعي.
إنّ إدماج الشباب في قلب مشروع النهضة الشيعية المعاصرة خيار تأسيسي يتوقف عليه مستقبل هذا المشروع. فبقدر نجاح المؤسسات في الانتقال من منطق الإدارة الفوقية إلى منطق الشراكة والتأهيل والتمكين والحوار، تتحول فئة الشباب من موقع الهامش إلى موقع الفاعلية والبناء، وعندئذ؛ يصبح الشباب شركاء في إنتاج الوعي، وصناعة المبادرة، وحمل المشروع إلى آفاق أكثر قدرة على الاستمرار والتجدد.
