يسود الاعتقاد أن الحديث التفكير الإيجابي في ظل أجواء مشحونة بالازمات الاجتماعية والسياسية، يُعد محاولة للتخلّص من واقع الفساد والانحراف واليأس المطبق في حياتنا اليومية، فالانسان الإيجابي –كما يتصور البعض- ما هو إلا سابح في عالم الخيال والعيش في أحلام وردية تخفف عنه عناء ما يتحمله من ضغوط المعيشة، وانعكاسات الفشل الحكومي على حياته.
ولا شكّ في وجود الواقع السيئ في حياتنا، إنما الصحيح ايضاً؛ أن الحالة الإيجابية كما الحالة السلبية من نتاج التفاعلات النفسية لدى الانسان، فمن يعتزم القيام برحلة سياحية الى مكان يعرفه مسبقاً، فانه يتعبأ نفسياً بشكل إيجابي لانجاح هذه الرحلة من الجوانب كافة؛ وسيلة النقل- التكاليف- تحديد مسارات الطريق الأفضل- العدّة والعدد، وما الى غيرها من مستلزمات السفر، ويبقى لأيام يحدوه الأمل لحين ساعة الانطلاق، ولن يفكر لحظة واحدة سلبياً بهذه الرحلة، بل ربما يطرد كل احتمال للفشل، حتى وإن جاءته تحذيرات –مثلاً- او تثبيطات لثنيه عن قراره فانه يبقى متمسكاً بقرار السفر دون تراجع، أليس كذلك؟!
طبعاً؛ الامر ينطبق ايضاً على الحالة السلبية التي تتمخص من مواقف معارضة لعمل ما او كلام او تصرف في الواقع الاجتماعي، فنرى صاحبه تتملكه الحالة السلبية إزاء هذا الواقع للإعراب عن عدم رضاه من الموجود، فلا يكون متفائلاً إلا بإصلاح الخطأ وإزالة الانحراف، وهذه حالة محمودة ومطلوبة في آن، بيد أن هذه الحالة السلبية تكون في بعض الأحيان نتاج حالة نفسية غير سويّة، ولا تكون مبررة من الناحية العقلية والمنطقية.
من القرآن الكريم نتعلّم
في آيات كريمة، يشجب القرآن الكريم فئات واشخاص في الاجتماع بسبب سلوكهم وطريقة تفكيرهم، واحياناً يكون الشجب والاستنكار مصحوباً بالتهديد والوعيد بالعقاب الأليم يوم القيامة، او التنبيه بالخسران المبين، ولكن! الى جانب هذا الخطاب نقرأ في كثير من الأحيان آيات فيها استدراك واستمهال على أمل التغيير والإصلاح، فالحالة الأولى سلبية، وتعبير حقيقي عن واقع سلبي خاطئ لا مجاملة فيه، وفي الحالة الثانية (اللاحقة) نجد الخطاب الإيجابي. لنقرأ الآيات الكريمة من سورة الشعراء التي تتحدث عن صفات هذه الشريحة الاجتماعية المؤثرة، و دقّة التعبير القرآني السلبي لواقعهم: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَى أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ}، هل انتهى الخطاب الإلهي عند هذا الاطار؟ وهل يعني أن الشعراء محكوم عليهم بالغواية والتضليل على طول الخط؟! الآية اللاحقة تجيب بالنفي، عندما تحدد استثناءً: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}، ولا اشكّ أن هذه الآية الكريمة كانت من عوامل شدّ قلوب الشعراء العرب منذ نزول هذه الآية في بمكة المكرمة، حيث كان رسول الله في بدايات نشر رسالة التوحيد وسط المجتمع المشرك، ثم كانت سبباً لتمهيد الطريق لتغيير مواقف عديد من شعراء الجاهلية مثل كعب بن زهير الذي ربما كانت قصيدته الذائعة الصيت؛ “قصيدة البردة”، التي ارتجلها بحضرة النبي الأكرم، نتاج تأثّره بهذه الآية القرآنية تحديداً، فحولته من شاعر في خندق المحاربين لرسول الله، ومن مهدور الدمّ بسبب هجائه وسخرياته، الى شاعر محبوب ومغفور من قبل رسول الله لدرجة ان يهديه البردة التي كانت عليه، صلى الله عليه وآله، وتكون قصيدته من عيون الشعر العربي.
طبعاً؛ الأمثلة لا تُعد في الكتاب المجيد، وأبرزها؛ سورة العصر التي نتلوها دائماً في صلوتنا، وهي من السور القصار، عندما يُقسم ربّ العزّة والجلالة بأن {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}، فاذا توقفنا عند هذه الآية هل يبقى للانسان من أمل في الحياة؟! بيد أن الآية التالية تفتح لنا نافذة كبيرة بأن {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.
التدبّر في هذه الآيات الكريمة تعطينا بصائر رائعة تؤكد أن الحالة الإيجابية حركة ومبادرة لتغيير الواقع الفاسد، او ربما للحؤول دون وقوع الفساد والخطأ، أكثر مما هو كلام يُقال، بينما الحالة السلبية المرضية مدعاة للكسل والتخلف والخسران في الحياة، ولا تنفع معها مبررات “الحديث الواقعي”، او مصطلحات من هذا القبيل لأن الواقع من صنع الانسان على طول الخط.
التدبّر في القرآن الكريم يعطينا بصائر رائعة تؤكد أن الحالة الإيجابية حركة ومبادرة لتغيير الواقع الفاسد أكثر مما هو كلام يُقال، بينما الحالة السلبية المرضية مدعاة للكسل والتخلف والخسران في الحياة
أين المفتاح؟
من حق كل واحد منّا المطالبة بالتغيير وحل المشاكل والأزمات المحيطة بنا؛ من التلميذ الصغير في المدرسة، مروراً بالمعلم والمدرس، والمريض في المستشفى، والموظف في الدائرة، والفلاح، والعامل، والمرأة، وكل فرد في المجتمع، إنما الأمر يحتاج لوقفة تأمّل في أسباب وخلفيات هذا الواقع السيئ، وكيف نشأ بالأساس؟ وهل جاء صدفة دون تدخل منّا؟!
أثبتت تجارب الشعوب والأمم أن التي امتلكت مفتاح النجاح هي التي اهتدت الى الحالة الإيجابية في تفكيرها وفي سلوك افرادها، وقد اهتدى الى هذه الحقيقة علماء الطب، عندما وجدوا الدور العجيب للتفاؤل والأمل في سرعة الشفاء من أمراض مستعصية. وهذا يدفعنا لأن نكون من جملة الباحثين في مسيرة الحياة الطويلة –العريضة، وثمة طرق –من جملة طرق عديدة- أرى أنها تؤدي الى هذا المفتاح:
1- صناعة الطاقة الإيجابية
كتب وبحث العديد من علماء النفس في السنوات الماضية في أمر “الطاقة الإيجابية”، حتى بات لدينا تخصص فرعي جديد بعنوان علم النفس الإيجابي، الهدف منه استثمار الفرص المتاحة والقدرات الموجودة لإيجاد البديل الأفضل، ومعالجة حالات الفشل والهزيمة النفسية على صعيد الفرد، وعلى صعيد الاجتماع بأكمله.
وبنظرة خاطفة على ما حولنا نجد أننا محاطون بعناصر عديدة بإمكانها ان تكون لبنات لانتاج الطاقة الإيجابية اللازمة، ولا أدلّ و أقرب من الصحة والسلامة، ومرحلة الشباب، والأمان، والحرية، مع وجود كل هذه العناصر من الغريب جداً أن نجد شخصاً له طاقة سلبية، وربما هذا يكون في المعيار الديني نوعاً من الكفر بأنعم الله –تعالى- فكل ما ذكرناه وغيره كثير تعد من عوامل الخير في حياتنا وليس الشر، إنما يحتاج الأمر الى رؤية أبعد من المربع الذي نقف عليه لنجد آفاق الحياة وفرص النجاح فيها، حتى وإن كنّا في أحلك الظروف مثل؛ عدم وجود التعيين الحكومي للخريجين، او عدم الحصول على السكن اللائق، أو التعرض لسوء التعامل من الآخرين.
2- عدم التسرّع في الأحكام
نحن نشكو من هذه الحالة بسبب الاحتكام غير المسبوق الى الانترنت وما يطرحه من معلومات وأفكار بالجملة على مدار الساعة والثواني، فهذا الخبر عن هذا، وتلك الفضيحة عن ذاك، وهذه القضية عن هذه الجماعة أو تلك، ثم جاء “اللاذكاء الاصطناعي” ليكبّ المزيد من الزيت على نار الفتنة بين أبناء البلد الواحد والقبلة والكتاب الواحد، من خلال نشر مقاطع او صور يخيّل الى أنها حقيقية لشخص أو قضية ما للترويج لأمر معين بشكل كاذب وظالم.
بنظرة خاطفة على ما حولنا نجد أننا محاطون بعناصر عديدة بإمكانها ان تكون لبنات لانتاج الطاقة الإيجابية اللازمة، ولا أدلّ و أقرب من الصحة والسلامة، ومرحلة الشباب، والأمان، والحرية
ولطالما حذرنا القرآن الكريم، وايضاً؛ ما جاء على لسان المعصومين، عليهم السلام، من مغبة الانزلاق في متاهات التهمة والغيبة والبهتان بسبب كثرة المعلومات عن قضايا مختلفة، يختلط فيها الحق بالباطل، والصدق بالكذب، فتكون صورة مشوهة عن شخص او جهة ما، ربما يستهويها البعض، لكنها بالحقيقة تمثل بداية لتسميم القلب والنفس فيتكون لدينا التفكير السلبي الى درجة أن ينزلق البعض الى التبرؤ من الدين والمذهب والعقيدة، وحتى الأخلاق وعموم القيم الإيجابية بدعوى أن لا فائدة منها، او أنها باتت مطيّة لمصالح حزبية أو شخصية وما الى ذلك من التبريرات لإشاعة مثل هذا التفكير المريض.
والبداية دائماً تكون بإطلاق العنان للعين لرؤية كل شيء، وللأذن لتلقي كل شيء لتكوين قناعة معينة إزاء ما يجري من احداث في الساحة الاجتماعية والدينية.
3- التنافس على البرّ والتقوى
وهذه ايضاً حالة عملية تبعث على النشاط بحوافز مادية ملموسة ومشروعة، وفي المنظومة الثقافية الدينية لدينا تأكيدات وافرة على ضرورة التنافس والمسارعة في عمل الخير والبرّ في الميادين كافة، ما من شأنه خلق أجواء إيجابية تبعث على الارتياح في الأوساط الاجتماعية، ولا أقرب من مثال السلّات الغذائية التي توزع على العوائل المتعففة في شهر رمضان المبارك، وفي أوقات أخرى، الى جانب المساعدات العينية والمالية لتغطية تكاليف معيشة العوائل الفقيرة والايتام، كل هذه وغيرها من شأنها التخفيف من وطأة الحالة السلبية الناجمة عن الفشل الحكومي والقصور المريع في رعاية هذه الشريحة الفقيرة والضعيفة في المجتمع، بل وتُحيي الأمل في النفوس بأن الحياة لن تكون سوداوية بالكامل، وأن ثمة بصيص أمل بالانفراج لطالب المدرسة وللمريض في المستشفى وما الى غيره من الحالات الحرجة.
وفي القرآن الكريم، في سورة آل عمران إرشاد رائع الى جائزة كبرى لمن ينفق ومن يحسن قوله وفعله وسلوكه، وأخلاقه بشكل عام، لنقرأ معاً هذه الآية الكريمة: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، فالدعوة الى المسارعة نحو نيل رضى الرحمن ومغفرته، يعني ان نكون مسرعين لتوفير وسائل الوصول الى هذه المرتبة، والمتمثلة بالانفاق وكظم الغيظ والعفو والإحسان، وكل هذه المبادرات تتعلق بالعلاقات الاجتماعية التي يدعونا القرآن الكريم ان تكون إيجابية على طول الخط حتى ننعم بحياة إيجابية جميلة.
