أن يسقط الشهيد في ساحة المواجهة مع الظلم والطغيان، لهي خطوة أولى في طريق العمل في سبيل الله –تعالى- تتبعها خطوات لحمل الراية، ونشر القيم والمبادئ التي ضحى من أجلها الشهيد، وهذا ما فعله الأخوة المؤمنين في مؤسسة الشهيد النمر العالمية بإقامة ندوة فكرية في الذكرى العاشرة لاستشهاد الشيخ المجاهد نمر باقر النمر، ثم جمع الأبحاث العلمية المشاركة وصبّها بين دفتي كتاب تحت عنوان: “الكرامة في فكر الشهيد الكبير آية الله الشيخ النمر”.
قبل استعراض البحوث والدراسات عن حياة الشيخ الشهيد، يفتتح الكتاب للقارئ “عبق من سيرة الشهيد آية الله الشيخ النمر”، متضمناً ومضات من حياته الاجتماعية والعلمية والسياسية، وكيف أن جمع بين العلم والعمل، وبين الشريعة والمجتمع، وبين الانسان والأخلاق الرفيعة؟ وكيف تجتمع كل هذه المسارات في نقطة واحدة تحت عنوان: الكرامة الإنسانية، وهو ما تجسّد في شخصية الشهيد السعيد، وكانت عنواناً له ولقضيته العادلة التي من أجلها ضحى بحياته.
وقبل أن استرسل في موضوع الكتاب، حضرتني مقولة للشهيد –رحمه الله- أوصى بها محاميه الخاص المرحوم صادق الجبران عندما كان يتابع قضيته مع الجهات القضائية في حينها، قال له: “افعل ما بدا لك، ولكن اعلم أن كرامتي خط أحمر”، ويبدو انه كان عالماً بنوايا السلطات السعودية التي قدمت عرضاً يخلّصها من مأزق تنفيذ حكم الإعدام وآثاره السلبية في الداخل والخارج، بأن يقطع طلباً صغيراً الى السلطات الحاكمة يوحي فيه الى نوع من “الاسترحام”، او طلب العفو، فرفض بشكل قاطع.
ومما جاء في “العبق”، مقتطفات من حياته العلمية؛ طالباً للعلم، ثم مديراً لحوزة الإمام القائم، عجل الله فرجه، في ايران، ومن ثمّ في سوريا، ومن حياته الاجتماعية في بلده وبين أبناء وطنه عندما أسس لصلاة الجمعة في مدينة العوامية لأول مرة عام 2003، وليكون مصدر لنشر أحكام الدين بين افراد المجتمع، ونشره ثقافة تحمل المسؤولية انطلاقاً من المسجد الذي كان يقول “إنه للصلاة فقد، بل هو مصنع الرجال”، ومن المساجد الصغيرة التي ضمت حلقات لدروس العلوم الدينية، انطلق العديد من علماء الدين في مسيرتهم العلمية، وما يزالون في مدينتي النجف الأشرف وقم المقدسة.
وبعد العبق، نطالع الفصل الأول من الكتاب تحت عنوان: “ندوة الكرامة في فكر الشهيد النمر”، تضمن الأوراق البحثية المشاركة في الندوة لعلماء دين ومفكرين من دول عدّة، من هذه البحوث: “الكرامة هي ثقافة الشهادة” للشيخ فضيل الجزائري، من علماء الجزائر، واستاذ في الحوزة العلمية بمدينة قم المقدسة، و”التأصيل القرآني لمفهوم الكرامة عند الشهيد النمر” للشيخ هاشم بوخمسين، الباحث والأستاذ في الحوزة العلمية من العراق، و”الشهيد النمر: تجسيد الكرامة بين تحدي التنظير والتضحية من اجل الأمة”، للدكتور راشد الراشد، الباحث والناشط من البحرين.
وجاء الفصل الثاني تحت عنوان: الكرامة: قبسٌ لا ينطفئ، وتضمن بحثاً للشيخ عبد الله الصالح تحت عنوان “الكرامة في فكر الشهيد النمر: الركائز والمقومات”، كما تضمن كلمة قدمها في الندوة؛ الشيخ حبيب الجمري تحت عنوان: “قناديل العلم والمقاومة: الشهيد الفقيه النمر وسيد شهداء المقاومة السيد حسن نصر الله.
كما تضمن الكتاب أهم ما خلّفه الشهيد النمر في مسيرته الرسالية تحت راية الكرامة؛ “عريضة العزّة والكرامة” وهي الرسالة المطلبية التي قدمها الشيخ الشهيد النمر الى أمير المنطقة الشرقية السابق محمد بن فهد عام 2007، “كانت تمثل مطالب الشعب للحياة الكريمة على مستوى العدالة والمساواة والحرية والحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقد احتوت على خمسة وعشرين مطلباً”.
هذه العريضة جسّدت مشروع الشيخ الشهيد الإصلاحي، وكانت حجّة بالغة على السلطات الحاكمة وأمام الرأي العالم الداخلي والدولي تعبر عن المنطق السلمي له لاستعادة الحقوق والحريات.
ونقرأ في هذا الكتاب عن السمات الأخلاقية للشيخ الشهيد وكيف أن كان يتصفّ بالرقة والحنان والتواضع والتعاون مع أبناء شعبه، وفي نفس الوقت كان يتصفّ بالشدّة والغلظة أمام جور وظلم وانحراف السلطة الحاكمة. وفي الختام، دعا الكتاب القراء، وجميع الاحرار في العالم لإحياء هذه الذكرى وايضاً؛ لمتابعة خيوط جريمة إخفاء مرقد الشيخ الشهيد بعد تنفيذ حكم الإعدام الجائر بحقه، وتحميل السلطات السعودية المسؤولية القانونية والأخلاقية لإعادة الجثمان الى ذويه مثل أي محكوم آخر.
