لا نماري في حقيقة ضعف المرأة من جهات عدّة، وأنها تحتاج دوماً الى مصادر القوة في الحياة، مثل؛ المال، والولد، والرجل (الأب-الأخ- الزوج)، ولكن؛ لا نشك أيضاً في دور ومكانة المرأة في الحياة بشكل عام، وفي تشييد كيان المجتمع من خلال الأسرة والعائلة، والفضل يعود الى النظام الاجتماعي في الإسلام، وتكريمه المرأة بنصّ القرآن الكريم، وما جاء في السيرة الوضاءة للمعصومين، عليهم السلام.
ولا نحتاج الى تذكير نساءنا بماضي الانثى في التاريخ الغابر، وكيف كانت عرضة للمهانة، والاستعباد، وانتهاك حقوقها الإنسانية، إنما المهم تسليط الضوء على ما ننعم به من قوانين وضعها لنا الإسلام لنعيش بها بكرامة وهناء، بل و يكون لها الإسهام الأكبر في تقرير مصير المجتمع والأمة بأسرها.
النظرة الإيجابية: الخطوة الأساس
مهما كانت إجراءات الحكومة، وقوانين المحاكم، لن تفيد المرأة في شيء ما دامنا نقف على قاعدة التفكير السلبي والرؤية الظلامية إزاء المرأة، فعندما نتحدث عن “حقوق المرأة” مثلاً؛ لا يجب أن يكون الدافع رد الاعتبار، وسد النقص الموهوم والشائع، بقدر ما يجب أن يكون في سياق الحركة التكاملية والسعي الحضاري الذي انطلق منه رسول الله، صلى الله عليه وآله، منذ أول لُبنة وضعها في كيان الأمة، وهذا الخطاب ليس موجهاً للرجل فقط، كونه هو مصدر التصور الوهمي حيال المرأة –البعض منهم طبعاً- بل هو موجه –ربما – بشكل أكثر الى المرأة نفسها بأن “لا تنظر الى نفسها بمنظار الحقارة فتستاء لأن الله –عزوجل- بعث كل الأنبياء من الرجال، فالله لم يغفل دور المرأة الرئيس، حيث أنه جعل من النساء قدوات حسنة أمثال مريم بنت عمران، وآسيا بن مزاحم، والصديقة الزهراء، والسيد خديجة”. (المرأة بين مهام الحياة ومسؤوليات الرسالة- المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي).
هذه النظرة الإيجابية أسس لها القرآن الكريم بإشاراته الى أمثلة من تاريخ الماضين، لتعرف المرأة في المجتمع المكّي –الجاهلي آنذاك، وحتى اليوم، أن المفترض بها توسيع أفق التفكير نحو البناء والتغيير ووضع بصماتها في الحياة بثقة عالية، فكانت الإشارة الى زوجات النبي إبراهيم، وصبرهن على العقم بالنسبة لسارة، وعلى الفراق بالنسبة لهاجر مع وليدها أرض لا شجر فيها ولا بشر، وايضاً؛ والإشارة الى الفتاة الطاهرة من بني إسرائيل؛ مريم بنت عمران، وشجاعتها في تحدي الكفر بالرسالات الإلهية، وآسية زوجة فرعون، وأم موسى وأخته زوجته، كل هؤلاء كان لهم الدور المؤثر في حركة الرسالات الإلهية، علماً أن تلك الحقب التاريخية كانت المرأة فيها تُهان وتمارس ضدها أبشع الانتهاكات، بيد أن تلكم الصفوة لم يتأثرن بتلك الموجة، ولعل عظمتهنّ نابعة من شجاعتهن و روح التحدي لفساد تلك المجتمعات.
الصديقة الزهراء: قدوة المرأة القوية
لمن تبحث عن القوة الحقيقية من نسائنا ما عليها إلا تصفح سيرة حياة هذه السيدة العظيمة، فهي سيدة نساء العالمين، وابنة خاتم الأنبياء، بيد أنها لم تتخذ من البيت ملجأ تفرغ فيه همومها، وتسكب فيه دموعها على ما جرى عليها من بعد استشهاد أبيها رسول الله، إنما اقتحمت المجتمع المغفّل والمخدوع لتعيده الى الطريق الذي رسمه له أباها رسول الله، وضحى من أجله، هو؛ صلى الله عليه وآله، وأمير المؤمنين، والصفوة المؤمنة من المجاهدين الرساليين.
بلى؛ كانت تمارس دور الأمومة وإدارة البيت في الظروف الطبيعية عندما كان نور الإسلام يضرب بقوة كل أوكار الجاهلية، ويمزق ظلام الشرك بمختلف اشكاله، بيد أن المرحلة اللاحقة، وعندما “ظَهَرَ فيكُمْ حَسيكَةُ النِّفاقِ وَسَمَلَ جِلبْابُ الدّينِ، وَنَطَقَ كاظِمُ الْغاوِينِ، وَنَبَغَ خامِلُ الأَقَلِّينَ، وَهَدَرَ فَنيقُ الْمُبْطِلِين”، وهو ما جاء في خطبتها الفدكية العصماء، تغير الوضع تماماً بتغير الظروف الاجتماعية والسياسية، فسجل التاريخ لنا كيف أنها كانت تأخذ بيد الحسنين، ومعها أمير المؤمنين تطوف على بيوت المهاجرين والانصار تذكرهم ببيعتهم لأمير المؤمنين، وتنصّلهم عن وصية نبيهم في ولاية أمير المؤمنين، وأحقيته بخلافته وقيادة الأمة، وحتى بكاءها المُر كان يمثل صوت المعارضة الهادر يصكّ مسامع الحكام الجُدد باسم الدين، والهدف الأساس لها نشر الوعي بين افراد المجتمع آنذاك، وتذكيرهم بأنهم يعيشون واقعاً فاسداً في ظل انحراف عن طريق الرسالة المحمدية.
وجاء التأكيد من علمائنا الابرار، الماضين منهم، والمعاصرين تأكيدهم على حقيقة فضل الصديقة الزهراء، عليها السلام، على الإسلام والمسلمين لإبقاء القيم والتعاليم الإسلامية حيّة ونابضة في النفوس، بوقوفها الشجاع ضد الانحراف والتضليل وقول كلمة الحق بكل شجاعة وثقة.
فاذا اردنا امرأة قوية اليوم خارج جدران البيت، نقول: يمكن هذا بكل تأكيد عندما تكون هذه القوة لصالح الحق والفضيلة كما فعلت الصديقة الزهراء، وابنتها من بعدها؛ العقيلة زينب، وكل النسوة الرساليات عبر التاريخ ممن سجلن مواقف بطولية، وتركن آثاراً عميقة في كيان المجتمع والأمة، لاسيما على الصعيد التربوي، فالصديقة الزهراء بخروجها من بيتها، وإلقائها تلك الخطبة العصماء، لقّنت الأمة والاجيال دروساً مدمجة في العقيدة، والأخلاق، والإصلاح، وذلك خلال فترة وجيزة. فهل نكون في حجم هذه المسؤولية؟
