أسوة حسنة

الإمام الرضا و شجاعة الكلمة الحق

كل شيء زائل في هذه الحياة إلا الكملة الشجاعة على حق في المكان والزمان المناسبين فإنها لا تزول مع زوال صاحبها من قافلة هذه الحياة، وتبقى تركةً لأهله وأبنائه، بل لأبناء الأمة جميعاً.

هكذا كان الإمام الرضا، عليه السلام، الذي نعيش هذه الأيام ذكرى مولده السعيد، فهو الإمام المعصوم، والولي المنصوص عليه من قبل رسول الله، على لسان الوحي، وهو الحاكم الفعلي والحقيقي للأمة، بيد أن الظروف الاجتماعية والسياسية اقتضت ان يكون مكانه الى جانب شخص يدّعي الخلافة اسمه “المأمون”، تظاهر بالتقرّب اليه، والى أهل بيت رسول الله، وقد فرض عليه منصب ولاية العهد في مملكته العباسية بخراسان.

كان المأمون العباسي يحضر مجلساً عاماً يومي الاثنين والخميس للنظر في حاجات الناس، ويتابع المستجدات على الساحة الاجتماعية والسياسية، وبينا هو على عرشه، والى جانبه الامام الرضا، عليه السلام، إذ جاؤوا برجل متقشّف –تقول الرواية- بين عينيه أثر السجود، وهو معتقل بتهمة ارتكاب السرقة، فنظر اليه المأمون بشزر وقال:

سوأةً لهذه الآثار الجميلة ولهذا الفعل القبيح! أتُنسب الى السرقة مع ما أرى من جميل آثارك وظاهرك؟!

أجاب الرجل: فعلت ذلك اضطراراً لا اختياراً حين منعتني حق من الخمس والفيء!

فقال المأمون: وأيّ حق لك في الخمس والفيء؟!

قال: إن الله –عزوجل- قسم الخمس ستة أقسام، وقال في كتابه المجيد: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ}. وقسم الفيء على ستة اقسام فقال عزوجل: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ}، وأردف بالقول: فمنعتني حقي وأنا ابن السبيل المنقطع ومسكين لا أرجع على شيء ومن حملة القرآن.

عنا أراد المأمون التنصّل من زاوية الحرج فقال له: أعطّل حداً من حدود الله وحكماً من أحكامه في السارق من أجل أساطيرك؟! فردّ عليه الرجل: ابدأ بنفسك فطهرها ثم طهّر غيرك، وأقم حد الله عليها ثم على غيرك.

هنا التفت المأمون الى الامام الرضا وسأله: ما تقول: فقال، عليه السلام: إنه يقول سرقتَ فسرقَ! فغضب المأمون غضباً شديداً ثم قال للرجل: والله لأقطعنك! فقال الرجل: أتقطعني وأنت عبدٌ لي؟! فقال المأمون: ويلك! ومن أين صرت عبداً لك؟! قال له: لأن أمك اشتريت من مال المسلمين، فأنت عبدٌ لمن في المشرق والمغرب حتى يعتقوك، وأنا لم اعتقك، ثم بلعت الخمس بعد ذلك، فلا أعطيت آل الرسول، صلى الله عليه وىله، حقاً، ولا أعطيتني ونظرائي حقنا، والأخرى؛ أن الخبيث لا يطهّر خبيثاً مثله، إنما يطهره طاهر، ومن في جنبه الحد لا يقيم الحدود على غيره حتى يبدأ بنفسه، أما سمعت قول الله –تعالى- يقول: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ}.

فالتفت المأمون الى الامام الرضا، بعد أن وجد أنه قد بلغ حافة الهاوية، وسأله عن رأيه في الرجل، فقال، عليه السلام: “إن الله –تعالى- قال لمحمد: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ}، وهي التي لم تبلغ الجاهل فيعلمها على جهله كما يعلمها العالم بعلمه، والدنيا والاخرة قائمتان بالحجة، وقد احتج الرجل. هنا قرر المأمون إخلاء سبيل الرجل على مضض وقد مُلئ غيضاً وحقداً على الإمام الرضا، وعلى ردّه الحكيم والمنطقي، وهذا يُعد درساً بليغاً لنا في كيفية التعامل مع المواقف المشابهة أمام سلطان جائر، وصدق رسول الله، حيث قال: “أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”.

عن المؤلف

محمد علي جواد تقي

اترك تعليقا