ثقافة رسالية

كلامٌ في معركة القيم

إن الطريق إلى الإيمان الحق لا يمكن بلوغه والولوج فيه إلا من خلال صياغة وبناء الهوية الشخصية وفق أحكام وتعاليم الدِّين الإسلامي الحنيف، ولقد أفرد الخالق – عزَّ وجل – رحمة منه سورة كاملة تحدِّد الطريق السَّوي للنجاح والفلاح وهي سورة العصر الذي أقسم به – سبحانه وتعالى – بأن المصير إلى الفشل والخسران المبين لأولئك الذين لا تقترن أعمالهم وسلوكياتهم بالإيمان، إذ قال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (سورة العصر).

فرغم صغر هذه السورة المباركة إلا أنها تختزل عالماً كبيراً من المعاني، كما أنها تحدد الخطوط العريضة لإستراتيجية التفوق، والفوز، والفلاح، والتي تتلخَّص كما ورد فيها في أربعة محاور وهي: “الإيمان” مقروناً ب”العمل الصالح”، وموزوناً بالتواصي “بالحق” و”بالصبر”، وعلى ذلك فهما شرطان وركنان أساسيان، ولا يكتمل الإيمان ورسالة العمل الصالح إلا بهما، حيث لا بدَّ أن يكون الحق محوراً لهذا الإيمان، وكذا لا بدَّ من الصَّبر على الالتزام بمتطلباته وقضاء ما يفترضه هذا الإيمان من واجبات، وهما ركنان أساسيان وشرطان هامان لتحقيق الفلاح والفوز عند الله تعالى.

وفي معترك الحياة المليئة بشتى صنوف التحديات لا بدَّ من التسلُّح بالإيمان، وبقوة الحق الذي فيه، وحمل رسالة العمل الصالح، والصبر على تحمل المسؤولية، والقيام بما يفترضه الإيمان في كافة الاتجاهات والمسارات، وعندئذ فسوف تكون البشرى للمؤمنين حقاً، وهذه مواعيد إلهية صادقة وقد وضعها الباري –عز وجل- قانوناً ومعادلة لمَنْ أراد الظفر والفوز والفلاح، كما هو قوله – سبحانه وتعالى – في سورة المجادلة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (سورة المجادلة، الاية: 11)

ففي مسيرة الحياة الشائكة والمليئة بشتى أنواع الفتن والابتلاءات فإنه ليس للإنسان إذا ما أراد الفـوز والظفر والفلاح إلا التمسُّك بأهداب الوصايا الرَّبانية، والتَّحلِّي بالإيمان، وبمناقبياته العظيمة وفي إطار من الحق والصبر. ومن خلال التاريخ فإنّ “المؤمنين” حقاً، لا يرون في الصِّعاب والتحديات القاسية إلا بلسماً في طريق الفضيلة والصلاح والنبل، بل إنّ الإيمان هو ما يعطي لكل التفاصيل المتعلقة بالحياة معنى وقيمة والتي بدونه لا يكون هناك أي معنى وأية قيمة حقيقية للحياة.

فبالإيمان وحده نخرج من دائرة الحيرة والقلق والشك والتيه والضياع، تلك الدائرة التي تثير العشرات من الأسئلة المتصلة بطبيعة الخلق والغاية منه أو بتفسير ما يقع في الحياة من ظواهر وأحداث، بينما يجد المؤمن في إيمانه إطاراً مرجعياً يستريح وتطمئن نفسه فيه لمجموعة ضخمة من القيم الخلاقة التي تعينه في تجاوز المحن، وما قد يعترضه من نتائج يظن بأنها سلبية، فالفقير المعدم بدون الإيمان ستكون الحياة عليه أشد قسوة وإيلاماً من المؤمن الذي يربط ذلك بمجموعة القيم المتصلة بإرادة ومشيئة الخالق، أو تفسير مثل هذه الظواهر على أنها الأفضل والأنسب لما قد تحجبه عن الانحراف والضياع في حال ذلك. ويعلمنا الإيمان بأن نكون إيجابيين حتى في الظروف الحالكة وأشدها قسوة وإيلاماً، بأن لا ننسى بأن نشكر الخالق ونحمده في الأحوال جميعاً، فينهانا الإيمان من أن نتبرَّم أو نضعف أمام تحدي هنا أو ابتلاء هناك، وهكذا فإن “الإيمان” وحده هو الكفيل بتزويد “المؤمن” بالطاقة لتجاوز المحن، وتحدِّي تقلبات الدَّهر والزمن مهما كانت طبيعتها ومستوى حجم تأثيراتها، وقمَّة ذلك ما لخَّصه سيد الشهداء أبي الأحرار (عليه السلام) في مجموعة من أقواله الرائعة والتي لا زالت تدوِّي رغم مرور أكثر من عشرة قرون وسنون متطاولة عليها، ولكن هي حقيقة “الإيمان” إذا وصلت في أعلى مراتبها ومدارجها.

عن المؤلف

د. راشد الراشد

اترك تعليقا