ثقافة رسالية

نهج البلاغة والحياة (46) بالأخلاق الحسنة نحقّق النجاح

قال أمير المؤمنين، عليه السلام: “أكرم الحسب حُسن الخُلق”.

لا يشك اثنان ان التقدم البشري كله قائم على خلفية أخلاقية، ولا يشك اثنان ان التمدّن لا يقوم إلا على اساس الحضارة، وان الحضارة انما تعني تلك العادات الحسنة، والاخلاق الفاضلة والمناقبيات الرفعية.

وإذا أردنا أن نقول في بعض كلمات ما للأخلاق الحسنة من آثار فيكون ذلك من خلال أربع أمور:

الأول: إن الاخلاق الفاضلة تجمع الناس حول صاحبها وتصنع له قرابات.

الثاني: الاخلاق الفاضلة سبب من اسباب النجاح والتقدم سواء بالنسبة الى الفرد او الجماعات.

الثالث: الاخلاق الفاضلة سبب رئيسي من اسباب زيادة الرزق والتقدم الاقتصادي والمادي.

الرابع: ان ثواب الله إنما يُعطى بناءً على الأخلاق، لانها السبب الرئيسي لبعثة الانبياء، قال النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، والانبياء الذين سبقوا النبي الأكرم، جاؤوا بجانب من الاخلاق ورسول الله جاء بالإتمام والتكميل.

🔺 الاخلاق الفاضلة سبب من اسباب النجاح والتقدم سواء بالنسبة الى الفرد او الجماعات

في هذه الكلمة القصيرة للإمام أمير المؤمنين علي، عليه السلام، يتحدث عن حقيقة قائمة في المجتمع، وهي أن الانسان العادي يبحث عن عائلة كريمة لها شرف رفيع في المجتمع لكي ينتسب اليها، ومن ثَم يكتسب الشرف، والحسب.

و هنالك نسب وهنالك حَسَب، فالأول هو ان يكون فلان ابن فلان وهذا لا يمكن تغييره، فلا يمكن لأي واحد منا ان يغيّر او يبدل اباه أو أمه، وعلى اساس النسب لا يعطي الله ثوابا ولا نجاحا في الدنيا، جاء في الحديث القدسي: “خلقت الجنة لمن اطاعني ولو كان عبدا حبشيا وخلقت النار لمن عصاني ولو كان سيدا قريشا”.قال النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله: “يا بني عبد المطلب إني لا اكفيكم من الله شيئا”.

أما الحَسَب فهو ان يبحث الانسان  للارتباط بعائلة كريمة و ببيت شريف، لكن أعظم درجات الحَسَب هو الانتساب الى الاخلاق الفاضلة، لان الاخلاق الحسنة تصنع للإنسان قرابات وتصنع له شرفا لا يستطيع أي حَسَب آخر ان يمنحه للانسان.

قال امير المؤمنين، عليه السلام: “كم من وضيع رفعه حُسن خُلقه”، ولذا تجد إنسانا وضيعا في المجتمع ولكنه يتمتع بالاخلاق الفاضلة، هذه الاخلاق ترفعه في المجتمع.

النجاح قائم على اساس الاخلاق، قال الإمام الصادق، عليه السلام: “إن الله عز وجل خص رسله بمكارم الأخلاق فامتحنوا أنفسكم فإن كانت فيكم فاحمدوا الله، واعلموا أن ذلك من خير، وإن لا تكن فيكم فاسألوا الله وارغبوا إليه فيها”، والانبياء مثال للشخصية الناجحة في الحياة، وهم الذين حكموا على القلوب ملايين السنوات، وما من إنسان إلا ويحاول ان ينسب نفسه الى نبي من الانبياء.

النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، معروف بأخلاقه الفاضلة، والاسلام انتصر لثلاثة اسباب: “أخلاق رسول الله، وسيف علي، ومال خديجة”، وأخلاق رسول الله كانت هدفا لسيف علي وأموال خديجة.

 قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: “الأخلاق منايح من الله عز وجل فإذا أحبَّ عبدا منحه خلقا حسنا وإذا أبغض عبدا منحه خلقا سيئا”، وأن يعطي الله منحةً لإنسان يعني انه يرفعه في هذه الحياة، ويجلعها في خدمته واختياره.

الاخلاق الفاضلة مثل العسل الذي يجمع الفراشات، والاخلاق الفاضلة تجمع الناس حول صاحبها، قال أمير المؤمنين، عليه السلام: “من حسن خُلقه كثُر محبوه وأنست النفوس به”.

وكم من صفقة تجاري ونجاحٍ في هذه الحياة او مشروع عظيم سقط بسبب فقدان الاخلاق، فصاحب المشروع الكبير كان يظن أن الناس يتجمعون حول البضاعة فقط، ولم يعرف ان الآخرين اصحاب عواطف وقلوب.

و الاخلاق الحسنة تزيد في الرزق، قال أمير المؤمنين، عليه السلام: “في سعة الاخلاق كنوز الارزاق” الرزق مكنون ومودع في الاخلاق الكريمة الواسعة.

أما من حيث الثواب للأخلاق؛ فالله ـ تعالى ــ لا يعطي الثواب بناءً على حجم العمل، وانما بناء على تأثيره، فعمل يكسب الانسان تقوى فهو عند الله مقبول، وعمل لا يؤثر لا قيمة له، قال الإمام الصادق، عليه السلام: “إن الله لعطي العبدَ من الثواب على حسن الخلق كما يعطي المجاهدَ في سبيل الله يغدو ويروح”.

وفي حديث: “أكثر ما يدخل الجنة تقوى الله وحسن الخلق”، اسباب دخول الجنة كثيرة؛ فهنالك من يدخل الجنة بجهاده، وآخر يدخل لكرمه، لكن الأكثر يدخلون الجنة بتقوى الله وحسن الخُلق”، وفي رواية “عنوان صحيفة المؤمن حسن خلقه”، ومما قال لقمان لابنه: “إن عدمك ما تصل به قرابتك واخوانك فلا يعدمنك حسن الخلق وبسط البِشر فإن من حسن خلقه أحبه الاخيار وجانبه الفجّار”.

وقال أمير المؤمنين، عليه السلام: “ما اعطى الله سبحانه شيئا من خير الدنيا والآخرة إلا بحسن خلقه وحسن نية”. الله تعالى لا يعطي الانسان كرامة او رفعة في هذه الحياة، سواء ما يرتبط بالدنيا، او فيما يرتبط بالآخرة لا يعطي ذلك إلا بأحد سببين: إما الأخلاق الفاضلة، وإما النية الخالصة.

🔺 من حيث الثواب للأخلاق؛ فالله ـ تعالى ــ لا يعطي الثواب بناءً على حجم العمل، وانما بناء على تأثيره، فعمل يكسب الانسان تقوى فهو عند الله مقبول، وعمل لا يؤثر لا قيمة له

وكان رسول الله، صلى الله عليه وآله، يدعو الله أن يرزقه مكارم الاخلاق فكان يقول: “اللهم حسّن خَلقي وخُلقي وجنبي منكرات الاخلاق”، وهناك آيات في القرآن الكريم تخاطب رسول الله شخصيا فيما يرتبط بالاخلاق.

فمثلا الآية الكريمة التي نحفظها جميعا: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} وهذه آية تمدح أخلاق نبينا الاكرم، صلى الله عليه وآله، وهناك آيات اخرى تخاطبه: {خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ}، وكذا بقية الآية التي تتكلم في الجانب، ولهذا قال رسول الله: “أنا أديب الله وعلي أديبي أمرني ربي بالسخاء ونهاني عن البخل والجفاء وما من شيء ابغض الى الله من البخل وسوء الخلق وانه ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل”، الاخلاق السيئة تفسد العمل الصالح، فمجرد القيام بالاعمال العبادية بعيدا عن الالتزام بالاخلاق الفاضلة يعدو كونه عملا بلا نتيجة.

 الاخلاق الحسنة عادات، فإذا اردنا ان نحصل عليها فلابد أن نعوّد انفسنا عليها، “الخير عادة والشر عادة”، فمن لا يعرف البسمَة والبشاشة عليه ان يعوّد نفسه عليها، وكذا من يريد ان يصبح كريما لابد ان يتدرج في الكرم، ومع مرور الزمن تتغير عادات الانسان، وهذا له القيمة لانه واجه نفسه وغيّر عاداتها، فلا يوجد إنسان صار خلوقا دفعة واحدة.

عن المؤلف

هيأة التحرير

اترك تعليقا