عندما تكون الميول نحو الرغبات الآنية والمصالح الذاتية، والابتعاد عن التفكّر بالعواقب، تتلوث القلوب، فيأتي الابتلاء والفتنة لإجراء عملية غربلة وتهذيب لصقل النفس من جديد
{ إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}. (سورة الإنسان، الآية: 2-3).
الطالب يتهيّب من قاعة الامتحان، و تتملكه مشاعر القلق والخوف كلما اقترب موعد الامتحان، ولكن! اذا وصله نبأ منعه من دخول قاعة الامتحان لسبب أو لآخر، كيف ستكون مشاعره؟! هل يفرح أم يحزن ويعترض؟!
بالتأكيد سوف يعترض بشدة ويسعى جاهداً لنيل الموافقات اللازمة لدخول قاعة الامتحان لمعرفته بدورها المصيري في حياته العلمية والمهنية، وحتى الاجتماعية، عندما يكون حاملاً شهادة التخرّج في الاحتفال البهيج مع الأصدقاء والأقارب.
وهذا يجسد أحد تجليات الخوف والرجاء في نفس كل انسان في هذه الحياة، وهي انعكاس لسنّة الله –تعالى- في الحياة و إحدى علل خلق الانسان، وفي القرآن الكريم آيات عدّة تشير الى هذه الحقيقة بألفاظ متعددة؛ “الابتلاء” و “الفتنة”، والفرق بين الاثنين؛ أن الأول: يمحّص عمل الانسان، وهو في دائرة أوسع وأعمّ، كما توّجنا المقال بالآية الكريمة من سورة الإنسان، بينما الثانية: فهي تعني بذات الأشياء التي يكمن فيها الابتلاء في دائرة أخصّ مثل؛ المال، والبنون، والحالتان تلتقيان في طريق الاختبار والامتحان ليعرف الانسان حقيقة شخصيته وقدراته في هذه الحياة.
الابتلاء نعمة إلهية!
كيف يكون هذا؟
كما أسلفنا، فان الامتحان بالنسبة للطالب تمثل المعبر الوحيد نحو النجاح، وهو ما يبحث عنه، أما الخوف فان السبب في القلق من احتمال الفشل، بما يعني أننا قبل أن نخوض الابتلاء والامتحان لتحديد مصيرنا بين النجاح والفشل، نكون أمام فرصة ذهبية لإحراز شارة الشجاعة وقوة القلب، والثقة بالنفس، وقد أشار القرآن الكريم الى هذه الجزئية الدقيقة والحساسة بلفظة “الطمأنينة”، وقد سلط عليها الضوء علماء النفس مؤخراً لمعالجة عديد الحالات المرضية والسلوكية.
هذا المضمار الواسع لا يشمل الانسان الفرد لوحده، إنما يشمل الاجتماع المُصغّر (الأسرة)، وايضاً؛ الاجتماع الواسع الشامل لجماهير الأمة، وبمقدار وعينا وفهمنا لما نحن نعيشه، نكون أكثر قدرة على إدارة الموقف والخروج بنتائج إيجابية، فالانسان في قالبه الفردي والاجتماعي يضم نوازع الخير والشر، وبإمكانه إحراز درجات السعادة، أو الانحطاط نحو الشقاء، والخيار متاحٌ على طول الخط بين الرشاد والضلال، وبين الحق والباطل، وبين السمو والانحطاط، وعندما تكون الميول نحو الرغبات الآنية والمصالح الذاتية، والابتعاد عن التفكّر والتدبّر بالعواقب، تتلوث القلوب وتنفصل الفطرة السليمة الطيبة عن السلوك والتصرفات، فيأتي الابتلاء والفتنة لإجراء عملية غربلة وتهذيب لصقل النفس من جديد، “وكلما ازدادت هذه الاختبارات شدة وصعوبة، ازداد نقاء جوهر الانسان، والدليل على ذلك إن أصل “فتنة” مقتبس من وضع الذهب في النار، لأن هذا المعدن يختلط بسائر المعادن، فلكي يُصفى وتذهب عنه الشوائب، يحتاج الى فتنة”. (الابتلاء مدرسة الاستقامة- المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي).
الاستحقاق الحضاري
رب سائل يقول: وما حاجتنا الى الاختبار اساساً! تكفينا حياتنا البسيطة، فلا نقوى على خوض الابتلاء والاختبار والافتتان، وهو المنطق الخاطئ الممتد منذ الأقوام البشرية في التاريخ القديم، وحتى اليوم؟!
الإجابة يقدمها التاريخ نفسه، فمن تكاسل وتقاعس عن خوض الاختبار كان مصيره الخسران والانهيار، والقرآن الكريم يحدثنا عن الأقوام المعاصرين لأنبياء الله، وكيف أنهم فقدوا جميع عناصر حضارتهم؛ من عمران، ولغة، وعلوم، لتخوفهم بدايةً من التخلّي عن مسبقاتهم الفكرية والعقدية والنفسية؛ {قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ}، بينما حالة مميزة واحدة في تاريخ الأمم خاضت التجربة بنجاح، وهم قوم يونس؛ {فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ}، فقد نجوا من العذاب في اللحظات الأخيرة.
هذا فيما يتعلق بالعلاقة بين الانسان و ربه، أما على صعيد معادلة النجاح والفشل في هذه الحياة، فان الحاجة ملحّة وحياتية لمواجهة تحديات حضارية نشهدها اليوم، فالذي يهيمن ويؤثر، ذلك المتفوّق في كل شيء، فهو يفرض ارادته، وثقافته، وحتى أذواقه على الآخرين، وما على هؤلاء إلا الاتباع والامتثال لما يقوله، وهذا يتجسد أمامنا يومياً عندما نلاحظ حرص البعض على فعل المستحيل لاقتناء سيارة فارهة –مثلاً- او جهاز هاتف نقال من ماركة او مواصفات حديثة، وما الى ذلك من أمثلة لا تُعد.
يكفي إلقاء نظرة خاطفة على شعوب في العالم، مثلاً؛ الشعب الصيني لنعرف بالتحديد قيمة الاختبار والابتلاء، فعندما نجد العمران المذهل، وشبكات النقل الرائعة، والتقدم العلمي والتقني الباهر في مجالات عدّة، ومن ثمّ؛ القدرة الهائلة على الإنتاج، وامتلاك أقوى الاقتصاديات في العالم، ومشاكستها للاقتصاد الأميركي المعتد بنفسه طيلة قرن من الزمن، علينا أن نعرف أن كل هذا لم يأت بالمجان، او صدفة، او حصل عليه الشعب الصيني بالتمنيات، إنما بتحجيم الرغبات النفسية، والتفكير بالمصلحة العامة، ثم الصبر على الفشل تلو الفشل حتى الوصول الى قمة النجاح.
اذا نجحت شعوب وأمم بجهدهم الذهني والعضلي، بسلسلة من الاكتشافات العلمية الباهرة، فنحن نمتلك ما هو أقوى وأعظم؛ قوة الإيمان بالله –تعالى- وبقدرته اللامتناهية، وأنه {مَعَ الّذينَ آمَنوا}
لقد فهم الشعب الصيني –وايضاً شعوب متقدمة أخرى- أنها أمام تحديات ماحقة، إما الثبات في الساحة، او الانحناء أمام الآخرين، وهي الحالة التي كانوا عليها طيلة قرون من الزمن، فكان القرار الحاسم والشجاع بتغيير المسار التاريخي الى الأبد، واليوم هو يفرض نفسه على العالم، ونحن ايضاً؛ علينا أن نفهم “أن صراعنا مع الأعداء هو صراع ثقافي مبدئي، وهذا الصراع من مصلحتنا، لانه يزكينا ويطهرنا من دنس الذنوب و رواسب الشرك وحب الدنيا، وينبغي أن ندير هذا الصراع بمهارة وذكاء، من خلال استغلاله في تربية الروح الدينية، وتنمية التقوى، وإيجاد زخم معنوي في النفوس، وبعث الحالة الحضارية في انفسنا”.
فاذا نجحت شعوب وأمم بجهدهم الذهني والعضلي، بسلسلة من الاكتشافات العلمية الباهرة والإنتاج الوفير، فنحن نمتلك ما هو أقوى وأعظم؛ قوة الإيمان بالله –تعالى- وبقدرته اللامتناهية، وأنه تعالى، كريمٌ، و رحيمٌ، وأنه {مَعَ الّذينَ آمَنوا} وفي نفس الوقت هو عادلٌ مع عباده، وهذه شهادة من القرآن الكريم في سورة آل عمران في خطابه -تعالى- للإنسان: {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ * فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى}.
