لنعُد الى الإسلام قبل الذهاب الى الغرب

0
  • تقديم حضاري

كنتُ أفكر اليوم بما وصلت البشرية إليه في هذا العصر الرقمي الذي تعملقت فيه الحضارة المادية، فصارت الكرة الترابية ما هي إلا قرية الكترونية صغيرة كلنا مشارك فيها، أكثر مما نشارك أهلنا على سفرة الطعام، لا سيما إذا أخذنا بالحسبان ما نقضيه أمام الشاشة الصغيرة باليد، أو الكبيرة على الحائط.
وكم كان يفاجئ الكثيرين السيد المرجع المدرسي قوله منذ سنوات: “ها هو العالم يندفع بقوة نحو القرية العالمية الواحدة، وسنشهد بإذن اللَّه –تعالى- يوماً نجد فيه العلاقة بين إنسان وإنسان في أقصى العالم أوثق وأمتن بكثير ممّا هي عليه اليوم؛ علاقات الجيرة، وزمالة المدرسة، والدرب والعمل”.
ثم يتساءل: “فيا ترى ماذا أعدّ المسلمون لذلك اليوم؟ هل سيبقون حيث هم بانتظار أن تسحقهم عجلات الاندماج العالمي؟ أم سيصبّون اهتماماتهم ليكونوا أمّة قائدة لهذا التفاعل والاندماج، أو مشاركين؛ على الأقلّ”؟
ففي أواسط التسعينات من القرن الماضي، كانت المحطات الفضائية ما تزال حُلماً لدى الكثير، كما كان الانترنيت نوعاً من الخيال، وكانت الصحافة القارية نوعاً من التفكير غير العلمي. ولكنّ ذلك كله قد تحقّق، بل وأصبح إنجازاً قابلاً للتطوير الواسع، ومن ثم شهد التطور والقفزات الكبيرة و الواسعة جداً.
كما نرى ونشهد بأم العين، فالتنافس بين الشركات الرقمية الصانعة للأجهزة الدقيقة، صارت بحيث يصعب ملاحقتها من قبل دولنا التي صارت مصنفة ما بعد التخلف، لأن فيها أقواماً يعملون ليل نهار لإعادتها إلى القرون الحجرية حضارياً، والعصور الجاهلية ثقافة وتفكراً.
والواقع العالمي، أو القرية الالكترونية الصغيرة تعاني من مشاكل بحجمها الحقيقي وليس الافتراضي المتخيّل، وأعظم وأهم هذه الأزمات هي أزمة الأخلاق، والقيم، والفضيلة التي سُحقت تحت عجلات التطور، وتحت سلاسل الميكانيك، وفُرِمَت بين مسننات التقدم الهائلة، فما عادت موجودة، وتحوَّل الإنسان إلى صامولة في ماكينتها العملاقة.
فالحياة فقدت قيمتها الحقيقية، ومعناها الواقعي، حين فقد الإنسان قيمته، وسُلبت منه إنسانيته، فصارت الحياة غابة لا تعرف معنى الرحمة، أو بحراً متلاطماً من الأمواج والفتن لا مكان فيه للعطف والمودة والمحبة؛ بل صارت هذه القيم نسبية تُقدَّر قيمتها بما تدرُّ على الانسان من أرباح، فلا معنى للأبوة، والأمومة، والأخوة، والقرابة والصداقة، وتسافلوا أكثر فقالوا: لا مكان للأسرة، والبيت، والأولاد، فهي مشاريع فاشلة بكل معاني البهيمية لأنه لا إنسانية بطرح كهذا.
فالأمة الإسلامية والعربية اليوم بأزمة مضاعفة، بل تعيش أزمات هائلة، وأشدها عليها خطراً هي أزمة الهوية، وأزمة الانتماء لهذا الدِّين الحنيف الذي جعل منها أمة واحدة لها مكان مرموق في العالم، لا بل كان في يوم من الأيام حاكمها يُحاكي الغيوم والسحاب: (أمطري أينما شئت سيأتيني خراجك).
وقائد بعض جنده يُهدد ملك الصين بقوله: (أول جيشي على حدود بلادك وآخره في جبال الزيتون). والآن جبال الزيتون احتلها الصهاينة وسكنها اليهود وا أسفاه على أمتنا!
تلك الأمة التي صنعها الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، من شتات، وقوَّاها من وهن وضعف، حتى قارعت وانتصرت على أعظم امبراطوريتين في ذلك العصر؛ الرومانية في الشمال، والساسانية الفارسية في الشرق، و رفعت راية “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، من أواسط فرنسا وجبال البرنيه غرباً، وحتى سور الصين العظيم شرقاً، بدولة لم تشهد الكرة الأرضية أعظم منها.
تراها اليوم تترنَّح تحت وطأة السِّياط الغربية المُشركة، والشرقية الملحدة، حتى راح يخرج منها أبناؤها أفواجاً لأنهم يتصورون أن السبب في تخلفهم، وحروبهم، وتعاستهم وكل مشاكلهم هو الإسلام وليس الحكّام، وما عرفوا أن المشكلة في ترك الإسلام، وهجر القرآن، والابتعاد عن شريعته السَّمحة، وقوانينه الرائعة، وقيمه وفضائله الإنسانية.

  • الإسلام والحياة والعالم

فالعودة إلى الإسلام، والرجوع إلى القرآن هو الحل، وليس الخروج منه، أو الهروب إلى الغرب الذي لن يقبلكم، وسيأتي اليوم الذي يطردكم فتكونوا قد خسرتم كل شيء، فالله الذي يقول: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} (سورة الأنفال: 24)، ويقول في آية أخرى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (سورة النحل: 96-97)
واعلموا أن استجابتكم للدعوة الإلهية هي استجابة فطرية وعقلية لنداء الفطرة والعقل فيكم إذا كنتم أحياء، ولأن الإنذار للأحياء فقط، فهو نداء الفطرة قبل نداء الشريعة وبعدها، قال تعالى: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} (سورة يس: 70).
فمَنْ كان حيَّاً يستجيب لدعوة الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، لأن فيها الحياة الحقيقية، التي لا شوب فيها، ولا ريب، فإذا أردنا عيش السعداء، والحياة الحقيقية؛ علينا أن نتَّبع الرسول الكريم، ونقتدي بآله الأطهار، صلوات الله عليهم، ونهتدي بآيات القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم.
وهنا نطرح مع السيد المرجع المدرسي هذا السؤال الهام والخطير: “لماذا لا نساهم في بناء حضارة في الثورة المعرفية، وهي الثورة الجديدة لهذا العصر؟
وما هو موقفنا، و ردّ فعلنا -على الأقل- تجاه ثورة المعلومات التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية؟ خصوصاً وأن في السيرة النبوية كثيراً من الأحاديث والوقائع تشير إلى ضرورة سعي المسلمين نحو التقدم التقني، وعلى كافة الأصعدة؛ بل إنّ الآيات القرآنية الخاصّة بصياغة شخصية الإنسان المؤمن، كلّها تدعوه إلى النظر إلى الحياة على أنها محطة للآخرة، وأن من المفترض الاستفادة من وسائل هذه المحطة لنيل أكبر قدر من الثواب والحسنات.
فنحن المسلمين مطالبون إذن بالقيام بثورة حضارية جديدة كبرى، فننطلق منها ونشارك ونسهم بكل وعي وشجاعة بناءً على ما تمليه علينا مصالح واستراتيجيات ديننا الحنيف، وألاّ نركن إلى التأثر بالجاهليات، وألاّ نبدي خلال ذلك ما يحلو لنا من معاذير واهية”.
فما أحوجنا إلى الإسلام، وما أحوج الإسلام لأبنائه البررة، الذين يؤمنون به ويتسلحون بعلمه، ويهتدون بدستوره –القرآن- وينطلقون في كل ميادين الحياة ليصنعوا ثورتهم الحقيقية، ويتركوا بصمتهم في الحضارة الرقمية، لا أن يبقوا على هامش الحياة منفعلين غير فاعلين، مستهلكين غير صانعين، تابعين غير متبوعين، فنحن أبناء خير أمة أخرجت للناس، و أتباع رسول الإنسانية الذي جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وكل دعوة غير دعوته هي دعوة شيطانية غايتها إخراج الناس من النور إلى الظلمات، وهل من ظلمة وظلم كظلم الجهل والتخلف والتبعية؟
فما أحوج الدنيا إلى الإسلام ونوره، وإلى القرآن وهدايته، ومن ثمّ؛ ما أحوج الاسلام إلينا إذا حملنا شُعلته!