كيف نصل الى خارطة الإصلاح الحقيقي؟

0

كل إنسان عاقل، سويٌ، يريد الإصلاح ويهدف له، ويسعى لتحقيقه، ويطمح لإن يصل اليه، فكل العقلاء يتفقون على ضرورة إيجاد الإصلاح في حياتهم الشخصية وحتى الاجتماعية، فكل إنسان يملك فطرة سليمة وعقل راجح تراه يسعى للإصلاح، وينادي به ويحاول أن يصلح، كما أن الجميع –عادةً- يقولون: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}. ولكن؛ مع الأسف، في كثير من الأحيان نجد الإصلاح لا يتحقق، والذين رفعوا شعار الإصلاح وأخذوا يتزينون به لم يصلوا الى مبتغاهم، ولم يحققوا أهدافهم، فما هو السبب ياترى؟ ولماذا لم يحققوا الإصلاح الذي كانوا ينشدونه؟ الجواب: باختصار؛ أنهم ضيعوا طريق الإصلاح ولم يعملوا بالمنهج الحقيقي له.

فما هو الإصلاح؟ ومن أين يبدأ؟ وما هو المنهج الأمثل له؟ وأين تكمن خارطة الطريق؟ ومن يملك تلك الخارطة؟

 

  • التغيير الجذري

الإصلاح؛ هو التغيير الجذري الشامل لمناحي الحياة كلها، وإصلاح كل ما يخص الإنسان في الحياة، فالإصلاح لا يمكن أن يكون اصلاحاً ترقيعياً، تجزيئياً، فليس من اصلاح، ذلك الذي يكون في السياسة فقط، ثم يؤدي الى إفساد عقيدة الإنسان، وليس إصلاحاً، ذلك الذي يكون في الاقتصاد ثم يُفسد سلوك الإنسان وأخلاقه، وليس من الإصلاح ان يرتفع مستوى معيشتنا إن لم يرتفع مستوى اخلاقنا، بل هو الفساد بعينه، وليس من الإصلاح ان يسود قومٌ على قوم إذا كانت السيادة بغير حق، حيث لا تقوم إلا على البغي والظلم والاستغلال؛ فالذي يريد الإصلاح لا يمكن له أن يتخذ القتل والتعذيب والتنكيل والتمثيل والحرق والتخريب وسيلة للإصلاح، فهذا الطريق يبعدنا كثيراً عن الإصلاح الحقيقي الذي هو إصلاح الإنسان ذاته، لأنه محور الحضارة، فعن طريق تغييره واصلاحه، وتزكيته، وتهذيبه تُصلَحْ الدنيا وتتغير ملامحها، لأن {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}.

فالإصلاح الحقيقي الشامل هو الذي يبدأ من اصلاح الانسان ذاته، إذ انه يبدأ من إصلاح عقيدة الإنسان ويجعل من التوحيد قاعدة الانطلاق نحو الإصلاح، فالمنهج الأمثل للإصلاح هو المنهج الديني الرباني الرسالي، المنهج الذي جاء به الأنبياء والرسالييون، فمهمة الأنبياء لم تقتصر على إصلاح الناس عقائدياً وفكرياً فقط، وإنما تهتم بإصلاحهم اجتماعياً ايضاً، لأن الإنسان كائن موحد، فكره يؤثر في حياته الاقتصادية والسياسية، وحياته الاقتصادية توجه أفكاره وعقيدته.

والثقافة الرسالية هي ثقافة اصلاح جذري شامل لأنها تهدف بناء الانسان، وترى أن هنالك مشاكل جذرية تعاني منها حضارات الانسان المادية، وتسبب الشقاء والحرمان للبشرية، وانه من دون معالجة حاسمة لتلك المشاكل الجذرية فلن ينفع الإنسان شيء من تلك المعالجات السطحية العاجلة، وبذلك تصارح الثقافة الرسالية العالَم المادي بأن أُسس حضارته خاطئة، وتأتي لتوفر منهج متكامل للإصلاح الحقيقي وتضع خارطة طريق واضحة المعالم لتحقيق التغيير الجذري.

هذا المنهج المتكامل وخارطة الطريق الواضحة انما توجد في ذلك النور المبين والكتاب الكريم، ألا وهو القرآن الحكيم الذي يهدف توفير البصائر والهدى للإنسان، كما يهدف تغيير منظار الإنسان ورفع الحجب التي تفصل بينه وبين الرؤية الصحيحة للحياة، ومن ثمّ يهدف الى إيقاظ العقل البشري من سباته، وتكريس قيمه ومقاييسه في حياة الفرد والمجتمع، وفضح المقاييس الزائفة التي قد تخدع الإنسان وتظهر له الفساد بمظهر الصلاح، وإعطاء الإنسان دفعات من الإرادة الشجاعة لمحاربة الانحراف.

 

  • القائد والتتلمذ على القرآن الكريم

و من يملك ذلك المنهج القويم وتلك الخارطة العصماء، وتلك الثقافة الاصيلة، هو ذلك العالم الرباني والقائد الرسالي الذي قد لازم القرآن طوال حياته، و أخذ يتتلمذ على يديه، فكرس حياته لدراسته والتدبر فيه، وفِهم سننه، وإخراج البصائر والهدى منه، حتى صار من أهل الذكر الذين أمرنا الله بأن نرجع إليهم ونسألهم كما قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}.

فكل طامح للإصلاح، و ينشد التغيير لا يمكن له ان يصل الى هذا الهدف إلا ان يسلك الطريق الأقوم له ويسير بالمنهج الأمثل ويتبع الخارطة الحقّة للإصلاح، وهي الخارطة والمنهج الذي تضعه الثقافة الرسالية الربانية المتمثلة بالقرآن الكريم وبمن يحمل، ويعمل على تطبيقه، وهم العلماء الاعلام، والقادة الربانيين، ومن دون هذا الطريق لا يمكن لنا ان نحقق أي إصلاح ولا نحصل على أي تغيير.