السيد علي الرضوي في حديث مع مجلة الهدى:

شهر رمضان الفرص والتحديات

0
  • بطاقة تعريف:

– سماحة العـلامة السيد علي الرضــوي، استاذ البحث الخارج فــي الحوزة العــــلمية فــي مشـهد المقــدسة.
– مؤلف وخطيب حســيني باللغة العـربية، والانجــليزية، والفــارسية.
– له آلاف المحاضـــرات في العقائد، والفقه، والأصول، والسيرة، و عشــرات الكـــتب المخطوطة.
– قرر لاستاذه؛ آية الله الشــــيخ باقر علم الهدى – رحمه الله- وطبع لــــه جملة مــــن الكتب أبرزها: “سدّ المفر على منكري عــــالم الــــذر”، و “المــــعاريض”، و “علم النبي وآلــــه”، “معرفة الله”، “البداء آية عــــظمة الله”.

في كل عدد لشهر رمضان المبارك، نجد الضرورة في حوار مع شخصية فاعلة في الساحة تتحدث عن الابعاد الثقافية والاجتماعية؛ وايضاً، الروحية لهذا الشهر الكريم، ولحاجة الساحة لرؤى عصرية، وعميقة، وشمولية لابعاد شهر رمضان، تتجاوز الزمان والمكان، ارتأينا اجراء الحوار مع سماحة السيد علي الرضوي، الذي وصف نفسه بـ «خادم الحسين، عليه السلام». التقينا به في كربلاء المقدسة، وأسدينا له الشكر الجزيل على إتاحته الفرصة لمجلة الهدى، فكان الحوار التالي:

  • نحو مدارج الرقي و الكمال

– كيف ترون تأثير مظاهر الصيام وأجواء الشهر الكريم في الجانب الروحي والمعرفي؟

– يريد الله -سبحانه وتعالى- هداية البشر، بمعنى انه -تعالى- يريد للبشرية ان ترتقي مدارج الكمال؛ فهو لم يخلقنا ليزجّنا في جهنم، وإنما خلقنا ليرحمنا، ولنستفيد من النعم؛ بل ولنلتذ بالنعم الإلهية في الدنيا و الآخرة، وهذه كانت مهمة الأنبياء، عليهم السلام؛ فلم تكن مهمتهم إعمار الآخرة دون الدنيا.
إن الذي يقرأ القرآن الكريم لملاحظة هذا التوجه، سيجد بأن القرآن الكريم ليس كتابا للآخرة فقط، وأن عديدا من الآيات الكريمة تتحدث عن طريقة التعامل التجاري، وعن الزواج، و عن الحكم وعلاقة الشعب بالحاكم و بالعكس، وغيرها من الامور الحياتية التي ترتبط بالدنيا لبناء الآخرة، وهذا مصداق الحديث الشريف: «الدنيا مزرعة الآخرة».
ولكن؛ هنالك تحديات أمام البشر، إذ ليس جميع الناس يحظون بالتأثير المكاني ليتزودوا بالجانب الروحي والمعنوي، كما هو حال الساكنين بجوارالامام أمير المؤمنين أو الامام الحسين، عليهما السلام، او بجوار الكعبة المشرفة؛ فالغالبية يعيشون في اماكن بعيدة عن المشاهد المشرفة؛ بل و في بلدان ربما تكون المساجد فيها قليلة، بل وحتى في بلداننا الاسلامية؛ فقد يكون البعض قليل الحضور في المساجد بسبب مشاغله؛ مثلا.
فالسؤال هو: كيف يتقرّب انسان كهذا الى الله -تعالى-؟ وكيف تتهيأ له الفرصة؟ فتارةً يكون العامل المكاني مؤثراً، وتارةً اخرى يكون العامل الزمني مؤثراً ايضاً؛ وهو شهر رمضان المبارك، وقبلها شهر شعبان المعظم، وشهر رجب الأصب.
و عندما يدخل الانسان في هذه الأشهر، سيكون في حال آخر، لاسيما و أن الاحاديث الشريفة تبين أهمية هذه الأشهر وتأثيرها العميق في الانسان؛ منها: أن في شهر رمضان -كما في مضمون الحديث- تفتح أبواب السماء، وتقيّد الشياطين، و روايات اخرى في هذا الاتجاه، من شأنها ان تضع الانسان المؤمن في أجواء روحانية خاصة، و إن كان بعيداً عن الاماكن المقدسة، وهذا يمثل فرصة من الله تعالى للهداية؛ ولكن على الانسان ان يكون، هو الآخر، صاحب خطوة الى الامام. والقرآن الكريم يؤكد هذا الامر في الآية الكريمة: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ}.
و لذا؛ فان شهر رمضان المبارك يمثل سلّم الرُقيّ للانسان في مدارج الكمال الروحي و المعنوي، و يبقى على الانسان أن يتدرج في هذا السلّم، وأن يبذل جهده وسعيه في هذا الطريق.

  • الصيام بمظهره و جوهره

– هنالك فوائد روحية للصوم، كما هنالك فوائد بدنية وصحية أكدها العلماء، كيف يمكن للصائم استشعار هذه الفوائد الروحية؟

– للاجابة على هذا السؤال أورد مثالاً من الاعمال العبادية.
لدينا روايات عن المعصومين، عليهم الصلاة و السلام، تشير الى أن الذي يذهب الى الحج تغفر له ذنوبه السالفة، أما ما يفعله في المستقبل فذاك أمر آخر؛ فيما تشير روايات أخرى الى أنه يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذه المرتبة لمن يذهب الى الحج فيجعل من نفسه انساناً آخر، يُعيد صياغة شخصيته، وتتغير طريقة تفكيره، بل وتتغير حياته برمتها.
أحد الاصدقاء من المقيمين في استراليا، روى لي انه أمضى سنوات من عمره ولم يكن متدينا إلا بصورة عفوية، وذات مرة جلس و فكر مع نفسه، وتساءل عما اذا كانت حياته هذه هي التي يريدها له الله -تعالى-؟ فقرر مع نفسه ان يغير مجرى حياته، والخطوة الاولى نحو الهداية كانت رحلة الحج، وكان شاباً صغيراً، حتى أن أسرته تعجبوا من قراره كونه في مقتبل العمر، فما العجلة في أداء هذه الفريضة في سنٍ مبكرة؟! لكنه أصرّ و ذهب الى الحج، وكانت هذه الرحلة بداية تغيير كامل في حياته وشخصيته فأصبح – بفضل الله تعالى – في مرحلة مرموقة، و وُفّق لبناء مسجد، وتعلّم العلوم الإسلامية، وهو شخص مؤثّر بصورة ايجابية في مجتمعه.
البعض يركز على مظاهر الصيام في هذا الشهر الفضيل، كأن يحسب ساعات الإمساك، وهل هي طويلة أم قصيرة؟ ثم يفكر في أي مكان يتناول طعام الإفطار؟ وهو مما لا إشكال فيه؛ بيد أن الغاية من صوم شهر رمضان ليس هذا، و إنما يتضمن ثلاثة أمور:
الاول: التذكّر بجوع وعطش يوم القيامة -كما ورد في الحديث- وبذلك يسعى أكثر لتهذيب نفسه، ومراقبتها، ليسوسها وفقاً للمدراج القرآنية، وسنن النبي، وآله، عليهم السلام.
الثاني: استشعار جوع الفقراء، وحالة العوز التي يعيشونها. فكلما استشعر الانسان ما يعيشه الفقراء والمعوزون الذين لا يجدون سبيلاً لحياة الرفاهية والرغد، يكون طريقه أسرع في الرقي والتكامل.
والاستشعار، هنا، له أثر معرفي؛ فالصائم سيعرف معنى الجوع الذي يعانيه الفقير طوال أشهر السنة؛ بيد أن التأثير الأهم هو التأثير العملي، بأن تدفع هذه المعرفة الإنسان لأن يدسّ يده في جيبه ليساعد ذاك المعوز في التخلص من حالة الفقر، وتغيير حياته للأفضل. إذن؛ لابد ان تترجم المعرفة الى فعل على ارض الواقع.
ثم إن الصيام درجات؛ فالبعض من الصائمين يفعل كل شيء حتى لايشعر بالجوع، كأن يشغل نفسه مع هاتفه النقال، او متابعة الافلام والمسلسلات، وغيرها من الاعمال التي تجعل الانسان بعيداً عن روح الصيام وجوهره.
نعم؛ إن الله -تعالى- يقبل من الانسان ظاهر الصيام، بأن يتجنب المفطرات، كالاكل والشرب والكذب على الله ورسوله؛ بيد أن الذي يريده الله -تعالى- هو الصيام بجوهره ومظهره.
الثالث:المستحبات المنصوص عليها في هذا الشهر الفضيل، كالاكثار من تلاوة القرآن الكريم، وقراءة دعاء الافتتاح، ودعاء أبي حمزة، و زيارة مولانا سيد الشهداء، أبي عبد الله الحسين، عليه السلام، في ليالي القدر، وايضاً؛ أعمال عبادية كثيرة من صلوات وأدعية، ومناجاة، فهي؛ الى جانب فريضة الصيام، تجعل الانسان المؤمن يستشعر التغيير الروحي في نفسه.

  • آثار الصيام على مدار العام

– هنالك ظاهرة في الاجواء الاجتماعية تدعو الى جواز الجمع بين المتناقضات في السلوك والممارسات، ولا تحكّم الموازين الشرعية في تقييم الاعمال والممارسات، و أن الانسان بامكانه فعل أي شيء يراه مناسباً له؛ فما هي – برأيكم- المعايير التي من شأنها تقويم السلوك، لاسيما في شهر رمضان المبارك، لنصل الى مصداق حقيقي لصوم شهر رمضان؟

– هنالك قاعدة كلية للعبادات كافة، و ليس للصيام فقط، وهي أن يوفر الانسان كل الشروط اللازمة للعبادة، وأن تكون أعماله العبادية خالصة لوجه الله -تعالى-.
والأمر الآخر هو أن علينا أن ندرك دور الصيام في تغيير حياتنا، و الآية القرآنية واضحة في هذا المجال: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ}، ف الصيام فريضة من أجل التخفيف من أعباء الذنوب. لذا؛ على الصائم ان يكون لديه برنامج خاص لشهر رمضان المبارك، وليس المقصود من هذا أن يكون هذا الشهر الفضيل لوحده مناسبة للالتزام بالاحكام الاسلامية، والآداب، والاخلاق، إنما المهم والغاية المرجوة، هي ما بعد شهر رمضان، وكيف سيعيش الانسان في باقي أشهر السنة؟
لذا؛ ينبغي أن تنعكس الالتزامات في شهر رمضان على حياة الانسان في سائر أشهر السنة؛ منها على سبيل المثال: حجاب المرأة والفتاة؛ فيجب ان ينسجم تماماً مع فريضة الصيام ، وكذا الحال بالنسبة للسمع واللسان، وسائر جوارح الانسان، وما يمكن ان يتعرض له من منزلقات نحو الغيبة، او التهمة، او انتهاك حرمات الآخرين.
إن الانسان الصائم يبذل جهده لأن يكون صومه صحيحاً؛ فعليه أن لا يضيع هذا الجهد بعمل خاطئ، او سلوك غير صحيح؛ إنما تكون جوارحه كلها صائمة، كما يصوم هو عن المفطرات الظاهرية.

  • حرمة الشهر المبارك

هنالك مقولة في بعض الاوساط، و هي؛ أن الصيام عبادة خاصة، وكذا سائر العبادات، وهي تعبير عن العلاقة بين العبد و ربه فحسب؛ لذا لا دخل للآخرين في هذه العلاقة؛ فما السبيل، برأيكم، لإنجاح فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الى جانب فريضة الصيام؟

– هذا سؤال مهم. إن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قائمة على ركيزتين:
الاولى: تعميم الخير للآخرين، والرفض التام للأنانية، كما نلاحظ خطاب السماء الى البشر في القرآن الكريم بصيغة جماعية على الأغلب، ما خلا بعض الموارد التي يخاطب فيها الله -تعالى- الانسان بمفرده، وسائر الموارد الخطاب موجه الى الناس: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}، او {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}. ولذا؛ جاء التأكيد على استحباب صلاة الجماعة، وايضاً كثرة المصلين، وأن يكونوا أكثر من عشرة مصلين، وكذا بالنسبة للحج، كما قال تعالى: {أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ}.
وعليه؛ فان هذه الفريضة قائمة على فكرة نبذ الانانية، ونشر الخير والمنفعة للجميع؛ بينما التصور السائد بأن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، تعبير عن فرض الاحكام على الآخرين، وهو تصور خاطئ؛ لان «الأمر بالمعروف»، من حيث المغزى، يدل بوضوح على نشر المنفعة والفائدة للجميع، وهو «المعروف».
نعم؛ {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}، وهذا يعني أني لا أحملك قسراً الى الجنة؛ ولكن لا يعني أن لا يجب عليّ نُصحك بأن تذهب الى الجنة، وهذا تحديداً هو عمل الانبياء والأئمة، عليهم السلام، وعمل الصالحين عبر التاريخ. أما من يرفض النصيحة والفائدة لنفسه؛ فهذا شأنه، ولكن؛
هنا تستوقفنا مشكلة انتهاك حرمة شهر رمضان المبارك. فالبعض يقول أنه يمارس حريته الشخصية عندما يجلس على الرصيف ويتناول المفطرات في نهار شهر رمضان أمام مرأى الصائمين؛ بينما هو – في الحقيقة – يهين عقائد الناس، وينتهك حقوقهم.
هنا؛ يأتي دور المجتمع بأسره بأن يقف بوجه أعمال كهذه، وبالتي هي أحسن؛ لان هدفنا النهائي هو الدعوة الى الله -تعالى- والى الخير؛ فلا ينبغي ان ندعو الناس الى الخير بالقوة. نعم؛ في نهاية المطاف، يكون «آخر العلاج الكيّ».

  • المشكلة فينا و ليست في الإسلام

– بما أنكم تقومون بمهمة التبليغ في بلاد الغرب، وتحديداً في استراليا، كيف تردّون على من يقول بأن «الاسلام يطبق في بلاد الغرب فقط»، و ليس في بلادنا الإسلامية؟

الاسلام قائم على أحكام وتعاليم عدّة؛ فهنالك احكام عبادية، و أخرى للمعاملات، وأحكام توقيفية، الى جانب كل ذلك؛ ثمة أمور عقلية وعقلائية يؤكد عليها الاسلام.
وعندما يتحدث البعض عن هذه القضية؛ فبما أنّ الغرب يحكمه مجموعة من العقلاء، تكون بعض الأحكام المقننّنة هناك -كالحريات الموجودة لديهم- تتوافق مع الدين الاسلامي، كون قيام ركائزه على العقليات والعقلائيات، فهي موجودة أولاً في الدين الاسلامي، إنما المشكلة في بعض البلاد الاسلامية تكمن أحيانا في عدم تطبيق هذه الاحكام والقوانين، وهي مشكلة تعود الى الحكام وليست الى الإسلام.
علماً بأن هذه المقولة -أنّ الاسلام مطبّق في الغرب دون الدول الاسلامية- «كلمةُ حق يُراد بها باطل».
و ثمة حقيقة لابد ان نعرفها، وهي عدم وجود شيء في الغرب اسمه «حقوق الانسان»، إنما هناك «حقوق المواطن» فقط. فالانسان محترم ومصونة حقوقه، عندما يكون مواطناً استرالياً، او اميركياً على سبيل المثال، وفي غير ذلك نلاحظ أنه يرمى في جزيرة نائية يتعذب ويعاني المشاكل، و أبرز مثال على ذلك؛ قرار الرئيس الاميركي دونالد ترامب، بفصل الاطفال المهاجرين عن أمهاتهم، بدعوى أن وجودهنّ غير قانوني في اميركا، ويستثني في ذلك الاطفال فقط، وهو ما أثار حفيظة الرأي العام العالمي أولا؛ والاميركي ثانيا، وانبرت المحكمة الاميركية العليا في النظر بهذه القضية الانسانية، و لاتزال القضية في المحاكم، ولذا فان حقوق الانسان في الغرب ليست سوى شعار امام العالم، بينما من يعيش في الغرب يجد اشكاليات اساسية في مسائل حقوق الانسان.
نعم؛ هنالك بعض القوانين التي تطبق في الغرب ولها صفة عقلائية، أي يأمر بها العقل ويحكم بها العقلاء، ونحن ندعو البلاد الاسلامية أن تمضي وفق العقل والعقلاء.

  • هذه ذريعة!

– ألا ترون، سماحة السيد، أن الالتزام بالقوانين العقلية والاحكام العقلائية بحاجة الى أرضية ثقافية داخل المجتمع، كما هو حاصل في بلاد الغرب، أم ثمة هناك أمر آخر أيضا؟

– اعتقد أن عدم وجود الثقافة الاجتماعية ذريعة لعدم تطبيق الاحكام والقوانين الاسلامية؛ لان النظام السياسي الحاكم لو شاء ذلك، لتمكن من تطبيق العدالة وإعطاء الحريات وسائر الحقوق، وبعض الدول لا تريد ذلك لانها قائمة بالاساس على الديكتاتورية، كبعض الدول القائمة في تسميتها على اسم قبيلة! فكيف نرجو من نظام سياسي كهذا، إعطاء حقوق يراها أي عاقل بانها لازمة لحياة الانسان؛ مثل: حق العيش الكريم، وحق الحرية، وحق الأمان وغيرها؟!

  • تفهم معقول لأوضاع المسلمين

من خلال معايشتكم للمجتمع الاسترالي، كيف وجدتم العلاقة بينه وبين التزام المسلمين بصوم شهر رمضان؟

– الاحترام هو الطابع السائد في سلوك المجتمع الاسترالي إزاء المسلمين الموجودين في تلك القارة البعيدة المترامية الأطراف.
بالنسبة للأسواق؛ فإننا نلاحظ التفاعل الايجابي مع شهر الصيام ، حيث يبدأ التنافس على التسويق. فالتمر -مثلاً- الذي يعد من السلع الباهضة الثمن تقريباً طيلة أيام السنة، نلاحظ انخفاض سعره في أيام شهر رمضان المبارك، كذلك الحال بالنسبة لرحلات المسلمين لأداء مناسك الحج، حيث نجد أنهم يقدمون التسهيلات للمسافرين في المطارات، وفي الجمارك، وسائر الاجراءات القانونية؛ بل و حتى المدارس التي يدرس فيها ابناؤنا، وفي ليالي القدر حيث تكون لدينا برامج عبادية خاصة، ويكون الاطفال معنا حتى أوقات متأخرة من الليل، وفي صباح اليوم التالي يذهبون الى المدرسة متأخرين، فنلاحظ أنّ ادراة المدرسة تتفهّم الموضوع، وتسمح للطلاب بدخول المدرسة من دون أي تضييق عليهم.

  • لا إحصائية للمسلمين و هذا هو السبب

– هل لديكم إحصائية، او نسبة معينة للمسلمين من بين سكان قارة استراليا؟

– ليست لديّ إحصائية؛ ذلك أن الحكومة هناك تصنّف الانسان المسلم القادم من البلاد الاسلامية كمهاجر على أنّه مسلم، أما أطفال العوائل المسلمة فانهم لا يُعدون مسلمين في الدوائر الرسمية الاسترالية، وإنما يعدون من المواطنين الاستراليين المولودين في تلك البقاع، بل وحتى لو سعت الحكومة للمسح العرقي والديني، فإنّ بعض المسلمين لا يصرحون بديانتهم، والذي نراه جليّا أنّ الاسلام بات قويا بمظاهره؛ من المساجد والحسينيات والمدارس في تلكم البلاد وهذا يبشر بخير من جهة؛ ويحملنا المسؤولية الأكبر لنشر ثقافة النبي وآله، عليهم السلام، من جهة أخرى، كي يتعرّف -من لا يعرف الاسلام- عليه أكثر مما سبق.

  • المنبر و مخاطبة مستويات الفهم

هل تجدون فروقات بين الخطاب المنبري في بلادنا الاسلامية وما هو موجود في بلاد الغرب؟

– من المؤكد وجود فروقات بين الخطابين. أما عن الثقافة السائدة في استراليا، فهي عبارة عن مزيج من ثقافات عدّة في العالم؛ لان استراليا، بالاساس، متشكلة من مهاجرين قادمين من حوالي مائتي دولة، الى جانب الثقافة الاسلامية -طبعاً-.
وبشكل عام؛ فان الخطاب المنبري هناك له خصوصية؛ فالحديث مع الآباء ليس كالحديث مع الابناء؛ لان هؤلاء يحتاجون الى نمط من الحديث لا يكثر فيه الأمر والنهي، كونهم يتمتعون بحريات واسعة، وبامكانهم فعل أشياء كثيرة بدعم ومساندة من القانون والدولة، لذا عندما نريد ان نوجه اليهم فكرة معينة، لابد ان نسلك القنوات العلمية والمنطقية التي تتواءم مع نظرتهم للحياة هناك؛ بل لابد ان يكون الخطاب للمسلمين هناك متوافقاً مع العقل، وقابلاً للاستيعاب والفهم، لاسيما المسائل الاساسية والكبرى في الاسلام.
نعم؛ لابد من التحدث عن العبادات والاحكام الاسلامية؛ وايضاً المعاجز، ولكن بشكل لا يستغرق كل الحديث والموضوع المطروح، وايضاً ينبغي تجنب الحديث عن المستحبات او الاعمال العبادية المروية عن المعصومين التي يصعب على عامة الناس القيام بها، واستذكر أنّي كنت قد ركزت كلامي في مجالس شهر رمضان حول نهج البلاغة؛ ومن الواضح أن الامام أميرالمؤمنين، عليه السلام، يتكلم بقمة البلاغة، ويبين القيم والمفاهيم بأسلوب راقٍ جداً، فجاءني أحد الحضور بعد ايام وقال: «انّ أكثر الحضور في مجلسكم، واستمع الى خطب الامام علي، عليه السلام، ما كان بإمكانه فهم كل ما يقوله، فكيف لنا أن نفهم مغزى كلامه»، وهذا الكلام صحيح في ذات نفسه، ويبين ضرورة السعي لمخاطبة الناس بما يتمكنون من فهمه، وإن كان السعي للارتقاء بمستوى المجتمع ثقافياً، ضرورة لا يمكن التغاضي عنها.
كما أنّي استذكر ذات مرة ارتقيت المنبر وتحدثت عن موضوع احترام الابناء للآباء، فلم أرّ التفاعل والمقبولية من الحاضرين، وفي اليوم الثاني تحدثت عن مسؤولية الآباء إزاء ابنائهم، فكان التجاوب أكثر من اليوم الاول.
نعم؛ من حيث المبدأ، على الابن إطاعة الوالدين حتى وإن كانا مخطئين؛ بيد أن هذا الخطاب غير مقبول هناك -من حيث الطرح وليس من حيث الفكرة-، ولكن؛ بالامكان الحديث عن مسؤولية الآباء في تربية الابناء على الاخلاق والآداب الاسلامية، ومن ثم الحديث عن مسؤولية الأبناء تجاه آبائهم.

  • فراغ كبير أمام التبليغ الشيعي

– للأسف؛ لا توجد للطائفة الشيعية حركة تبليغية بالمستوى المطلوب في بلاد الغرب؛ بينما نلاحظ النشاط يرجع الى اتباع المذهب الوهابي؛ فأكثر من يصبو الى الاسلام تراه ماضي على المذهب الوهابي، وبناء على ذلك من الواجب علينا، العمل بشكل جدّي لإيصال كلمة الاسلام والقرآن الكريم ببيان وتفسير سيرة النبي الاكرم، وأهل البيت، عليهم السلام، في كل مكان، وهو من شأنه ان يترك أثره البالغ في النفوس، ففي الحديث الشريف المروي عن الامام الصادق، عليه السلام: «لو عرف الناس محاسن كلامنا لاتبعونا».
إذن؛ علينا ان نطرح الاسلام في الغرب بالشكل الذي يفهمه ويستوعبه الناس هناك، وأن نبين الاسلام بأنه دين التسامح للانسانية، ودين العقل الذي يحقق السعادة للانسان في الحياة؛ وإلا فنحن مسؤولون يوم القيامة عن جارنا الذي يأتي يوم القيامة ويقول: إنك مسلم، ولم تبين لي حقيقة الاسلام لاكون من المهتدين.
وهذا الهدف لا يمكن الوصول اليه عبر الجهد الفردي، بل لابد أولاً: من الاحساس بالمسؤولية، ثم البدأ بالعمل عبر المؤسسات، كالحوزات والجامعات المتدينة، وبتأييد ودعم من الدول التي رفرفرت عليها راية الإمام الحسين، عليه السلام.

  • تأثير التبليغ في الغرب

– ماذا تقترحون لتفعيل هذا المشروع؟

بحثت ذلك خلال لقاءات مع مسؤولين معنيين في الاوساط الاسلامية، وايضاًح مع مراجع دين عظام، ومفكرين وكتاب، كما أنّه كانت لدي بعض الاحتجاجات على بعض المبشرين من الطائفة النصرانية، فتمخض من خلال تجربتي التبليغية في الغرب -لمدة ٢٣ عاما- ومن خلال الاستفادة من أهل العلم والفضل، عدّة اقتراحات؛ أبزرها:
1- إعطاء الاولوية لجمع المعلومات عن طبيعة الفكر الغربي وكيفية مخاطبة الانسان هناك، وذلك عبر اللقاءات مع العلماء المقيمين في تلكم البقاع والمندمجين مع المجتمع هناك.
2- دعوة المفكرين لتأليف الكتب التي تتيح الفرصة لفهم مقتضيات الغرب، وتبيّن رسالة الاسلام بما يتواكب مع تلكم المقتضيات وتربية مبلغين قادرين -من الناحية العلمية والعملية- على نشر الثقافة الاسلامية هناك، وهذا يقتضي أن نفتح قسماً خاصاً في حوزاتنا الرسالية لتعليم العلوم الدينية والثقافة الاسلامية للشباب اليافع ممن نشأ وعاش في تلك البلاد، و تدريسه تاريخ النبي وآله، وتاريخ الأنبياء والصالحين، كي يكون ناطقاً بها بلغة وثقافة تلك البلاد، فيسعى لنشر الدين عبر الوسائل المتاحة هناك، كما يفعل اصحاب الديانات التبشيرية ذلك كالمسيحيين.

  • الخطاب المنبري الإيجابي

كل هذا الاسلوب والمنهج العقلائي والمحبب الى النفوس الذي طرحتموه في الخطاب المنبري في بلاد الغرب، ألا تجدونه مفيداً أيضاً في الخطاب المنبري لبلادنا؟ كون الانسان في الغرب هو نفسه في الشرق، له نفس المشاعر والمدارك العقلية، مع بعض الاختلاف في الثقافة فقط.

– من حيث المبدأ؛ لا مانع من تعميم الخطاب العقلائي والحضاري في كل مكان؛ بالأخص مع ما نرى من نتائج العولمة، فالمجتمع ليس ذاك المجتمع السابق الذي كان يعيش من دون القنوات الفضائية، ومن دون مواقع التواصل الاجتماعي والانترنت، هذه الامور سببت تداخل الافكار والحضارات بصورة غير ايجابية، اذ المسلسلات والاخبار والمواقع عادة ما تكون مسيّسة من قبل جهات لها مآرب مشبوهة، لذا فان مجتمعنا الاسلامي يعيش متاثراً بالافكار والثقافات القادمة من الخارج، ولذا لا يختلف في مشاكله الثقافية عن المجتمعات الغربية، ومع ذلك كله فان القاعدة الاساسية في خطابنا التبليغي تقوم على ثلاث مراحل تبينها الآية القرآنية:
{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.
فالمرحلة الاولى؛ العلم، بأن تبين الحقائق، ثم الموعظة الحسنة، وهي النصيحة والتحذير بعواقب الاعمال الخاطئة، و إذا لم يجد ذلك نفعاً، تأتي مرحلة الجدال بالتي هي أحسن، وهي أن يعرف المبلغ طرق النقاش وتفنيد رأي الطرف المقابل من دون ان يضرّ بالحق.
إذن؛ فطبيعية الخطاب المنبري طبيعة ايجابية، والقرآن الكريم يؤكد على «الحَسَن» في الموعظة، ثم يقول: «أحسن» في الجدال، وهو مبدأ ثابت في كل زمان ومكان، ولا فرق في ذلك بين الشرق أو الغرب.
نعم؛ ينبغي تجنّب بيان بعض الامور الاستحبابية، او بعض مقامات أهل البيت، عليهم السلام الشامخة، اذ نحن مكلفون بان لا نحمّل الناس اكثر ممّا يحتملوه، وهذا لا يعني إنكار مقاماتهم الإعجازية، وكذا معجزاتهم، إذ المعجزة من حيث هي، فعل إلهي ولا ديانة تشك فيها، فالانبياء، عليهم السلام، كانوا اصحاب معاجز باهرة، ولكن؛ هذا لا يعني ان يكون حديثنا كله مشحونا بالمعاجز، بل ينبغي التحدث حول الامور ذات الصلة بالفطرة والوجدان، والامور العقلية التي تلامس واقع الناس، كما أن أهل البيت، عليهم السلام، يدعوننا الى اتباع الطرق العلمية في حل مشاكلنا و ازماتنا، الى جانب التوسّل بهم لحلّها، ومنها الشفاء من الامراض.
و في كثير من مراحل حياة اهل البيت، عليهم السلام، نلاحظ اتباعهم للعقل والتفكير والتدبّر، وليس فقط الجانب الغيبي والاعجازي، كما فعل الامام الحسين، عليه السلام، يوم عاشوراء، عندما حفر الخندق، ونظم جيشه للميمنة والميسرة، واتخذ كافة الاجراءات العسكرية اللازمة؛ بل و رسم خطة المواجهة مع الظلم والطغيان بشكل متكامل؛ بدءاً من معارضته لسياسة يزيد، ثم تلقيه الرسائل والوعود.
ثم إرساله السفراء والمبعوثين الى الكوفة، وهي كلها طرق واجراءات عقلائية، مع معرفته بانه مقتول في نهاية المطاف، ولكنّه ما ترك السير وفق الخطوات العقلائية.