كم نحن بحاجة الى سيدات وفتيات يقتدين بالسيدة زينب، ولو بنسبة معينة، فالعلم والعقل والحرية والعفّة عندما تتوفر يعني أننا نضمن قدراً كبيراً من الأمن والسلامة على كيان مجتمعنا من الاختراق والتضليل
اذا ما أجانب الحقيقة في قراءتي للمشاركة النسوية الملحوظة والفاعلة في مسيرة زيارة الأربعين، أقول: أن خطوات الفتيات الصِغار والنِسْوة الكِبار لا تنتهي عند مرقد الامام الحسين، عليه السلام، وحتى آخر يوم للزيارة المليونية، حيث تكون الذروة في يوم العشرين من صفر الخير، بل وتستمر هذه الخطوات برسم الطريق القويم لهذا الجيل والاجيال القادمة، الى الأيام والأشهر الأخرى من السنة.
هل في هذا الكلام مبالغة، أو مجاملة لأجواء الحماس برجاء المزيد من المشاركة والتفاعل؟
يحق لمن يطرح هذه الأسئلة هذه الأيام التي يعيشها في ظل أجواء وظروف كان يحلم بها أبناء جيل الثمانينات والسبعينات والستينات، بل الأجيال الماضية كلها، فاليوم تظللنا أجواء الحرية والأمان –بنسبة عالية طبعاً- وننعم بالخير الوفير بفضل التحول الاقتصادي بعد حقبة الظلم والتجويع والحرمان قبل عام 2003، ولعل السائل –او السائلين- يشككون في حجم هذه الثقة العالية بالمرأة اليوم، لما نشاهده من اهتمامات عند البعض نحو حب الذات، وحب الظهور، والبحث عن الترفيه وتلبية الرغبات والمزاجات. ولكن! ليعرف الجميع أن هذا الحضور الأنثوي الباهر في هذه السنة وكل سنة في هذه الزيارة المليونية لم يكن لولا تلك الخطوات المزلزلة للأرض للأمهات والجدات في السنوات الماضية ممن حطمن كل السدود والحواجز للوصول الى مركز الاشعاع الحسيني، وايضاً للوصول الى قافلة السيدة زينب في طريقها الى كربلاء، ولتقتبس شيئاً من هداها وتجعله عنصر طاقة ونمو للأبناء والاحفاد الذين نراهم اليوم.
ومن الجدير التذكير بما كشف عنه سماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي من حقيقة اجتماعية محورية في العراق، عندما عزا الولاء والحب الموجود في قلوب شباب ورجال اليوم الى تلك النفحات والايحاءات والمبادرات للأمهات والجدات بإقامة المجالس الحسينية، وقراءة الزيارات والأدعية، والحثّ على زيارة الامام الحسين، عليه السلام، في ليالي الجمعة، وسائر المناسبات المأثورة، وفي مقدمتها؛ زيارة الأربعين، ويبين السيد المرجع المدرسي أن الرجال في ثمانينات القرن الماضي كانوا مُبتلين بطاغية ظالم، لغته الدم والموت في سوح المعارك الخاسرة، فكانت النسوة يعوضْن هذا الفراغ التربوي بما أوتين من قوة لإحياء القضية الحسينية.
ما نحتاجه اليوم؛ قراءة للمنهج الزينبي لما يفيدنا في بناء الشخصية الذاتية، وبناء الأسرة والمجتمع من خلال تقصي مراحل حياة هذه السيدة العظيمة والمُلهمة التي أكرمها الله بأن عاصرت جدها المصطفى، وأبيها المرتضى، وأمها الزهراء، وأخويها سبطي رسول الله؛ الحسن والحسين، عليهم جميعاً صلوات الله، لتكون جامعة لكل دروس الصبر على المكاره، واكتساب الفضائل والمكارم، ثم التصدّي الشجاع لكل انحراف يستهدف الرسالة المحمدية.
في كتابها القيّم: القيم التربوية في سيرة السيدة زينب، للدكتورة الراحلة؛ سادسة حمود حلاوي، رحمة الله عليها، تسلط الضوء على “القيم التربوية في هذه الشخصية، مشيرة الى ثلاث علاقات ضمن منظومة قيمية واحدة، تضم كل علاقة مجموعة من القيم التربوية الخاصة بها، ومنها؛ علاقة الانسان مع نفسه، مؤكدة “تطابق أحكام الإسلام وشرائعه مع الفطرة البشرية، فاذا اختلفت علاقة الانسان بنفسه، فانها ستؤثر حتماً في حياته وسعادته وصحته، وكذلك في علاقته مع ربه وعلاقته مع الآخرين”.
وعدّت الدكتورة في مؤلفها تسعة أنواع من العلاقة بين الانسان ونفسه، والخطاب هنا عام ويشمل الرجل والمرأة على حدٍ سواء، فأهل بيت رسول الله، مثلهم كمثل نور الشمس تشرق على جميع أرجاء المعمورة، وليس على بقعة دون أخرى، بيد أن المرأة العراقية بشكل خاص، والمسلمة بشكل عام حَريّة باقتباس شيء من هذا الشعاع لتحقق النجاح في حياتها، ونذكر هذه القيم تباعاً: العلم، والشجاعة، والعقل، والحكمة، والعزّة والكرامة، والحرية، والحياء، والعفة، والمحاسبة.
لا أجدني بحاجة الى تكرار ما يقدمه خطباء المنبر الحسيني الكرام من تبيين شجاعة السيدة زينب في مجالس الطغاة، وكيف شنت عليهم حربها الكلامية الظافرة، وايضاً؛ ما حملته السيدة العقيلة من رجاحة عقل، وحكمة، وعزّ وكرامة، إنما أركز على ثلاث قيم أراها ذات أهمية لنساء اليوم وهي: العلم، والحرية، والعفة.
لمن تريد أن تعرف شيئاً عن حرية الفتاة والمرأة في هذه الحياة لتنظر الى موقف السيدة زينب مع واعتراضها على اشخاص دعوا الامام الحسين بعدم اصطحاب النسوة معه الى الكوفة
الطموح للعلم والتعلّم من أكثر ما يدغدغ مشاعر انسان اليوم بالحاجة الى مستوى معرفي يرفعه بين افراد المجتمع الى تخصصات مختلفة، لتحاشي خطرين محدقين؛ الجهل والفقر، وهو ما تتحسسه الإناث أكثر من الذكور لاسباب لسنا بوارد الخوض فيها، إنما المهم في هذا الحيّز الخاص بذكرى الأربعين والسيدة عقيلة بني هاشم، أن العلم والمعرفة له اتجاهات ومسارات، أكثرها نبلاً وشرفاً ما سلكته السيدة زينب عندما اتخذت من القرآن الكريم والاحاديث عن جدّها المصطفى وأبيها المرتضى وأمها الزهراء، مادة علمية للدراسة والتعليم والنشر، فكانت “تنوب عن أخيها الامام الحسين في حال غيابه فيرجع اليها المسلمون في المسائل الشرعية، ونظراً لسعة معارفها كان الامام زين العابدين يروي عنها، كما روى عنها عبد الله بن جعفر وفاطمة بنت الحسين، ولما كانت في دار أبيها أمير المؤمنين في الكوفة كان لها مجلساً خاصاً تزدحم عليه السيدات وكانت تلقي عليهن محاضرات في تفسير القرآن الكريم”.
أما الحرية، وما أدراكم ما الحرية؟! وكم تبتعد نساء وفتيات اليوم عن هذه القيمة المقدسة، وهُنّ يحسبن أنهن أقرب شيء الى الحرية!
لمن تريد أن تعرف شيئاً عن حرية الفتاة والمرأة في هذه الحياة لتنظر الى موقف السيدة زينب مع اشخاص دعوا الامام الحسين بعدم اصطحاب النسوة معه الى الكوفة، بعد مقولته الشهيرة في سياق بحث ونقاش حول المآلات الحتمية مع أهل الكوفة وأنه “شاء الله أن يراني قتيلاً”، وكان من بين الداعين: عبد الله بن عباس، وكانت السيدة زينب قريبة على الحوار، فبادرته من وراء الستار بالقول: ” “أتشير على سيدنا وشيخنا أن يخلفنا ها هنا ويمضي وحده؟! لا والله، بل نحيا معه ونموت معه، وهل أبقى الزمان لنا غيره”؟
هذا الموقف، من جملة مواقف تكشف لنا الحرية الحقيقية التي ترسمها السيدة زينب لبني جنسها وللعالم كله، بأن الحرية في المواقف الحاسمة باتجاه قضايا حقّ، مثل قضية مواجهة الطغيان والانحراف والظلم أيام الحكم الأموي، وما أكثر النماذج الأموية التي تعيشها الأمة منذ تلك الأيام وحتى اليوم، والى يوم القيامة، فالسيدة زينب صنعت قرارها بنفسها، وبمحض ارادتها، وإلا ربما كانت تظهر مشاعر الخوف من احتمالات الخذلان والخيانة، وتختار الجلوس في دارها بالمدينة، وهي أم و زوجة ولها أسرة آمنة ومستقرة مادياً ومعنوياً. ثم إنها سمعت بكل تأكيد قول أخيها الحسين بأن “شاء الله أني راني قتيلاً”، الى جانب طائفة من الاشعارات والاخبار الواردة بأن الحسين لا يذهب الى الكوفة ليكون حاكماً، وتكون زينب شقيقة الحاكم، وإنما يذهب الى القتل، هو واخوته وابنائه واصحابه، فيما يكون نصيبها ونصيب سائر النسوة والفتيات في ساحة المعركة؛ السبي، بعد حملات الترويع والضرب وانتهاك حرمة رسول الله.
ولنتحدث قليلاً عن العفّة، وهي من أرقى الصفات الأخلاقية المطلوبة لأي انسان وهي “تعني صيانة النفس وترفعها عن جميع الرذائل، وما لا يحلّ من شهوات الجنس والبطن”.
ومع بالغ الأسف تركن البعض من الفتيات والنساء الى الجانب الآخر من العفّة هذه الأيام، وهو؛ التطاول للحصول على كل شيء وبكل ثمن! بتصورهنّ حيازة الذكاء و”الشطارة” والتفوق على الآخرين بامتلاك الوظيفة المرموقة، والسيارة الفارهة، والبيت الفخم مع الأثاث الراقي، والمجوهرات وما شابه من مظاهر الحياة الزائلة.
تنقل الدكتورة سادسة حلاوي عن الشيخ باقر القرشي في كتابه: حياة الامام الحسين، بأن “يزيد بسط نطاع من حرير خالص في مجلسة وصبّ فيه الأموال من ذهب وفضة يريد تقديمها لأهل البيت لتكون ديّة قتلاهم في كربلاء! فردّت عقيلة بني هاشم مستنكرة ومستهجنة فعله بالقول: ما أقلّ حيائك وأصلف وجهك! تقتل أخي وأهل بيتي وتعطيني عوضهم”؟!
وسلام الله على السيدة العقيلة في هذه الأيام العصيبة، فكم نحن بحاجة الى سيدات وفتيات يقتدين بها، ولو بنسبة معينة، فالعلم والعقل والحرية والعفّة وغيرها من القيم التربوية والأخلاقية عندما تكون في الفتاة الجامعية، وفي المرأة الموظفة، وفي الأم المربية في البيت، يعني أننا نضمن قدراً كبيراً من الأمن والسلامة على كيان مجتمعنا من الاختراق والتضليل الذي من شأنه الإطاحة بالنظام الاجتماعي ثم السياسي والاقتصادي برمته.
