لماذا يحتفل اليمنيون بأول جمعة من شهر رجب؟

0

بعد أن عمّ النور المحمدي الجزيرةَ العربية، من مكة الى المدينة الى الطائف، وما حولها، كان لابد لأهل اليمن من الدخول في هذا الدين الجديد الداعي الى كتاب الله، ونبذ الانداد من دون الخالق، فأرسل النبي الاكرم محمد، صلى الله عليه وآله، خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الاسلام وانفذ معه جماعة من المسلمين فيهم البراء بن عازب، وأقام خالد على القوم ستة أشهر يدعوهم فلم يجبه أحد منهم فساء ذلك رسول الله، صلى الله عليه واله، فدعا الامامَ علي، عليه السلام، وأمره أن يقفل خالدا ومن معه، وقال له ” إن أراد أحد ممن مع خالد أن يعقب معك فاتركه”، فقال البراء :” فكنت ممن عقب معه فلما انتهينا إلى أوائل أهل اليمن وبلغ القوم الخبر، تجمعوا له فصلى بنا علي الفجرَ، ثم تقدم بين أيدينا فحمد الله وأثنى عليه ثم قرأ على القوم كتاب رسول الله،صلى الله عليه واله، فأسلمت همدان كلها في يوم واحد وكتب بذلك أمير المؤمنين إلى رسول الله، فلما قرأ كتابه استبشر وابتهج وخر ساجدا شكرا لله تعالى ثم رفع رأسه وجلس وقال السلام على همدان ثم تتابع بعد اسلام همدان أهل اليمن على الإسلام.

  • الامام علي البديل الناجح

مع أن المدة التي قضاها خالد بن الوليد في اليمن اكثر من الامام علي، عليه السلام، إلا أن عمله لم يُثمر مع اليمنيين، فلم يقنعهم بالدين الجديد، وبالقيم التي يحملها، ومما يُنقل أن خالد كانت تنتابه حالة من العصبية والغضب، ولهذا لم يتكمن من ايصال الدعوة الحقة بالاسلوب المناسب، ولهذا فشل في ادخال اليمنيين الى الاسلام، ومن هنا نعرف أن الانسان لا يكفي أن يمتلك الحق، وأن يكون من اصحابه، بل لا بد من أن يمتلك الاسلوب المناسب في توصيله.

دخول قبيلة همْدان كاملة الى الاسلام في يوم واحد، يدل على الاخلاص العالي الذي كان يحمله الامام علي، عليه السلام

ولأن خالد بن الوليد رجع بخفي حنين، إلا أن رسول الله، صلى الله عليه وآله، لم ييأس من ادخال اليمنيين الى الدين الحنيف، فأرسل ابن عمه، الامامَ علي بن أبي طالب، عليه السلام، وقفل خالد راجعا بعد أن ساء فشله النبي الاكرم.
لم تمض إلا أياما قليلة ودخلت قبيلة همْدان الى الاسلام عن بكرة أبيها، في الجمعة الاولى من شهر رجب، وكانت من أكبر القبائل اليمنية، فرحبوا بالامام علي، أيما ترحيب، ونزل بديارهم لارشادهم الى التعاليم والاحكام الاسلامية، وهذا ان دلَّ على شيء انما يدل على الاخلاص الذي كان يحمله الامام علي، والتدبير المناسب، ودراسته واستطلاعه احوال اليمنيين قبل الذهاب اليهم، وادخال اليمنيين الى الاسلام بذلك الشكل، يعد منقبة من مناقب الامام، التي سجلها التأريخ

  • الامام علي في صنعاء وتأسيس الجامع الكبير

بعد أن علمت بقية القبائل اليمنية، بأن علياً قد وصل الى قبيلة همْدان، وهو موفد النبي الاكرم، وممثل عنه، دعته قبائل مذحج وكنده والادز للحضور الى صنعاء ليتشرفوا بالاسلام على يده، فتوجه الامام الى صنعاء، وحطّت ناقته في منطقة البستان، وهو الآن مكان الجامع الكبير الذي أسسه الامام علي، عليه السلام، وهذا المكان هو محطّ قدسية لدى اليمنيين،و محلٌ تبرك وطابع روحي فريد، وهو معروف عند اليمنيين المكان الذي لا يكذب فيه احد، ويسمى “بالمسمورة والمنقورة” كون الإمام حطَّ فيه، ومنه كان تأسيس هذا الجامع، بأمر من رسول الله، صلى الله عليه وآله، ويضم الجامع الكبير في صنعاء جسد نبي الله(حنظلة)، ويقع في القسم الغربي منه.
ويمتاز هذا الجامع في الاعجاز العلمي في تحديد قلبته على الكعبة المشرفة تماما، فقد جاء الامر من رسول الله، صلى الله عليه وآله، بأن تكون قبلة الجامع باتجاه جبل ضين، والذي يقع في شمال صنعاء، فتكون مباشرةً للكعبة المشرفة، غير مائلة نهائيا.
ولا يزال الى الان في احد أحياء صنعاء القديمة سوقٌ، يسمى بسوق الحَلَقَة، وهو المكان الذي كان يجلس فيه الامام علي، لتعليم الناس مفاهيم وقيم الدين الاسلامي، ومن هنا نشأت علاقة قوية ومتينة بين الامام علي، وابناءه من جهة، وبين اليمنيين من جهة أخرى، ولهذا نرى أن غالبية سكان الكوفة في زمن أمير المؤمنين كانوا من القبائل اليمنية، كهمْدان ومذحج والازد، ولا يخفى أن زعماء هذه القبائل وفقوا مواقف الابطال مع الامام علي، عليه السلام، ومع الائمة من بعده.
فقبيلة همْدان كانت رائدة الحرب في معركة صفين، في صف الامام علي، عليه السلام، فقال لهم يوم صفين: ” يا معشر همدان أنتم درعي ورمحي”، وقال فيهم الشعر المعروف:
ولو كنت بوابا على باب جنةٍ * لقلت لهمدانَ ادخلوا بسلامِ
وفي معركة كربلاء كان لليمنيين بلاء مع حسناً مع الامام الحسين، عليه السلام، وهذا بدوره راجع الى علاقة ابيه معهم حين دخلوا الى الاسلام، في السنة الثامنة للهجرة.

  • اليمنيون وخصوصية احياء أول جمعة من شهر رجب

ينفرد اليمنيون بإحياء أول جمعة من شهر رجب الاصب، عن بقية المسلمين، وذلك لانها أول جمعةٍ التي دخل اليمنيون فيها الى الاسلام على يد الامام علي، عليه السلام، ومنذ ذلك الحين تُحيى هذه المناسبة كل عام، لترسيخ الولاء والطاعة لأهل بيت النبوة، فالاهالي يقومون بتزين البيوت والطرقات بالانارة ذات الالوان المختلفة، وتقام الندوات الثقافية والدينية حول أهمية هذه المناسبة العظيمة، وما مثلته من نقلة نوعية كبيرة في تاريخ اليمن ومستقلبه، ومع ما يقاسيه اليمنيون جراء العدوان السعودي، من قتل وحصار غاشم، إلا انهم لم يتركوا احياء هذه المناسبة، وهذا يدل على تمسكهم العميق والاصيل بأهل بيت النبوة، وما هذه الحرب الظالمة الا لان اليمنيين موالون لآل علي، عليهم السلام.