العلم والتعلّم بدلاً من استيراد منجزات الآخرين

0

هل الحضارة قابلة للاستيراد، وقابلة للتصدير؟
وكيف يتم ذلك، اذا كان ممكناً؟
وإذا لم يكن ممكناً، فلماذا؟
هنالك من يدّعي أن الحضارة لايمكن استيرادها، لأن الحضارة علمٌ وفنٌ وعادات وتقاليد سليمة، وهي أمور لابد ان نتعلمها، ولايمكن ان نستوردها.
قد يقول هذا الكلام من هو منبهرٌ بحضارة الغرب، ويرى أن علينا ان نصدّر اليها بقايا حضارتنا، وننتقل معها اليهم ونذوب فيهم.
أي أنه يرى خصوصية في المكان والزمان، فهذا العصر في نظره، عصر الغرب، والمكان الطبيعي لمن اراد العيش في بحبوحة من التقدم المادي، فلينتقل الى هناك.
وقد يقول ذلك من ينظر الى الحضارات المتقدمة نظرة الباحث وليس نظرة المنبر.

  • الانتاج وليس الاستنساخ والاستهلاك

وفي الواقع؛ فان الحضارات تاريخياً كانت تنتقل من مكان الى آخر، وتتفاعل فيما بينها، ذلك؛ أن للحضارة بذور، اذا زرعت في ارض نمت، واذا نمت انتجت، ولا فرق أن تكون تلك الارض؛ الصين، كما كانت لها حضارة في قديم الزمان، او الهند، او مصر، او الشرق الاوسط، او القارة الاوربية، او القارة الاميركية، او أي مكان آخر.
فمن اراد الحضارة فلابد أن يفهم أصولها، وأن يدرس كيف تولد الحضارات؟ وكيف تموت؟
من اراد استيراد بستان من مكان الى مكان آخر، فلن يتم له ذلك عن طريق استيراد الورود والثمار، بل باستيراد البذور والنبات، أما التربة فهي عادة ما تكون صالحة.
إن الذي يستورد الثمرة، ويظن أنه قد استورد البستان فهو مخطئ، ومن يستورد السيارة ويشتري الطائرة، ويظن أنه استورد الحضارة فهو مخطئ ايضاً.
فاذا استوردت السيارة المصنّعة من الخارج –مثلاً- وتجنبت التفكير في عملية تصنيعها في أرضك، فانك أخّرت ولادة حضارتك، لانك نقلت المال الذي هو من أسس البناء الحضاري، من أرضك الى أرض غيرك، وعطلت العقول، وحولت الناس الى مستهلكين بدل أن يكونوا منتجين.

نستطيع ان نكون تلاميذ لدى حضارات أخرى، فـ “أعلم الناس من جمع علوم الناس الى علمه”، يقول رسول الله، صلى الله عليه وآله، فنأخذ الجيد منها، وما يتناسب مع قيمنا وديننا وظروفنا وتربيتنا ومناخنا، ونبني بها حضارتنا

إن الحضارات قابلة للتصدير بأصولها، وجذورها، فمن اراد استيراد الحضارة فليتعلم العلم، وليمتلك عناصر القوة، بما في ذلك المال والرجال، والتنظيم الدقيق للحياة، والعلوم.
فحينما تكون الامة متماسكة، و واعية، وواثقة من نفسها فهي بدل أن تستورد السيارات، تستورد مصعنها، وبدل أن تستورد أجهزة الكترونية، تستورد المخطط الذي صنع تلك الاجهزة، وبدل أن تندب حظها العاثر، تُحيي في نفسها روح القيم والمبادئ.
نحن نستطيع ان نكون تلاميذ لدى حضارات أخرى، فـ “أعلم الناس من جمع علوم الناس الى علمه”، يقول رسول الله، صلى الله عليه وآله، فنأخذ الجيد منها، وما يتناسب مع قيمنا وديننا وظروفنا وتربيتنا ومناخنا، ونبني بها حضارتنا، ولربما تكون حضارتنا حينئذ اقوى وأكثر تماسكاً، وأهم وافضل انتاجاً من حضارة غيرنا، لان غيرنا لم يكن قد سبق بمثل الحضارة الفعلية، ونحن قد سبقنا بها.
أما اذا فقدنا الثقة بالذات، ورأينا في حضارة الغرب نهاية الحضارات، والسقف الذي لا يمكن تجاوزه، فلن نستطيع ان نبني حضارة بأمة خائرة القوى، لا تملك من الثقة بالنفس شيئاً، وترى أن كل شيء قد انتهى بالنسبة اليها.

  • سنغافورة وتجربة نهوض

لقد رأينا كيف أن بعض البلدان تعلمت أو قلدت أو سرقت من غيرها عناصر قوتها، وبنت نفسها واستطاعت أن تنافس حضارات الآخرين.
الدولة الصغيرة التي بالكاد تُرى في الخارطة في جنوب شرق آسيا وهي؛ سنغافورة، استطاعت خلال فترة زمنية قياسية أن تنافس الغرب فيما يمتلك من تكنولوجيا، وفيما يمتلك من مال، وحسن التنظيم للحياة، واصبحت تنافس أقوى الدول في عمليات الاستيراد والتصدير.
لقد شهدت سنغافورة بعد الانفصال عن ماليزيا عام 1965 وضعاً متردياً جداً، يسوده الفوضى والبطالة والفقر وعدم الاستقرار، وانعدام الموارد الطبيعية لدرجة أنها كانت تستورد الماء والتراب من جيرانها، إلا أن هذه الجزيرة الصغيرة، رغم كل الصعوبات، استطاعت أن تنهض وتنطلق وتصبح اليوم رابع أهم مركز مالي في العالم، وخامس أغنى دول العالم من حيث احتياطات العملة الصعبة، وثالت أكبر مصدر للعملة الاجنبية، كما أنها تعد المركز المالي والتكنولوجي الاول في جنوب شرق آسيا.
ولعل أهم العوامل المساهمة في هذه القفزة؛ الاهتمام بتجارب الشعوب، ومحاولة استيراد المبادئ الحضارية من الحضارات الاخرى، وإعادة زراعتها ضمن شروط بيئتها.

ليس من الحكمة أن نأتي بمنهج لا يمتّ الينا بصلة، وإن كانت نتائجه جيدة، في بيئة معينة ونطبقه في بيئة أخرى، لأن ايجابياته ستختفي وسلبياته ستظهر في واقعنا وفي ثقافتنا الاجتماعية

يقول لي كوان يو، رئيس وزراء سنغاورة الأسبق، ومؤسس نهضتها الحديثة: “الدول تبدأ بالتعليم، وهذا ما بدأت فيه عندما استلمت الحكم في دولة فقيرة جداً، اهتممت بالتعليم أكثر من نظام الحكم، فبنيت المدارس، والجامعات، وأرسلت الشباب الى الخارج للتعلم، ومن ثمّ استفدنا من دراساتهم وتجاربهم في الخارج لتطوير الداخل السنغافوري”.
وقبل سنغافورة؛ اليابان، ثم كوريا الجنوبية، ثم تايوان، والصين التي باتت تنافس الحضارة الغربية بما تمتلك من قدرات ذاتية وتقدم صناعي وحضاري.

  • استثمار العقول قبل هروبها

إن قيام الحضارات مرهون بعناصر مترابطة هي؛ القيم –الانسان- العلم- المعنويات العالية- العمل.
إنها العناصر الأولية لبناء الحضارات، وهي عناصر يمكن ان تمتلكها أية مجموعة بشرية في أي مكان بالعالم، سواء كانت كبيرة كالصين، او صغيرة كسنغافورة، وسواءً كانت في أرض لا تمتلك شيئاً سوى البراكين مثل؛ اليابان، او في منطقة تزخر بالموارد الطبيعية كالبترول والمعادن مثل بلادنا.
الحضارات قابلة للاستيراد، كما هي قابلة للتصدير ايضاً، ولكن؛ ليس بمعنى استيراد المنتوجات، وإنما استيراد التقدم العلمي، والتنظيم الصحيح للحياة، وتكاملية القيم، والاستفادة من تجارب البشر، وتلاقح العقول.
واذا اخذنا بعين الاعتبار أن العقل ركن اساس في البناء الحضاري، نجد –مع الأسف- أننا نصدر هذه العقول الى الآخرين، فالاطباء والمهندسون والحرفيون والكتاب وكبار الخبراء الصناعيين يهاجرون من بلادنا زرافات ووحداناً الى الدول الاخرى.
ولكن! لماذا نصدر العقول المفكّرة؟
هنالك سببان رئيسيان لا ثالث لهما:
الأول: غلق ابواب الحريات في بلادنا.
الثاني: فتح الابواب لهم نحو البلاد الاجنبية.
أما الاغراءات المادية فان لها تأثيراً ثانوياً على هجرة العقول المفكرة، لان الانسان يبحث عن الحرية قبل أن يبحث عن الخبز، ويبحث عن ذاته قبل ن يبحث عن سعادتها، وينشدّ الى أسرته وعشيرته قبل أن ينشدّ الى بلده ووطنه، والسبب أن بلده يحكمه الغيلان والطغاة، فمن الطبيعي أن يبحث عن ملاذ آمن وبلد يوفر له الكرامة الانسانية على الأقل.
لذا فان الأمن قبل الحرية، والحرية قبل الخبز، والحضارات حينما تنهض بمنطلقات سليمة فهي تجذب الى نفسها كل الباحثين عن الأمن والحرية والخبز، ومن ثمّ تجذب خيرات المناطق الاخرى.
كثيراً ما يُطرح عليّ السؤال التالي: “ألا ترون أن المنهج الغربي يصلح تطبيقه علينا في الشرق، فما دام ان هذا المنهج أعطى ثماراً جيدة هناك، فلم لا نطبقه عندنا مادمنا متخلفين، وبعبارة أخرى؛ لماذا لا نستورد الحضارة الغربية؟
الجواب: لا شكّ أن ثمة جوانب ايجابية في هذه الحضارة، ولكن سلبياتها لا تقل عن ايجابياتها، ونحن في غنى عن استيراد السلبيات التي هي جزء لا يتجزأ من نتائج المنهج الغربي، ليس فقط لأن هذه السلبيات مضرّة بالانسان، وبالبيئة، وبالبشرية عموماً، وإنما لأن تلك السلبيات من دون وجود الايجابيات الموجودة في الغرب ستقضي علينا.
لذا ليس من الحكمة أن نأتي بمنهج لا يمتّ الينا بصلة، وإن كانت نتائجه جيدة، في بيئة معينة ونطبقه في بيئة أخرى، لأن ايجابياته ستختفي وسلبياته ستظهر في واقعنا وفي ثقافتنا الاجتماعية، الامر الذي يتعين علينا التعرّف دائماً على بذور الحضارة، سواء الغربية او غيرها، ثم نقوم بالاستفادة من البذور، لا أن نتشبث بالقشور.

—————————————-

  • من كتاب: أصول الحضارة، بين روح القيم وبراعة الشكل.