المناجات الشعبانية – الحلقة الخامسة عشر

حُسن الظن والتطلع الى النجاة

0

“إلهي كأنّي بنفسي واقفة بين يديك وقد أظلها حسن توكلي عليك فقلت ما انت أهله وتغمدتني برحمتك”.

خلق الله الخلق وهو غنيٌ عنهم، لم يرد منهم رزقاً ولا طعاماً؛ ولا استعان بهم من ضعف، ولا استقوى بهم على عدو سبحانه، وهو الغني الحميد، إنما خلقهم ليرحمهم، وأمرهم ليعبدوه، فإذا عبدوه زادهم فضلاً منه ورحمة.
وإن من أبرز تجليات العبادة؛ الدعاء، فإنه وسيلة رحمة الرب لعباده، والله يسمع دعاء كل داع، وبأية لغة، وحتى بلا لغة، فإذا توجه العبد إليه نظر إليه نظر رحمة، ولكن؛ الدعاء بما جاء في مصادر الوحي أبلغ أثراً وأنفذ، لأنه من تعليم الرب سبحانه لعباده، ولأنه يحتوي على مضامين عالية، وفيه كنوز المعارف الإلهية، وركائز الخلق الفاضل، وأدب اللغة المناسبة للتحدث مع الرب –سبحانه وتعالى–.
ومن هذه المقاطع التي فيها الكثير من الحقائق والمعارف الإلهية؛ هذا المقطع العظيم.
ولكي نستطيع توضيح الأمر ينبغي أن نقدم مقدمة.

  • نعمة الخيال العلمي

إن الخيال نعمة من نعم الله لخلقه، فالبشر لم يكن قد اخترع شيئاً إذا لم يسفد من قوة الخيال عنده، وهكذا الحال في معرفته بالآخرة.
إن الغيب بما هو غيب لا يستطيع ان يطّلع عليه الإنسان، وقد أشرنا الى ذلك سابقاً، إلا أننا نريد أن نبين مقارنة بسيطة لتقريب الصورة لا أكثر، وإلا فإن الأمثال تُضرب ولا تقاس.
فهل كان البشر قبل ان يخترع الطائرة قد رأى طائرة؟! وهل رأى سيارة؟! وهل شاهد بعينه مكنسة كهربائية؟! او غسالة، أو مكواة؟! كلا؛ بالطبع، فكيف أمكنه ان يخترعها؟
كيف يمكن لهذا البشر أن يخترع جهازاً صغيراً ويسميه الهاتف الذكي، ليشاهد من خلاله الإنسان في شرق الأرض، من هو في غرب الأرض على كف يده و يتحدث معه؟
كل ذلك تيسّر له بما يسمونه اليوم بالخيال العلمي، إنها قوة منحها الله -سبحانه وتعالى- للإنسان.
وكما أن الطائرة والسيارة كانت غيباً بالنسبة للإنسان؛ فالآخرة هي كذلك، فنحن حين نقرأ الآيات والروايات الكثيرة عن الجنة والنار وما يلاقيه الإنسان في تلك الحياة، نجد أنها كلها تتعامل مع هذه القوة عند الإنسان.
يقول سماحة السيد المرجع المدرسي: “إن المؤمن عليه أن يكون مستعداً للآخرة ومنتظراً لها فيتجاوز الفاصلة الزمنية بينه وبين العالم الآخر”.
وعن كيفية ذلك يقول: “وهذا الأمر يتيسر بواسطة قوة الخيال، التي هي من جملة القوى المفيدة التي أودعها الله في الإنسان. وهذا التخيل عبّر عنه القرآن الكريم بلفظة “الظن” بمعنى أن المؤمن يظن ويتخيل وقوفه في يوم من الأيام في محكمة العدل الإلهي وميزان الحساب الدقيق، وكأنه يعيش ذلك الموقف في يومه الحاضر”.
فاذا وجدنا أنفسنا لا تخشع ولا يحدث في أنفسنا شيء عند تلاوتنا لكتاب الله المجيد، فذلك لأن قوة التخيل لدينا ضعيفة وقاصرة، فالإنسان اذا استطاع تصور الجنة و أنواع النعيم فيها، ووضعها نصب عينه، فإن الشهوات الدنيوية ستفقد الى حد كبير قيمتها لديه، قياساً بالجنة وما فيها من نعيم الهي لا يوصف، واذا استطاع في المقابل تخيل نار جهنم، سيمتنع الى حد كبير أيضا عن ارتكاب المعاصي، كما سيبيع الدنيا الصغيرة الزائلة برضوان الله الاكبر في الدار الآخرة”.
وهذا ما يشير اليه حديث دعائم الإيمان للإمام امير المؤمنين، عليه السلام، في الحديث عن دعامة الصبر فيقول: “فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ وَ مَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ الْمُحَرَّمَات‏”.

  • جذور النيّة الصالحة

بعد هذه المقدمة نقول: إن الإمام امير المؤمنين يمثل للإنسان مشهداً من أروع المشاهد التي قد يتصورها البشر من تجلي رحمة الله تعالى؛ فيرى الإنسان العاصي نفسه، وقد حمل أوزاره على ظهره وكتابه في عنقه، لم يدع صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وهو في حضرة ملكوت الرب تعالى، فما الذي يرجوه الإنسان من ربه الرؤوف في هذه اللحظة؟
ألست لا ترغب إلا في فضل الله -سبحانه وتعالى- أن يظلل عليك؟!
ثم يضيف الإمام أمراً آخر في هذا السياق، وهو بيان لعلة تلقي رحمة الله تعالى في تصور هذا المشهد العظيم؛ ألا وهو حُسْن الظن بالله.
تماماً كما أنك حينما تنظر الى شجرة باسقة تجد فيها شيئاً أساسياً وهو الجذر، فالنواة تحولت الى جذور في أعناق الأرض، ثم ارتفعت إلى عنان السماء، يضرب الله بها المَثل بالنسبة الى الكلمة الطيبة، كذلك فيما يرتبط بالأعمال الصالحات.
فالأعمال الصالحة هي الأخرى لها جذور، مثلها مثل البراكين المدمرة، أنت ترى الجبل هادئاً لا أثر للبركان فيه، وفجأة ينفجر البركان حمما محرقة تنحدر منه فتحرق كل شيء. فللأعمال الصالحة جذور وللأعمال الطالحة جذور أيضاً.
فقد تقول الجذور هي النوايا، فنيّة العمل الصالح عبارة عن جذر العمل ونواته، ولكن؛ للأسف، الجواب خاطئ!
فإن للنيّة جذراً أيضاً؛ فما هو جذر النيّة الصالحة؟ بتعبير آخر لماذا تنوي العمل الصالح أصلاً؟
لنضرب مثلاً نوضح به الفكرة أكثر، حينما تهب لمساعدة ولدك وهو يصرخ ويطلب منك المساعدة، ما الذي يدفعك لذلك؟، أنت نويت أن تساعده، ولكن السؤال لماذا نويت أن تساعده؟ لأنك كنت تحبه، فالمحبة هنا هي جذر النية، وبالعكس أيضاً فيما يرتبط بالأعمال السيئة، فلكل نية إذن أرضية تعد جذر تلك النية.
وحقيقة، إن جذور الأعمال الصالحة هو حسن الظن بالله تعالى كما أن جذور الأعمال السيئة هو سوء الظن بالله.
فاذا كنت تتوقع زيارة صديق، من المؤكد أنك ستهيئ الدار والطعام لاستضافته لأنك تنتظر صديقاً، واذا رأيت من بعيد إنساناً ظننت أنه عدوٌ لك، فبالتأكيد ستهيأ لمواجهته بتهيئة سلاحك.
فحسن الظن، هو جذر للعلاقات الطيبة بين العباد، ولذلك ربنا طالبا أن نجتنب سوء الظن، فقال عزوجل: {اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}.
وإذا كان مطلوباً منّا أن نحسن الظن بالعباد، فكيف برب العباد؟! ألا يجب علينا أن نحسن الظن برب العباد؟
طبعاً لا يكفي حسن الظن لوحده في هذه الدنيا، فالله عزوجل لا ينوب عن عباده فيما أمرهم به، فلا يعطي النجاح و المناصب والإمكانات للكسالى بمجرد حسن ظنهم به، فهو لا ينوب عنه.
نعم؛ انت تقوم بعمل بسيط، والله -سبحانه وتعالى- يُنمّيه لك، فالفلّاح لا يعمل شيئاً سوى زرع البذرة و الاهتمام بها، ولكن الذي ينميها هو الله عزوجل.
و ربنا صديق، فيجب أن نتخذه صديقاً ورفيقا، فهو حينما يأمرنا بشيء إنما يريد الخير لنا من وراء ذلك، كذلك؛ حينما ينهانا عن شيء، وحتى لو أن في سبيله تعرضت لبعض الصعاب، لكن؛ علينا أن نعرف انه يريد الخير لنا.
في الحديث أن رب العالمين في يوم القيامة يخاطب المؤمن كالمعتذر إليه! يقول: “عبدي إذا كان في الدنيا لم أقسم لك من الخيرات، فلِما أعددته من النعيم هنا”، و يُريه النعيم إلى أن يقول العبد: يارب! لِمَ لمْ تحرمني من النعيم في الدنيا، فيقول تعالى: “كنت أخاف عليك من الفتنة”.
يقول الإمام علي، عليه السلام: “حُسن الظن راحة القلب، وسلامة الدين” ويقول: “إن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله”، فالبخيل بخيلٌ لأنه لا يحسن الظن بالله ويخشى أن يفتقر.
ويقول، عليه السلام: “لا إيمان مع سوء الظن”، و يقول: “إياك وان تسيء الظن فإن سوء الظن يفسد العبادة”.
ويقول ربنا في حديث قدسي: “أنا عند ظن عبدي بي إن خيراً فخير وإن شرا فشر”.
وفي رواية أن النبي، صلى الله عليه وآله، صعد على المنبر ذات يوم وقال مما قال: “والذي لا اله إلا هو لا يحسن الظن عبد مؤمن بالله إلا كان الله عن ظن عبده المؤمن لأن الله كريم بيده الخيرات يستحي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن ثم يخلف ذلك”.
عندما توفي الصحابي الجليل؛ سلمان المحمدي، كتب الإمام علي، عليه السلام، على كفنه هذه الأبيات من الشعر، وهي بهذا المضمون:
وفدت على الكريم بغير زاد
من الحسنات والفعل السليم
وحـمل الزاد أقبح كل شيء
إذا كان الوفود على الكريم
ولذا يقول الإمام عليه السلام: ” إلهي كأني بنفسي واقفة بين يديك وقد أظلها حسن توكلي عليك”.
ثم يكمل لنا الإمام هذا المشهد الجميل فيقول:” فقلت ما أنت أهله وتغمدتني بعفوك”
هنا؛ أود تبيين ما ذكرناه في الحلقات الاولى، بأن الإنسان حينما يدعو بهذه الدعوات ويناجي ربه بهذه الكلمات، عليه ان يَعبُر من خلال الكلمات الى معانيها، فيجب ان يعيش هذه الحالة وهو يقرأها، بل ويتلفظ بها من كلّ قلبه، لتندمج روحه مع هذا المشهد العظيم.
الإمام امير المؤمنين، عليه السلام، بعد أن صوّر لنا بهذا التصوير الرائع، موقف العبد بين يدي ربه، و يبين لنا كيف أن حُسن ظن العبد بربه وتوكله عليه، قد ظلل عليه وحجب بينه وبين ذنوبه ومعاصيه، رغم أنه غارق فيها، يبين لنا حقيقة ينبغي أن تكون حاضرة في أذهاننا دائماً وهي أن الله عزوجل هو {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} كما يصف نفسه، فيقول عليه السلام: “فقلت ما أنت أهله”.
ولا يهمنا في هذا السياق ما هو القول الذي سيقوله الرب لعبده؛ فهل يقول له إذهب الى الجنة فقد غفرت لك، أو يقول له: “كذب عبدي ولكن أجيزوا له كذبته؟”، ليس ذلك مهماً؛ إنما المهم هو نتيجة هذا القول، و مؤداه، فهو كما يصفه الإمام “وتغمدتني بعفوك”.
تقول العرب: تَغَمَّدْتُ فلاناً، أي: سترت ما كان منه وغطيته، و تَغَمَّدَ الرجل: و غَمَّدَه إِذا أَخَذَه بِخَتْل حتى يغطيه.
وهنا منتهى بلاغة الإمام، عليه السلام، حيث قارن بين كلمة “تغمدتني” و كلمة “العفو”، فكان يمكن ان يُقال تغمدتني برحمتك، أو ليس الكلام عن رحمة الله عزوجل؟
نعم؛ ولكن للرحمة تجليات؛ منها: ستر العيوب و تغطيتها، وهي التي تكون بالعفو، و هو التَّجاوز عن الذنب، وترك العقاب عليه، وأَصله المحو والطمس‏.
ولمفردة التغمّد أفق آخر؛ وهو أن السيف حينما يوضع في غمده فهو يستوعبه، كذلك فيما يخصّ عفو الله تعالى، فهو يستوعب كل ذنوب عبده المؤمن و يغمره بهذا العفو.
ولكي نجلي القلوب نختم حلقتنا هذه بحديث عظيم عن الإمام الصادق عليه السلام: “في حال المحشر أن آخِرَ عَبْدٍ يُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ فَيَلْتَفِتُ. فيقول له الباري عزوجل عَبْدِي لِمَ الْتَفَتَّ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا كَانَ ظَنِّي بِكَ هَذَا؟! فَيَقُولُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ عَبْدِي مَا كَانَ ظَنُّكَ بِي؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ كَانَ ظَنِّي بِكَ أَنْ تَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي وَ تُدْخِلَنِي جَنَّتَكَ.
قَالَ الإمام، عليه السلام: فَيَقُولُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ: مَلَائِكَتِي وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي وَ آلَائِي وَ ارْتِفَاعِ مَكَانِي مَا ظَنَّ بِي هَذَا سَاعَةً مِنْ حَيَاتِهِ خَيْراً قَطُّ وَ لَوْ ظَنَّ بِي سَاعَةً مِنْ حَيَاتِهِ خَيْراً مَا رَوَّعْتُهُ بِالنَّارِ ولكن أَجِيزُوا لَهُ كَذِبَتهُ وَ أَدْخِلُوهُ الْجَنَّةَ”!!
“إلهِي إنْ كانَ قَلَّ زادِي فِي الْمَسِيرِ إلَيْكَ، فَلَقَدْ حَسُنَ ظَنِّي بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْكَ، وَإنْ كَانَ جُرْمِي قَدْ أَخافَنِي مِنْ عُقُوبَتِكَ، فَإنَّ رَجآئِي قَدْ أَشْعَرَنِي بِالأَمْنِ مِنْ نِقْمَتِكَ، وَإنْ كانَ ذَنْبِي قَدْ عَرَّضَنِي لِعِقابِكَ، فَقَدْ آذَنَنِي حُسْنُ ثِقَتِي بِثَوابِكَ، وَإنْ أَنامَتْنِي الْغَفْلَةُ عَنِ الاسْتِعْدادِ لِلِقآئِكَ، فَقَدْ نَبَّهَتْنِي الْمَعْرِفَةُ بِكَرَمِكَ وَآلائِكَ، وَإنْ أَوْحَشَ ما بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَرْطُ الْعِصْيانِ وَالطُّغْيانِ، فَقَدْ آنَسَنِي بُشْرَى الْغُفْرانِ وَالرِّضْوانِ”.