المناجات الشعبانية – الحلقة السادسة عشر

تذكّر الموت واكتساب الاطمئنان

0

“اِلـهي اِنْ عَفَوْتَ فَمَنْ اَوْلى مِنْكَ بِذلِك وَاِنْ كانَ قَدْ دَنا اَجَلي وَلَمْ يُدْنِني مِنْكَ عَمَلي فَقَدْ جَعَلْتُ الاِقْرارَ بِالذَّنْبِ اِلَيْكَ وَسيلَتي، اِلـهي قَدْ جُرْتُ عَلى نَفْسي في النَّظَرِ لَها، فَلَها الْوَيْلُ اِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَها”

  • “إلهي إن عفوت فمن أولى منك بذلك”

قد لا يغفر صاحب الحق عليك لأنه قد تضرر من فعلك، فهو لا يغفر لك حتى ترفع الضرر الذي أوقعته عليه، وقد لا يغفر لك، ليس لذلك، بل لأنه محتاج، ولا يمكنه أن يغفر لك حتى ترفع حاجته، وقد لا يعفو لحالة في نفسه؛ فقد يكون بخيلاً –مثلاً- فلا يريد العفو، او فظاً غليظاً!
لكن حاشا لله سبحانه وتعالى أن يوصف بشيء من ذلك كله، ومن هنا فإن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، في هذا المقطع من المناجاة يبين أنه لا أحد أولى بالعفو من الله –سبحانه-، أ لم يصف نفسه -جلّ اسمه- في محكم كتابه، بأنه أهل المغفرة فقال: [وَ ما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى‏ وَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ] ؟
ثم إن ربنا -سبحانه وتعالى- أمرنا بأن نعفو عمن ظلمنا، ونحن البشر قد ظلمنا أنفسنا، فهو أولى منّا بالعفو، إذ إن الذي يأمر بشيء هو أولى بفعله من غيره، وهو السيد الغفور الذي لا تضره ذنوب عباده.
“الهي إن عفوت فمن أولى منك بذلك ثم إن لم تعف يارب فما حيلتي؟ فإن كان عملي لم ينفع فهل من خلاص؟ وهل من طريق للنجاة”؟
نعم؛ فالطريق موجود فيقول الإمام: “وإن كان قد دنا أجلي ولم يدنني منك عملي فقد جعلت الإقرار بالذنب إليك وسيلتي”
فهل نفهم من هذا؛ أن الأجل قد دَنا منّا؟ وهل كان بعيداً حتى يدنو؟! وماذا قدمنا للآخرة؟
خطب أمير المؤمنين، عليه السلام، ذات يوم قائلاً: “ألا وإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَ آذَنَتْ بِوَادِعٍ وَ إِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَ أَشْرَفَتْ بِاطِّلَاعٍ أَلَا وَ إِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمَارَ وَ غَداً السِّبِاقَ وَ السُّبْقَةَ الْجَنَّةُ وَ الْغَايَةَ النَّارُ”.
“أَ فَلَا تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ أَ لَا عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ بُؤْسِهِ”؟
“أَلَا وَ إِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ فَمَنْ عَمِلَ فِي أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ وَ لَمْ يَضْرُرْهُ أَجَلُهُ وَ مَنْ قَصَّرَ فِي أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ خَسِرَ عَمَلهُ وَ ضَرَّهُ أَجَلُهُ”.
“أَلَا فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ كَمَا تَعْمَلُونَ فِي الرَّهْبَةِ”.. إلى أن قال: “وَ إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ بِهِ عَلَيْكُمْ اتِّبَاعُ الْهَوَى وَ طُولُ الْأَمَلِ تَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً”.
الأجل، حقيقة نازلة بك مهما حاولت الفرار منها، فـ”إِذَا كُنْتَ فِي إِدْبَارٍ والمَوْتُ فِي إقبالٍ فَمَا أَسْرَعَ الْمُلْتَقَى”؟
إنظر من حولك هل تجد من بقي على قيد الحياة؟ فأين هم اجدادك و اقرباؤك؟ ألا تذهب الى القبور لتقرأ ما كُتب عليها، نعم إنها حقيقة.
ربنا -سبحانه وتعالى- يخاطب نبيه الكريم قائلاً: “يَا مُحَمَّدُ عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ وَ أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ وَ اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ لَاقِيهِ”.
فالموت هادم اللذات، وقد كتب الله لكل منا أجلا، قد يطول وينقص بحسب أعمالنا؛ صالحة كان أم طالحة، ولكنه على كل حال نازل بنا، هل بقي أحد لآماله؟ أوَ لم يقطع الموت تلك الآمال عليه؟
يقول ربنا -سبحانه وتعالى- في حديث قدسي: “يابن آدم، أمر الدنيا مُرّ على اوليائي، لكن يحبون لقائي، وحلوٌ لأعدائي ولكن يكرهون لقائي، يابن آدم الموت نازل بك وإن كرهت”.
إذا كان الأمر كذلك فما الذي ينبغي أن يفعل الإنسان تجاه ما يلاقيه من مصيره المؤكد؟
لعل أمير المؤمنين، عليه السلام، يريدنا أن نتذكر هذه الحقيقة التي نعيشها ونتغافل عنها، يريد أن ينبهنا الى أن الأجل قد دنا حقا. ولذلك ينبغي أن نتأمل أكثر فيه، فالبشر ينقسمون في طريقة تعاطيهم مع هذه الحقيقة، فهناك من يحاول ان يتجاهلها وينكرها، وهو كالذي يصاب بمرض السرطان ـ والعياذ بالله ـ ولكنه يلهي نفسه باللهو واللعب وكأن ذلك يحل له مشكلة الموت.
ومنهم من يخاف من الموت، إما لأنه يعد الموت نهاية له، أو لأنه لم يهيئ نفسه للآخرة، فهو يريد التمسك بهذه الدنيا مهما أمكنه ويهرب من الموت.
أما المؤمن فلا يخاف الموت، لأنه ينظر الى الموت وكأنها بوابة الى عالم آخر، فهو يعلم أن هذه الدنيا ليست إلا كدار مؤقتة جاء فيها ليرحل عنها.
الإمام الباقر، عليه السلام، يقول لجابر بن عبد الله الانصاري: “أَنْزِلِ الدُّنْيَا كَمَنْزِلٍ نَزَلْتَهُ ثُمَّ ارْتَحَلْتَ عَنْهُ أَوْ كَمَالٍ وَجَدْتَهُ فِي مَنَامِكَ فَاسْتَيْقَظْتَ وَ لَيْسَ مَعَكَ مِنْهُ شَيْ‏ءٌ”.
فهل تحزن على مال فقدته في المنام؟ وهل تفرح به؟ كلا؛ فبمجرد أن تستيقظ فإنك تنسى ذلك، فهذه هي الدنيا.
ثم يقول: “إِنَّمَا ضَرَبْتُ لَكَ هَذَا مَثَلًا لِأَنَّهَا عِنْدَ أَهْلِ اللُّبِّ وَ الْعِلْمِ بِاللَّهِ كَفَيْ‏ءِ الظِّلَال‏”.
إذن؛ المؤمن بالله سبحانه، لا يخاف الموت، بل يرتقبه، كما وصفهم أمير المؤمنين، عليه السلام، في حديث دعائم الإيمان قائلاً: “ومن ارتقب الموت سارع الى الخيرات”، نعم؛ المطلوب منا أن نرتقب الموت و نتهيئ له.
يقول الله –عزوجل- في حديث قدسي: “يابن آدم تهيأ للموت قبل ورودك ولو تركت الدنيا لاحد من عبادي لتركتها للانبياء حتى يدعوا عبادي الى طاعتي، يابن آدم كم من غني قد جعله الموت فقيراً؟ وكم من ضاحك قد صار بالموت باكيا؟!”.
قد يتساءل البعض: كيف يمكننا أن نرتقب الموت؟ هل يكفي أن نشتري الكفن؟ وننظر اليه كل يوم؟ بالطبع هذا أمر جيد، فلا يكتب، من فعل ذلك من الغافلين، إلا أنه غير كاف، بل ينبغي عليه ان يستعد للموت بأن يصفّي حساباته في هذه الدنيا، ويكون مستعدا للموت في أي لحظة من اللحظات، ومن فعل ذلك فتجده يبحث عن الشهادة في سبيل الله، يبحث عن البوابة الى الانتقال.
من ذلك ما يروى أن رجلاً جاء الى النبي، صلى الله عليه وآله، فقال: يا رسول الله ما لي لا أحب الموت؟ فقال، صلى الله عليه وآله: “هل معك مال؟” فقال الرجل: نعم، قال النبي: “فقدم مالك فإن قلب المرء مع ماله فإن قدمه أحب أن يلحقه و إن خلفه أحب أن يتخلف معه”.
قال النبي عيسى،عليه السلام: “هَوْلٌ لَا يُدْرَى مَتَى يَغْشَاكَ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَسْتَعِدَّ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْجَأَكَ”.
قد تسأل كيف يكون الاستعداد للموت؟
لنذكر هنا بعض الروايات لعلها تنفع في فهمنا لكيفية الإستعداد للموت:
– قَالَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وآله: “اذْكُرُوا هَادِمَ اللَّذَّاتِ قِيلَ وَ مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ الْمَوْتُ”، ثم قال: “الْمَوْتُ أَقْرَبُ الْأَشْيَاءِ مِنْ بَنِي آدَمَ وَ هُوَ يَعُدُّهُ أَبْعَدَ فَمَا أَجْرَأَ الْإِنْسَانَ عَلَى نَفْسِهِ وَ مَا أَضْعَفَهُ مِنْ خَلْقٍ وَ فِي الْمَوْتِ نَجَاةُ الْمُخْلِصِينَ وَ هَلَاكُ الْمُجْرِمِينَ وَ لِذَلِكَ اشْتَاقَ مَنِ اشْتَاقَ الْمَوْتَ وَ كَرِهَ مَنْ كَرِهَ”، ثم قال: “مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَ مَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ”.
– قيل لأمير المؤمنين، عليه السلام، “ما الاستعداد للموت؟ قال، عليه السلام: أَدَاءُ الْفَرَائِضِ وَ اجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ وَ الِاشْتِمَالُ عَلَى الْمَكَارِمِ ثُمَّ لَا يُبَالِي أَ وَقَعَ عَلَى الْمَوْتِ أَمْ وَقَعَ الْمَوْتُ عَلَيْهِ وَ اللَّهِ مَا يُبَالِي ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَ وَقَعَ عَلَى الْمَوْتِ أَمْ وَقَعَ الْمَوْتُ عَلَيْهِ”.
– قال الإمام الصادق، عليه السلام: “ذِكْرُ الْمَوْتِ يُمِيتُ الشَّهَوَاتِ فِي النَّفْسِ وَ يَقْطَعُ مَنَابِتَ الْغَفْلَةِ وَ يُقَوِّي النَّفْسَ بِمَوَاعِدِ اللَّهِ وَ يُرِقُّ الطَّبْعَ وَ يَكْسِرُ أَعْلَامَ الْهَوَى وَ يُطْفِئُ نَارَ الْحِرْصِ وَ يُحَقِّرُ الدُّنْيَا وَ هُوَ مَعْنَى مَا قَالَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وآله: فِكْرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ. وَ ذَلِكَ عِنْدَ مَا يَحُلُّ أَطْنَابَ خِيَامِ الدُّنْيَا وَ يَشُدُّهَا فِي الْآخِرَةِ وَ لَا تَسْكُنْ بِزَوَالِ الرَّحْمَةِ عِنْدَ ذِكْرِ الْمَوْتِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَ مَنْ لَا يَعْتَبِرْ بِالْمَوْتِ وَ قِلَّةِ حِيلَتِهِ وَ كَثْرَةِ عَجْزِهِ وَ طُولِ مُقَامِهِ فِي الْقَبْرِ وَ تَحَيُّرِهِ فِي الْقِيَامَةِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ”.
ومن هنا؛ نجد أصحاب الإمام الحسين، عليه وعليهم السلام، لم يكونوا ليأبهوا بالموت، فإنهم كانوا يشتاقون اليه، ألم يقل الإمام الحسين عليه السلام: “خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني الى أسلافي اشتياق يعقوب الى يوسف”.
والإمام امير المؤمنين عليه السلام يقول: “والله لأبن ابي طالب آنس بالموت من الطفل الى محالب أمه”.
ثم إن للاستعداد للموت فوائد شتّى
– فعن رسول الله، صلى الله عليه وآله، أنه قال: “أَكْيَسُ النَّاسِ مَنْ كَانَ أَشَدَّ ذِكْراً لِلْمَوْتِ”.
– وعن ابي بصير قال: قال لي الصادق، عليه السلام: “أَ مَا تَحْزَنُ أَ مَا تَهْتَمُّ أَ مَا تَأْلَمُ؟ قلت بلى و الله، قال: “فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْكَ فَاذْكُرِ الْمَوْتَ وَ وَحْدَتَكَ فِي قَبْرِكَ وَ سَيَلَانَ عَيْنَيْكَ عَلَى خَدَّيْكَ وَ تَقَطُّعَ أَوْصَالِكَ وَ أَكْلَ الدُّودِ مِنْ لَحْمِكَ وَ بَلَاءَكَ وَ انْقِطَاعَكَ عَنِ الدُّنْيَا فَإِنَّ ذَلِكَ يَحُثُّكَ عَلَى الْعَمَلِ وَ يَرْدَعُكَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْحِرْصِ عَلَى الدُّنْيَا”.
“إلهِي هَلْ تُسَوِّدُ وُجُوهً خَرَّتْ ساجِدَةً لِعَظَمَتِكَ؟ أَوْ تُخْرِسُ أَلْسِنَةً نَطَقَتْ بِالثَّنآءِ عَلَى مَجْدِكَ وَجَلالَتِكَ؟ أَوْ تَطْبَعُ عَلَى قُلُوب انْطَوَتْ عَلى مَحَبَّتِكَ؟ أَوْ تُصِمُّ أَسْماعَاً تَلَذَّذَتْ بِسَماعِ ذِكْرِكَ فِي إرادَتِكَ؟ أَوْ تَغُلُّ أَكُفَّاً رَفَعَتْهَا الآمالُ إلَيْكَ رَجآءَ رَأْفَتِكَ؟ أَوْ تُعاقِبُ أَبْداناً عَمِلَتْ بِطاعَتِكَ حَتَّى نَحِلَتْ فِي مُجاهَدَتِكَ، أَوْ تُعَذِّبُ أَرْجُلاً سَعَتْ فِي عِبادَتِكَ”؟!