إن مسؤوليتنا إزاء نداء الإمام الحسين للإصلاح، أكبر بكثير من مسؤولية أهل الكوفة قبل ثلاثة عشر قرناً، بتوفر كل سبل الوعي والمعرفة، ومع التطور السريع لوسائل الاعلام والاتصال
“النَّاسُ عَبِيدُ الدُّنْيَا، وَ الدِّينُ لَعِقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ، فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلَاءِ قَلَّ الدَّيَّانُون”.
لمعرفة دلالات ومعاني كلمات أهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، ينبغي أولاً؛ معرفة الظروف المصاحبة لتلك الكلمات، فقد جاء في “بحار الأنوار”، أن الامام الحسين، عليه السلام، أطلق هذه الكلمات المدوية في لحظة وصوله أرض كربلاء في اليوم الثاني من شهر محرم الحرام لسنة 61للهجرة، وقبل أن يصطدم بجيش الحر الرياحي المأمور من قبل السلطة الأموية بقطع الطريق على قافلة الامام باتجاه نهر الفرات.
قال الامام الحسين تلك الكلمات عندما عرف أنه سيواجه الآلاف من أهل الكوفة المُغرّر بهم لقتاله، وهم من أهل القبلة، ويقرأون القرآن الكريم، ويلتزمون بجميع الطقوس العبادية الظاهرية، لكنهم تنصلوا عن جميع التزاماتهم الايمانية فسقطوا في الهوّة السحيقة بين الايمان والعمل، لأن الايمان “قولٌ باللسان وعملٌ بالاركان”، يقول أمير المؤمنين، عليه السلام.
في كل عام تتجدد الذكرى وتهيج المشاعر ويخيم الحُزن بكل اشكاله على المؤمنين في كل مكان بالعالم، وبالتحديد في مدينة كربلاء المقدسة، وعلى نفس الأرض التي أريقت عليها دماء سبط رسول الله، وابنائه واصحابه، وهُتكت فيه حرمة رسول الله، ولمن يجول ببصره في ارجاء هذه المدينة، لا يجد أثراً للحرب والقتال والدماء، وليس ثمة ما يهدد النساء والفتيات في ظل التطورات السياسية الجديدة، وفي مقالات سابقة أشرنا الى حقيقة أن الامام الحسين، عليه السلام، يدعونا الى السلام والأمان والحرية والعيش الكريم، وليس الى الموت، واراقة الدماء دون وجه حق، وضنك العيش مطلقاً، بقدر ما يدعونا للاستعداد على مدار السنة لخوض نفس التجربة التي خاضها أصحابه يوم عاشوراء، حتى صرنا نخاطبهم في زيارتنا لهم: “يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً”.
هؤلاء نجحوا في أكبر وأخطر مهمة في التاريخ البشري بإحكام الربط بين الإيمان والعمل، وبين العقيدة والسلوك، وبين مظاهر الدين ومصاديقه على أرض الواقع، وقد التحق بهم؛ الحُر الرياحي ليحقق نجاحه الباهر في هذا الاختبار العظيم، وإلا من كان من جيش عمر بن سعد من يُنكر أن الامام الحسين، هو ابن بنت رسول الله، خاتم الأنبياء، وقد ذكّرهم، عليه السلام، بأنه آخر ابن بنت نبي على وجه الأرض، إنما المشكلة في المظاهر الخداعة التي بررت لهم فعل كل شيء، ومحت عن اذهانهم أي احتمال بوجود التناقض بين شخصية الامام الحسين ومنزلته في الإسلام، وقتله استجابة لأوامر شخص مثل يزيد بن معاوية.
فاذا كنا نريد التشبّه باصحاب الامام الحسين، علينا أن نطرح هذا السؤال المحدد على انفسنا، ليس في أيام عاشوراء فقط، وإنما طوال أيام السنة؛ لماذا رضي الامام الحسين لنفسه أن يكون قتيلاً بتلك الطريقة البشعة؟ طبعاً هذا السؤال موجه بالدرجة الأولى الى الرجال، أما السؤال الموجه الى النساء فهو؛ لماذا رضيت العقيلة زينب لنفسها أن تكون مسبية، تساق مع سائر الناس والأطفال بتلك الهيئة المزرية ولمسافات طويلة ومرهقة، وهي تلك الفتاة والمرأة العفيفة والمصونة والمُدللة؟!
إن مسؤوليتنا إزاء نداء الإمام الحسين للإصلاح، أكبر بكثير من مسؤولية أهل الكوفة قبل ثلاثة عشر قرناً، بتوفر كل سبل الوعي والمعرفة، ومع التطور السريع لوسائل الاعلام والاتصال، فلا أحد اليوم يقبل لنفسه أن يُقال له: “أنت مخدوع”، أو “أنت مُغرر بك”، إنما الجميع يؤكدون، بشكل أو بآخر أنهم الأفهم والأعلم، بل الجميع يدّعي أنه يقود الجميع! وربما يكون هذا الاعتداد بالنفس حافزاً لصنع الثقافة الحسينية وتكريسها في النفوس من خلال التقليل من المظاهر والبحث عن للّباب وجوهر القضية بين كلمات الخطباء، وصفحات الكتب، وما قاله العلماء والمفكرون عن النهضة الحسينية.
إن لبس السواد، وطبخ الطعام، وتأثيث الحسينيات وأماكن إقامة المجالس الحسينية بأفضل ما يكون، ثم جميع اشكال العزاء والحزن والجزع من لطم على الصدور، وجلد الظهور بالزنجيل، وضرب الرؤوس بالسيوف، وغيرها من الشعائر الحسينية، كلها مطلوبة كوسيلة تقربنا الى الغايات التي من اجلها ضحى الامام الحسين بدمه الشريف، وهي الإصلاح ثم الإصلاح في الأمة.
ونحن نعزي رسول الله والإمام الحجة المنتظر بهذه الذكرى الأليمة، ثم يصدر من رجل كلمة تناقض الخُلق الحسن، أو تصدر حركة من امرأة تناقض الآداب –مثلاً لا سمح الله- فهل نسمح لأنفسنا الادعاء أننا في طريق الإمام الحسين للإصلاح في أمة جده؟ طبعاً؛ هذا فضلاً عن التصور عما اذا كنّا في مرتبة الأصحاب الذي استرخصوا دمائهم من أجل إحياء الدين وقيم السماء.
نسأل الله في هذه الأيام الشجيّة أن لا نكون ممن وصفهم الامام الحسين، عليه السلام، بمن يكون “الدين لعقٌ على ألسنتهم”، بل يكون الدين متجسداً في أقوالهم وافعالهم؛ في هذه الأيام وطوال أيام السنة.
وأعظم الله أجر الجميع، وشكر الله سعي الباذلين والعاملين لإحياء ذكرى عاشوراء الامام الحسين، عليه السلام.
