مناسبات

الإمام الحسن المجتبى و خسارة الأمة لقائدها

الهدنة، وفّرت الحياة والأمان للمسلمين، ولم توفرها للإمام الحسن المجتبى، عليه السلام، وهي مفارقة محزنة حقاً، لأن العشر سنوات التي أمضاها الإمام في المدينة كانت بمنزلة حرب شعواء صامتة، ونار غضب تحت عرش المملكة الأموية

“المجتمعون  عليك رجلان بين مطيعٍ و مُكره، فالطائع لك عاصي لله، والمُكره معذور بكتاب الله”.

من رسالة للإمام الحسن، عليه السلام، الى معاوية بعد التوقيع على الهدنة.

بالتوقيع على الهدنة مع معاوية، انتهت الولاية السياسية للإمام الحسن المجتبى، عليه اسلام، فيما الولاية الدينية على حالها تواكب حياته الشريفة، إنما مشكلة المسلمين، ومشكلة الانسان بشكل عام نظرته السطحية الى مفهوم القيادة، فهو يميل الى عامل القوة والسيطرة والتأثير السريع، فمن يملك المال والسلاح هو من يحكم ويُطاع.

هذه المعاهدة التاريخية التي عبّر عنها المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي بأنها “أفضل وثيقة سلام في التاريخ، كما أن نهضة الامام الحسين أفضل حرب في التاريخ”، أسفرت بالدرجة الأولى عن حقن دماء المسلمين، وتحديداً من تبقى من شيعة أمير المؤمنين في تلك الفترة العصيبة، وفق ما أكده الإمام الحسن نفسه، عليه السلام، وإلا فان المخطط الأموي كان الاستمرار في الحرب وإراقة المزيد من الدماء حتى تصفية الامامين، سبطي رسول الله، والقضاء على الإسلام نهائياً.

لا نخوض عميقاً في خلفيات الاحداث التي سبقت التوقيع على المعاهدة، والظروف النفسية والاجتماعية لأهل الكوفة، وللجيش الإسلامي، بقدر ما نسلط الضوء على طبيعة العلاقة بين “جماهير الشيعة” في العراق (الكوفة والبصرة)، والحجاز، والامام الحسن المجتبى، عليه السلام، ونحن نعيش هذه الأيام ذكرى استشهاده الأليمة.

فرغم أن عامة المسلمين يشهدون بمنزلة الامام الحسن في الإسلام، ومكانته اللصيقة برسول الله، وهو سبطه الأكبر، و ريحانته من الدنيا في روايات واحاديث حفظها الكثير على ظهر القلب في تلك الأيام حيث لم يمض على وفاته، صلى الله عليه وآله وسلم، سوى خمسة وعشرين سنة فقط، بيد أن منطق القوة والسلطة أقرب الى نفوسهم من الإيمان بالله وبرسوله والأئمة من بعده، فهو، عليه السلام، اشترط على معاوية في وثيقة الهدنة (الصلح) في البند الخامس بأن “الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم و عراقهم و حجازهم و يَمَنهم، و أن يؤمّن الأسود و الأحمر، و أن يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم، و أن لا يتبع أحداً بها بما مضى، و أن لا يأخذ أهل العراق بإحْنَة و على أمان أصحاب علي حيث كانوا، و ان لا ينال أحد من شيعة علي بمكروه، و أن أصحاب علي و شيعته آمنون على أنفسهم و أموالهم و نسائهم و أولادهم، و ان لا يتعقب عليهم شيئاً و لا يتعرض لأحد منهم بسوء و يوصل إلى كل ذي حق حقه و على ما أصاب أصحاب علي حيث كانوا”، وهو ما أكده لأصحاب المقربين ممن لاموه بشدّة على تنازله عن الحكم لمعاوية بأني “كرهت أن أقتلكم على الملك”.

هذا ما فعله الإمام الحسن بانسحابه من هذه الحرب النفسية والتضحية بشخصيته وسمعته لتوفير أقصى درجات السلامة لجمهور الشيعة بشكل عام، بينما هم غارقون في أحلامهم بأن يكون أهل الخير والصلاح والفضيلة غالبون بالضرورة في هذه الحياة على أهل الباطل، ما داموا على الحق، ومع كتاب الله ورسالة السماء، في حين سنّة الله –تعالى- في الأرض تقتضي السعي والجهاد بوعي وإيمان خالص بأن {الأرض يريها عبادي الصالحون}، وليس بالضرورة النبي أو الوصي أو المرسل من السماء، وطالما أكد لنا القرآن الكريم هذه المعادلة في سيرة حياة الأنبياء والمرسلين مع أقوامهم، وكيف أن القيادة في رؤيتهم تقوم وفق معايير السماء، وليست المعايير غير الدقيقة للبشر والقائمة على المصلحة الآنية والتفكير الضيق.

وقد عبّر عن هذا المستوى من التفكير الضحل؛ معاوية نفسه عندما كتب الى الامام الحسن، عليه السلام، يوماً بأني خيرٌ منك”! فقال له، عليه السلام: “وكيف ذاك يا ابن هند؟! قال: لأن  الناس قد أجمعوا عليّ، ولم يجمعوا عليك! فردّ عليه الإمام: هيهات، هيهات، لشرّ ما علوت يا بن آكلة الأكباد، المجتمعون عليك رجلان بين مطيع ومُكره، فالطائع لك عاصٍ لله، والمُكره معذورٌ بكتاب الله.

جمهور الشيعة بشكل عام غارقون في أحلامهم بأن يكون أهل الخير والصلاح والفضيلة غالبون بالضرورة في هذه الحياة على أهل الباطل، ما داموا على الحق، ومع كتاب الله ورسالة السماء

معاهدة الهدنة، حقنت دماء الشيعة والمسلمين، وعاد كل شخص الى محل عمله والى بيته وأسرته ليواصل حياته الطبيعية، بينما الامام الحسن، مع أخيه الحسين، عليهما السلام، بقيا في ساحة المواجهة الصامتة مع جبهة الباطل، علماً أن الحق والإنصاف يقتضي منّا استثناء ثلّة مؤمنة واكبت الإمامين في هذه المسيرة، مثل؛ حجر بن عدي الكندي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وآخرين من الطليعة المؤمنة، بيد أنهم في الخارطة الاجتماعية آنذاك كانوا أقلية لا تكاد تُرى بين عشرات الآلاف من المسلمين المنتشرين في البقاع الإسلامية، ولم يكونوا ليؤثروا على الوضع السياسي الفاسد والظالم لبني أمية، بدليل أن قتلهم لم يحرك ساكناً من المياه الراكدة في المجتمع الإسلامي آنذاك، رغم أنهم يحفظون من حديث رسول الله في حقهم بأن “يقتل في مرج عذراء –منطقة قريبة على دمشق- أناس يغضب الله لهم وأهل السماء”، وهي الرواية التي حفظوها عن لسان عائشة عن النبي الأكرم، عندما التقت بمعاوية ذات مرة وحاججته بقتل حجر وأصحابه وهم مخفورون في طريقهم الى الشام سنة 51للهجرة.

هذه المعاهدة التي وفّرت الحياة والأمان للمسلمين، ولم توفرها للإمام الحسن المجتبى، عليه اسلام، وهي مفارقة محزنة حقاً، لأن العشر سنوات التي أمضاها الإمام في المدينة كانت بمنزلة حرب شعواء صامتة، ونار غضب تحت عرش المملكة الأموية، فقد كان، عليه السلام، يواصل جهاده على جبهتين في وقت واحد، ويا له من جهاد عظيم! فقد واصل نشر قيم الإسلام وأحكامه وما خلّفه رسول الله للأمة من سُنن وشرائع ليبقي على حيوية الدين وأصالته وصونه من التحريف والتزييف، أما الجبهة الثانية؛ فكانت الحرب الباردة والقاتلة بفضح مثالب وثغرات الأمويين، وتحديداً معاوية و أسرته وحقيقة شخصيته أمام عامة المسلمين لإلقاء الحجة عليهم ليوم موعود سيأتيهم في السنة 61للهجرة عندما يجهّز أخاه الامام الحسين، عليه السلام، قافلته الإصلاحية باتجاه الكوفة التي رفعت لواء المعارضة للنظام الأموي بعد موت معاوية، والولاء والنصرة للإمام الحسين، فكما مضى الامام الحسين في كربلاء قتيلاً في نهضته الإصلاحية المدوية، فان أخيه الحسن المجتبى، عليه السلام، سبقه مسموماً في حربه النفسية الصامتة.

وقبل الختام أجدني ملزماً بتبيان حقيقة غاية في الأهمية تفيدنا لمعرفة دورنا كجماهير إزاء القيادة الحقّة في الامة، فقد يسود تصورٌ بأن الله –تعالى- حدد أدواراً مسبقة للأئمة المعصومين كلٌ يقوم بما ينبغي عليه، فأمير المؤمنين، يصمت على الحق، ثم يأتي ابنه الحسن، فيهادن، ويأتي من بعده ابنه الثاني؛ الحسين، فيثور ويقاتل، وهكذا الأئمة من بعدهم، وهذه ربما تكتسب بعض المقبولية المنطقية بدعوى مواكبة الظروف الاجتماعية ومراعاة مستوى الوعي والايمان لدى الناس، بيد أنها تستبطن فكرة “الحتمية التاريخية” المرفوضة في الفكر الإسلامي، وتروج بشكل غير محسوس لفكرة القدر، ومن ثم اللاإرادة للإنسان بسبب ظلم الحكام وسياساتهم الدموية والقمعية وما الى ذلك من تبريرات تفيد التنصّل عن المسؤولية الفردية لكل انسان مسلم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوقوف بوجه الباطل والانحراف أينما كان، وفق الخطاب القرآني الصريح، ودعوات الرسول الأكرم لأكثر من مرة للمسلمين بأن يوشك أن يأتي عليهم زمان يأمرون فيه بالمنكر وينهون عن المعروف!

عن المؤلف

محمد علي جواد تقي

اترك تعليقا