التجارب تعلمنا أن المهم تنظيم العلاقة بين العبد و ربه، وبقدر نجاح هذه العلاقة السماوية يكون نجاح العلاقة مع أهل الأرض، و”من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن عمل لدينه كفاه الله دنياه، ومن أحسن فيما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس”، يقول أمير المؤمنين، عليه السلام
حالات من الصدمة والخيبة والأسف تعمّ كثير من الناس وهم يصطدمون بسلوكيات بعيدة عن الأخلاق الحسنة تصدر من اشخاص قريبين جداً من التديّن! لماذا هكذا؟
وقبل البحث عن الإجابة الدقيقة والوافية لهذا السؤال الكبير، يختصر الكثير من الناس الوقت ليقدموا طلباً سريعاً بتوفير الأخلاق الحسنة لإعادة السكّة الثانية لمسيرة الإنسان في هذه الحياة، انطلاقاً من التصور السائد بأن الأخلاق فن وممارسة، بينما الدين والتديّن مجموعة نظريات وأحكام تُقرأ وتحفظ للتطبيق وحسب.
هذا التصوّر لا يجانب الحقيقة، لكن في الوقت نفسه لا يجسدها كلها، فالاخلاق له علاقة عضوية بالفطرة السليمة وبالوجدان، والانسان عرف الأخلاق قبل ان يتعرف على الرسالات الإلهية، وذلك بفضل الحكماء في الأزمان الغابرة، ولعل أبرزهم وأقربهم الى الرسالات السماوية؛ لقمان الحكيم، الذي أفرد له الله –تعالى- سورة خاصة باسمه تضم مفاهيم وقيم أخلاقية سامية، وايضاً؛ يمكن الإشارة الى حكماء اليونان القديمة (الفلاسفة) مثل “سقراط الحيكم” الذي عاش قبل حوالي ألفي عام قبل الميلاد، ويُقال أنه “أول من وضع مذهب الأخلاق وصاغ له نظاماً تربوياً وتعليمياً” (تاريخية المعرفة)، وكان من المبادرين بتعريف الناس بوجود قيم الحق والعدل والفضيلة تحت عنوان: “اعرف نفسك”.
كل هذا صحيح، بيد أن الانسان مع مشاعره وأحاسيسه ليس قادراً على صنع البوصلة لتحديد الهدف والغاية، إنما يأتي الإيمان بالله وبرسوله وبكتابه والأئمة الهداة المعينين من لدنه –تعالى-، في مقدمة المنظومة الفكرية والسلوكية، ولمن يتمعّن في آيات الذكر الحكيم يجد التركيز الواضح على الشرك والكفر في خطاب الرسالة السماوية مع الانسان كونها المشكلة الأكبر أكثر من الخطاب الأخلاقي الذي لم يكن يشكل مشكلة أساس في حياة البشرية.
يُقال إن فرعون، وقبل أن يظهر أمامه نبي الله موسى، عليه السلام، كان يتّصف بالتواضع ويأكل مع العبيد، واستمر الحال حتى مع إعلانه الألوهية، كان يواظب على إطعام الناس بالمجان ليتفرغوا للعمل في مشاريعه العمرانية، ربما منها؛ بناء المعابد التي نرى بعض أطلالها اليوم، وحتى اليوم، نلاحظ هذه الظاهرة في مجتمعنا؛ انسان لا يؤمن بوجود الله –تعالى- ثم يتظاهر بحب الخير للآخرين، ويتقمّص التواضع والصدق والأمانة بما يكسبه تصوراً في الأذهان بأنه افضل من المتديّن الفاقد للأخلاق، وإن كان مؤمناً حقيقياً.
التجارب تعلمنا أن المهم تنظيم العلاقة بين العبد و ربه، وبقدر نجاح هذه العلاقة السماوية يكون نجاح العلاقة مع أهل الأرض، و”من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن عمل لدينه كفاه الله دنياه، ومن أحسن فيما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس”، يقول أمير المؤمنين، عليه السلام، فعندما تكون علاقة الانسان بربه علاقة صادقة ومتينة، تنعكس بنفس الشكل تماماً مع علاقاته الاجتماعية، وحتى مع افراد أسرته، ولعل أقرب مثال من صميم واقعنا؛ التوبة، هذه القيمة الإيمانية المقدسة تمثل إحدى أركان العلاقة بين العبد وربه، فاذا كانت التوبة قناعة راسخة، وممارسة عملية، وأن الاستغفار حاجة نفسية وروحية يومية، وربما كل لحظة من لحظات العمر، فان روحية صاحبها ستتصف بالمرونة والتفهّم والاستيعاب لكل طارئ او موقف او كلام يحصل خلال العلاقات الاجتماعية، فالذي لا يلامس الاستغفار روحه، كيف يمكنه تصدير هذا المفهوم الى زوجته، وأخيه و والدته وأبيه وأصدقائه وافراد مجتمعه؟
ونفس الأمر ينطبق على من يحمل في قلبه بذور الحسد، وهو معروفٌ لدى الناس بحسن السيرة والسلوك، بيد أنه ينهار داخلياً وبشكل صامت أمام حظوة البعض بالمال والجاه والإمكانات التي قدرها الله –تعالى- بهذا او لذاك، ونقرأ في الحديث الشريف: “الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب”، والسبب في أن الانسان الحسود ينسى فضل الله عليه وعلى جميع البشرية، وأنه المقدّر للأرزاق، وأن عليه الدعاء والرجاء ليكون بحال أفضل لا أن يمدنّ عينيه الى هذا او ذاك.
إن طبيعة الناس الاهتمام بالظواهر وما يحصلون عليه سريعاً، وهذا ربما يكون أمراً مبرراً في بعض الحالات، ولكنه محفوفٌ بالمخاطر، صحيح أن المطلوب التعامل بالظاهر وعدم التفتيش بما في الصدور والنوايا، ولكن في اطار العلاقات الاجتماعية يكون التحرّي عما في الصدور والنوايا أمرٌ واجب عندما يتعلق الأمر بالزواج –مثلاً- فما فائدة رجل ظاهر أخلاقه حسنة، ولكن باطن إيمانه بالله ضعيف او حتى مفقود، بحيث لا يستشعر مخافة الله في أعماق نفسه، فيبيح لنفسه فعل أي شيء كونه انسان حسن المعشر في سلوكه وكلامه بين الناس، فيكون الظلم للزوجة والاستخفاف بحقوقها وكرامتها مطوياً في غلاف الخُلق الحسن، ومن هنا جاءت الحكمة السامية في معيار الرجل الصالح المقبل على الزواج بأن “إذا خَطَبَ إليكم مَنْ تَرْضَوْنَ دينَهُ وخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ”، وإذن؛ فان الايمان يكمّل ويؤطر الأخلاق وليس العكس، وهكذا كانت منهج الرسالات السماوية على مر الزمن، وحتى الرسالة الخاتمة لنبينا الأكرم، صلى الله عليه وآله: “إنما بُعثتُ لأمم مكارم الأخلاق”.
وهنا السؤال: اذا عرفنا أن الأخلاق مسألة فطرية ووجدانية، كما مرّ سلفاً، فكيف يتسنّى للإنسان استحصال الايمان، وهي مسألة خارجية؟
نحن هنا نبين “رؤوس الأقلام”، وبإمكان القارئ اللبيب والمتابع العودة الى بحوث مفصّلة حول مسألة الإيمان في علم العقائد، إنما المهم لدينا في هذا الحيّز؛ الانطلاق في بناء العلاقة الصادقة والمتينة مع الله –تعالى- من خلال برامج عملية مثل؛ المداومة على المستحبات في الأعمال العبادية، ثم تنمية ملكات روحية في نطاق هذه العلاقة، و ابرزها؛ التوكل، والاستغفار، والشُكر، والتقوى، واستشعار الفقر والفاقة والحاجة الدائمة الى الرحمة الإلهية والمدد في جميع نواحي الحياة.
هذه الروحية الإيجابية، والقلب النقي هو الذي يحمل الأخلاق العملية الصادقة والمثمرة الى أوساط المجتمع والأمة بأسرها.
