ثقافة رسالية

نهج البلاغة والحياة (32) هل هناك علاقة بين الفسق والفشل؟

قال أمير المؤمنين عليه السلام: “ومن شنئ الفاسقين وغضب لله غضب الله له وأرضاه يوم القيامة”.

ما هو الفسق؟

واي شيء داخل الانسان يدفعه الى الفسوق؟

وما هي النتائج

وكيف نستطيع ان نقاوم النزعة في الفسوق داخل نفوسنا؟

حينما تخرج السيارة عن الجادة تكون حينئذ قد سقطت في فسوق عن الطريق، وحينما يخرج  الانسان عن الجادة الطبيعة التي خلقها الله له؛ فيتعدى حدوده، او يزيد وينقص مما عليه، يكون بذلك قد ارتكب الفسوق.

 الله ـ عز وجل ـ خلق الانسان وجعل في داخله شهوات ورغبات، وحدّد له القنوات التي يحقّق فيها رغباته و شهواته، فكما ان الذي يصنع السيارة ويفتح الطريق يكون قد حدد لها الجادة، فأي سيارة تتعدى ذلك تعطب نتيجة اصطدامها بجدار او جبل او تهوي في مكان سحيق.

كذلك الانسان حينما يتعدى الحدود التي رُسمت لافراغ شهواته، ولتحقيق رغباته، يكون حينئذ قد اتكب الفسوق، فالزنا، واللواط، واللصوصية، والظلم وما شابه ذلك كلها فسوق، لان هناك طرقا لتحقيق الرغبات الجنسية من غير ما حرم الله، ويكون ذلك عن طريق الزواج، وهنالك طرقا لكسب المال غير السرقة، وهناك جادة في العدل فمن تعداها الى الظلم فقد ارتكب الفسوق.

⭐ لابد ان نعرف ان العظماء لم يكونوا ماجنين في الحياة، والماجنون لم يصنعوا شيئا لانفسهم ولا لأمتهم

أمامك في تحقيق الرغبات طريقان؛ طريق حق، وآخر باطل، فمن لم يمشِ في طريق الحق، ومشى في الباطل فقد ارتكب الفسوق.

من أين يأتي الفسوق في الانسان؟

كل نفس ميّالة الى الخروج عن الحدود قال ــ تعالى ــ: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ}، فنفس الانسان ميّالة الى الالتذاذ بالشهوات من دوم التقيّد بشيء، وميالة الى الحصول على المال من دون التعب، فلا يوجد نفس إنسان لا ترغب ولا تشتهي كل ما تراه، فالعين ترى والقلب يريد.

فقد يرى شخص اموالا في جيب آخر فيرغب الاول في الحصول عليها من دون تعب فيرتكب السرقة، او يرى آخر امرأةً جميلة أمامه، ومن دون أن يتقيد بقيد في العلاقة معها يحب الحصول عليها والالتذاذ منها.

لولا ان النفس البشرية ميالة الى الفسوق لما كان أهل الجنة قلائل، ولما ميّز الله أهل الطاعة عن أهل العصيان، حتى أمير المؤمنين، عليه السلام، كان ميّالا الى الشهوات، ولكن كان يقف أمامها.

كل إنسان ميّال الى الشهوات التي لا يشبعها شيء، قال.. :”أخر نومك الى القبر ولذلك الى الجنة وفخرك الى الميزان”.

ولننظر ما فعل الانسان بالمرأة لنعرف كيف ان اللذة والشهوة في الانسان لا تشبع، لانها اشبه بجنهم التي تقول: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ

البشرية جاءت وتعاملت مع المرأة ــ التي هي من لذات الدنيا ــ بأن أخرجتها من حجابها، وطالبوها بالسفور، وفي الظاهر انه فقط مجرد الحجاب، ثم تدرج الامر الى الثياب القصيرة، ثم العُري الكامل، وبعدها الى الشذوذ الجنسي، وينتهي المطاف الى الشذوذ بالحيوانات!

تلك العين لم تشبع من المرأة، وما نسمع عن الغرب من الفسق والفجور لم يخطر على قلب الشيطان، لان الشهوات لا تشبع، وكذلك الطموح لا يقفر عند حد، ولكن المؤمن هو الذي يترك تحقيق رغباته الى الجنة، ويتوسع في الجانب المعنوي، والروحي.

{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ}، فهو يأتي ويقول للإنسان: اذهب الى خارج الحدود التي وضعها الله. الخطايا تعترض سبيل الانسان، والفاسق هو الذي لم يقف بينه وبين نفسه عند حدٍّ معين من شهواته ورغباته، حتى النبي يوسف عليه السلام، الذي سمّاه القرآن، الصديق، تعترض طريقه وتأتي امامه.

⭐ حينما ينهانا الله عن الفسوق والفحشاء ليس فقط لانها تؤدي الى  جهنم، وإنما لانها تؤدي الى السقوط في هذه الدنيا

الخطايا تصتف أمام الانسان؛ مؤمنا كان أما فاسقا، موحدا ام كافرا، لكن حينما تضع حدّا لفسوف النفس، وانجذابها لارتكاب الشهوات، حينئذ تعيش في هذه الدنيا سليما، وإلا ترتكبها الشهوات، والشطيان لا يتعب، يبقى يحاول إغواء الانسان الى آخر لحظة في حياته.

  • نتائج الفسوق

مبدئيا لابد ان نعرف ان العظماء لم يكونوا ماجنين في الحياة، والماجنون لم يصنعوا شيئا لانفسهم ولا لأمتهم، من الممكن ان يترك ماجنا تراث من الرقص والغناء، ولكنه لن يستطيع ان يترك اختراعا او تفكيرا لشعبه.

حينما ينهانا الله عن الفسوق والفحشاء ليس فقط لانها تؤدي الى  جهنم، وإنما لانها تؤدي الى السقوط في هذه الدنيا، قال أمير المؤمنين، عليه السلام: “لو كنا لا نرجو جنة، ولا نخشى نارا ولا ثوابا ولا عقابا لكان ينبغي لنا أن نطلب مكارم الأخلاق، فإنها مما تدل على سبيل النجاح”. ويقول عليه السلام: “من أحب المكارم اجتنب المحارم”.

القرآن الكريم يضرب لنا من التاريخ القديم قوم لوط، وهم الذين انزل الله عليهم العذاب بسبب الفسوق والمجون، بعد ان اكتفى الرجال بالرجال، وكان قد حذرهم نبي الله لوط قائلا: { وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ}. هذا على المستوى الجماعي للفسق تكون العقاب جماعيا. كذلك على المستوى الفردي يكون الفسق طريقا الى السقوط وتكون ذلك في عدة نتائج:

  • اولا: الفسوق يقود الى الكفر

ابليس لم يكن كافرا، بل كان فاسقا، وبسبب فسقه صار منشأً للكفر، والفسق، والفحشاء، والمنكر، قال ــ تعالى ــ: {فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}، الفسق بداية في كل الانحرافات، وكذلك البداية في الكفر والطغيان فسوقا.

التقوى خطوة، والكفر خطوة، فكما ان الانسان لا يهتدي مرة واحدة وإنما بمرور الزمن، كذلك لا يسقط مرة واحدة، فالخطوة الأولى هي التي تجر الى التالية، فالذي يظن انه إذا اذنب مرة واحدة فلن تنطبق السماء على الارض، فهذا مخطئ، لان الانحرافات الكبرى تبدأ بخطوة، فالكفر مبدؤه فعل فاسق.

  • ثانيا: الفسوق يجر الى الطغيان

جذور الطغيان فسق وفجور وفساد، قال ــ تعالى ــ: {إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}، فسبب الاموال يرتكب المعاصي، لان وسيلة الشهوة صارت تحت يده وهي (الاموال)، “ان الفراغ والغنى والجدة مفسدة للشباب”.

{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ}، لانه يريد الانغماس في الملذات والشهوات، تراه لا يحكم بما انزل الله، لانه إذا اراد الحكم  بما اراد الباري، سيقال له: من أين لك هذه الاموال؟!

{وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ}، لذلك الانسان المتقي المتطهر لا يكفر بآيات الله، ومن يدعي انه فيلسوف في الالحاد فهو كذّاب، لانه فلسفته فرجه، وهمه الاكبر اشباع نزواته، فهل هناك حقيقة اوضج من الله ــ عز وجل ــ؟

  • ثالثا: الفسوق يجر الى النفاق

قال ـــ تعالى ــ: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ}، فظاهراً يدعي الايمان والتقوى، لكنه في الحقيقة فاسقا لارتكابه المحرمات، وهذا الفسق دعاه الى النفاق، بأن يظهر شيئا ويبطن آخر.

ولان بدايات السقوط هو الفسوق، فإن الاسلام يطالبنا بالآتي: فهو لا يطلب منك ان تكون معصوما من الخطأ، لان الانسان قد يرتكب المعصية، ولكن المطلوب هو ان يتوب الى الله إذا أذنب، فلا يسمح للمعاصي ان تتراكم على قبله، قال ــ تعالى ــ: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ}، وفي الحديث الشريف: “إذا عملت سيئة فاعمل حسنة تمحها”.

  • كيف نقاوم الفسوق في انفسنا؟ 

اولا: الوعي بالنتائج

اللذات في الدنيا عابرة، ولو فكر الانسان بمآلات الشهوات لما اقدم عليها.

ثانيا: تذكر العقاب الاخروي

ثالثا: تقوية الإرادة

للفسق مآلات وآثار، وقد اوضح القرآن الكريم والروايات الشريفة ذلك، و معاملة الله مع الفاسق تكون عبر ما يلي:

  • الحرمان من الهداية، قال ــ تعالى ــ: {وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}
  • الحرمان من رضى الله عز وجل: {فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنْ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}
  • الحرمان من قبول الاعمال: {لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ}.
  • الحرمان من البركات: يقول ابو الحسن عليه السلام: حق  على الله ان لا يعصى في دار الا اضحاها للشمس حتى تطهرها”. ويقول أمير المؤمنين، عليه السلام: “من يموت بالذنوب أكثر ممن يموت بالآجال”.

معالجة الفسق في المجتمع الاسلامي يأتي عبر نبذ الفاسق، وعلى المجتمع الاسلامي ان ينبذ الفاسقين، لان هذا المجتمع ليس مجتمع  الميوعة، ولذا فشهادة الفاسق لا تُقبل، ولا الصلاة خلفه، ولا يجوز أيضا ان يكون الفاسق مرجعا للتقليد.

⭐ معالجة الفسق في المجتمع الاسلامي يأتي عبر نبذ الفاسق، وعلى المجتمع الاسلامي ان ينبذ الفاسقين، لان هذا المجتمع ليس مجتمع  الميوعة

الإسلام يرفع الحرمة الاجتماعية عن المتجاهر بالفسق، قال الإمام الصادق، عليه السلام: “إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولاغِيبة”، وأكثر عقوبات الاسلام هي على الفسق؛ عقوبة الزنا، وشرب الخمر، والسرقة، وما شابه، فالعقوبات الموجودة ليست على الكفر، وإنما اكثرها على الفسوق. وهنالك كتاب يتكلم عن عقوبات الأعمال في الآخرة اسمه “ثواب الأعمال وعقاب الأعمال” لابن بابويه القمي، وهذا الكتاب جدير بالاطلاع والقراءة.

إذن؛ يجب مقاطعة الفاسقين “شنآن الفاسقين” والغضب عليهم، قال عيسى بن مريم للحواريين: تحببوا الى الله وتقربوا اليه.

فقالوا: يا روح الله بماذا نتحبب الى الله ونتقرب؟

قال: ببعض أهل المعاصي، والتمسوا رضا الله بسخطهم.

وقال أمير المؤمنين، عليه السلام: “خير العمل ان تلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرة”.

وقال الامام الصادق، عليه السلام: ” ما يمنعكم إذا بلغكم عن الرجل منكم ما تكرهون وما يدخل علينا به الأذى أن تأتوه فتؤنبوه وتعذلوه وتقولوا له قولا بليغا، قلت: جعلت فداك إذا لا يقبلون منا؟ قال: اهجروهم واجتنبوا مجالسهم. الذي يشنأ الفاسقين ويغضب لله ــ عز وجل ــ يكون معه الله في ساعة العُسرة، “ومن شنأ غضب الله له وارضاه الله يوم القيامة”.


  • مقتبس من محاضرة لآية الله السيد هادي المدرّسي (حفظه الله).

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا