بينما وسائل الاعلام العالمية والمحلية تتابع باستمرار مجريات الصراع بين ايران من جهة، وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى في مشهد المواجهة العسكرية الدامية، ثم في مشهد التفاوض للتوصل الى حلول سياسية، تنفجر فجأة أحداث عنف طائفية في أفغانستان، ثم في باكستان، وقبلها كانت ثمة إجراءات عسف طائفية في الكويت والسعودية والبحرين، وسط تساؤلات عن التزامن مع المواجهة السياسية والعسكرية الأكبر في الشرق الأوسط.
نساء وأطفال ورجال مسالمون لا يحملون السلاح في مدينة هرات الأفغانية، وفي مدينة كويته الباكستانية، ولا يشكلون تهديداً على أحد، كانوا يتمتعون بالحرية النسبية في بلادهم، فجأة يتلقون الرصاص ويقتلون بدم بارد على يد عناصر إرهابية تلوذ بالفرار ولا أحد يلحق بهم او يتعرف على هويتهم، بمن فيهم رجال الشرطة.
نفس الاستهداف نشهده في البلاد الخليجية وهي؛ السعودية التي نفذت حكم الإعدام الجائر ضد اثنين من الشباب المؤمن بتهم غير جنائية في الآونة الاخيرة، كما تستمر الاعتقالات والملاحقات في الكويت والبحرين، وربما نشهد حالات مماثلة في بلدان أخرى في ظل صمت مطبق وعدم متابعة “شيعية” من مؤسسات وشخصيات ورأي عام شيعي للتنديد بهذه الجرائم.
الخطوة الأكثر أهمية في هذه المواجهة؛ الدعوة الجدّية مع المساعدة الفعلية لجميع المؤمنين من اتباع اهل البيت، عليهم السلام، في جميع انحاء العالم، باتخاذ إجراءات أمنية رادعة، وسبق أن وجهنا هذه الدعوة منذ سنوات بأن تكون للشيعة اجراءاتهم الخاصة، وعدم الاعتماد على الأجواء الأمنية السائدة، او الوعود الحكومية بتطبيق إجراءات تضمن الامن والاستقرار للجميع، فقد ثبت أن الدول التي يتعرض لها الشيعة للاستهداف الطائفي، هي معرضة بالأول للاختراق الطائفي، مما يجعل “المسؤولين” المحليين فيها مجرد متفرجين على مسرح الجريمة.
وهذه ليست دعوة لصنع مليشيات مسلحة، او التثقيف على مواجهة العنف بالعنف، بقدر ما هي دعوة لمواجهة العنف بأسلوب الردع الذي يجعل الجناة يفكرون ألف مرة قبل ان يرسلوا عناصرهم لفتح النار على مصلين في مسجد، أو على باص لنقل الركاب، او تفجير مكان عام، وبما يخلق تصوراً راسخاً لدى الجميع بأن الشيعة ليسوا الحلقة الأضعف في المجتمع، وينسحب هذا على الإجراءات التعسفية في البلدان الخليجية، ونشر ثقافة المجتمع المتماسك الواحد الذي “اذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى”، واذا تعرض جزءٌ من –الشيعة- فان المجتمع بأكمله يتعرض للاهتزاز والقلق، لا أن يموت الرجال، وتتروع النساء ويتيتّم الأطفال ثم يمضي الأمر كأن شيئاً لمن يكن.
في بداية تشكيل الدولة العراقية من بعد انهيار النظام الصدامي، وظهور دعوت لحكم الأكثرية الشيعية، برزت أصوات تحذر من مغبة تهميش سائر المكونات الاجتماعية بأنه “محاولة لتمزيق المجتمع”، علماً أن الشيعة من حيث المبدأ والتطبيق لم يكونوا مطلقاً بصدد الاستئثار بالحكم وتهميش الأقليات العرقية والدينية، وتكرار ما فعله بهم صدام بمساعدة قاعدته الشعبية.
يجدر بنا التفكير ملياً في أمر الاستهداف الخفي للكيان الشيعي في البلاد الإسلامية على أنه استنزاف للقدرات الشيعية على الأصعدة كافة، ينطوي على خطورة بالغة تفوق خطورتها الاستنزاف العسكري والاقتصادي القائم، فهذه يمكن معالجتها بتحركات سياسية وأخرى دبلوماسية مع بعض التفاهمات والاتفاقيات ويأخذ كلٌ حصته من النفوذ والهيمنة، بينما الشعوب المستهدفة بأمنها واستقرارها ومستقبلها، على أي جدار تستند لضمان ألا تكون شريحة محرومة مما يتمتع به الآخرون من أمن وحياة طبيعية.
الصمت الاجتماعي بالدرجة الأولى هو الذي يُجرئ الإرهابي على اطلاق الرصاص او تفجير القنبلة على المدنيين الشيعة، ونفس الامر ينسحب على الإجراءات القمعية لبعض الأنظمة الحاكمة في المنطقة، فالارهابي لا يأتي من السماء بقدر ما هو ينتمي الى مكون اجتماعي آخر، بل ربما يسكن الى جوار المواطن الشيعي، كما أن الحكومات تستند في شرعية قمعها على المصفقين، وعلى الصامتين ايضاً، وقد جربنا هذا عام 1980، في أول عملية استهداف للشيعة بشكل عنيف ودموي في التاريخ الحديث من قبل نظام صدام، حيث جرت أعمال تسفير للعوائل العراقية، واحتجاز أبنائهم الشباب وتغييبهم الى الأبد، واعتقال ومصادرة أموال التجار، قبل ترحيلهم الى ايران، وقد كتب الباحثون فيما بعد أن هدف صدام من هذا الاجراء؛ كان فصل المعارضة السياسية الشيعية عن عناصر قوتها الاجتماعية والاقتصادية ثم رميها خارج الحدود.
للأسف نقول: أن هذه التجربة المُرّة، منسية وغائبة –تقريباً- عن الوعي الجمعي لشيعة أهل البيت في العراق وفي جميع انحاء العالم، وحتى في العراق ايضاً، ولم تحظ بالدراسة والتحقيق لأخذ العِبر منها، ولا أدلّ على ما نقول من تكرارها هذه الأيام، ولعل السبب في هذا؛ الظلال الكثيفة للسياسة على الواقع الاجتماعي والديني ايضاً، وهو ما يؤسف له حقاً، بأن تكون السياسة أولى من الدين والانسان، بينما منهج أهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وآله، يدعو السياسيين بما لديهم تحركات، وتحالفات، وإجراءات رسمية وغير رسمية بأن يصطبغ كل ما لديهم بصبغة الاخلاق والعقيدة، وهذا التأصيل السياسي هو الذي يوقف أعداء الدين والمذهب عند حدّهم، ويعطي لاتباع أهل البيت مكانتهم الحضارية في هذا العالم، وهو ما كان سائداً طيلة القرون الماضية.
