أسوة حسنة

سيدتي يا بنت رسول الله…!

لم تتمكن من الصبر لحظة واحدة بعد الانقلاب العسكري المشؤوم على الشرعية، فخرجت من بيتها بصحبة أمير المؤمنين، عليه السلام. أركبها بغلة ومعها الحسنان، و اخذت …

لم تتمكن من الصبر لحظة واحدة بعد الانقلاب العسكري المشؤوم على الشرعية، فخرجت من بيتها بصحبة أمير المؤمنين، عليه السلام. أركبها بغلة ومعها الحسنان، و اخذت تدور على بيوت المهاجرين والانصار في المدينة وهم هاجعون، فتطرق عليهم الابواب لتوصل اليهم رسالة الحق والحقيقة وتذكرهم ببيعتهم يوم الغدير، وتدعوهم لنصرة الخليفة الشرعي الذي بايعوه بملء ارادتهم في ذلك اليوم التاريخي المشهود. ولكن!
لعل من اكثر ما يوصف بالمرارة والقساوة من الكلام، ما صدر من هؤلاء (المسلمين) أن «يا بنت رسول الله! لو جاءنا ابن عمك قبل هذا – مضمون الرواية – لما عدونا الى غيره»!! وهم يعلمون اين كان علي بن أبي طالب قبل هذا الوقت؟ وقد شهدوا تجهيز رسول الله وتشييعه الى مثواه الاخير في قلّة من المؤمنين.

  • لماذا حصل هذا؟

المؤرخون وكتّاب السيرة ومن بحث في الظروف الاجتماعية والسياسية لتلك الحقبة الزمنية تحديداً يشيرون الى اسباب عدّة أدت الى ذلك الاختيار الخاطئ والكارثي للأمة رغم الجهود المضنية للنبي الاكرم في تبيين الحقائق ووضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بالعقيدة والقيم والمبادئ، حتى لم يبق شيء في نظام الحياة لم يسلط عليه الضوء في غضون السنوات العشر القلائل من حياته الشريفة، وهو بين ظهراني أول مجتمع اسلامي، ورغم ما قاله مراراً وأمام الناس في المدينة، أن «فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله»، و أحاديث تبين مكانة الزهراء وأحقيتها، فضلاً عن تأكيده الوافر على مكانة ومنزلة علي بن أبي طالب، عليهما السلام.

  • ترسبات الثقافة الجاهلية

حتى نعرف معنى الثقافة الجاهلية، وهل للجاهلية ثقافة؟ يكفي ان نعرج على بيت الزهراء، في أدق اللحظات التاريخية، حيث كانت طريحة الفراش بعد واقعة الباب، وقد زارها «الشيخان» وبإصرار منهما، بعد رفضها، وعندما واجهتهم بعدم رد السلام، وإعلان السخط عليهما، توجه الثاني الى الاول، بعد ان هزّه الموقف، أن «لا بأس عليك – مضمون الرواية- انها امرأة…»!! ليس من السهل تخلّي المجتمع الجاهلي آنذاك عن نظرته للمرأة وبنات حواء بشكل عام، لاسيما وأن القتل دفناً تحت التراب كان أحد مكونات هذه النظرة، فهذه القسوة المريعة بحاجة الى زمن طويل لإزالتها، وتربية جيل جديد على لين القلب وتبني مفاهيم الحب والمودة، لذا فان افراد المجتمع المكوّن من المهاجرين والانصار، وبينهم شريحة لابأس بها من المؤمنين، وممن يسترخصون دماءهم في سوح الجهاد، كانوا يسمعون مراراً من نبيهم عبارات الثناء والتبجيل لابنته الزهراء، بيد أن هذه النقطة السوداء ظلت عالقة في نفوس الكثير، وكانت تمنعهم من الرؤية الشفافة للمفاهيم بما يوقظ الضمير ويحيي القلب، والمثال الأبرز في ذلك؛ الصحابي المعروف؛ سعد بن معاذ، الذي استشهد في احدى الغزوات، فأنزله النبي بيده الى لحده، في القصة المشهورة، ثم سمع تفاؤل أمه بالجنة بهذه المكرمة، فقال لها وهو داخل القبر: «لا تحتمي على الله يا أم سعد! فان لابنك ضغطة في القبر يخرج لبنك الذي شربه من اصابع يديه»!! وكان السبب سوء خلق مع زوجته.
وهذا تحديداً ما تصدّت له الزهراء وسعت بكل ما أوتيت من قوة، لإزالة تلك الغشاوة من البصيرة والرين من القلوب حتى يتجنب افراد الأمة سوء الاختيار على مر الزمان، فجاء تبيينها للحقائق ثم التقريع واللوم الشديدان في تلك الخطبة المدوية المعروفة بالفدكية التي طالبت بها بحقّها في أرض فدك التي وهبها لها أبوها رسول الله، وكانت حتى آخر لحظات حياته ضمن ملكيتها، فهي في الوقت الذي دعت الى الخيار الصحيح والطريق المستقيم، وهو الولاية لعلي بن أبي طالب، كشفت مآل الزيغ عن هذا الطريق: «…وَبَعْدَ أنْ مُنِيَ بِبُهَمِ الرِّجالِ وَذُؤْبانِ الْعَرَبِ وَمَرَدَةِ أهْلِ الْكِتابِ، {كُلَّما أوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللهُ}، أوْنَجَمَ قَرْنٌ لِلْشَّيْطانِ، وَفَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَذَفَ أخاهُ في لَهَواتِها، فَلا يَنْكَفِئُ حَتَّى يَطَأَ صِماخَها بِأَخْمَصِهِ، وِيُخْمِدَ لَهَبَهَا بِسَيْفِهِ، مَكْدُوداً في ذاتِ اللّهِ، مُجْتَهِداً في أمْرِ اللهِ، قَرِيباً مِنْ رِسُولِ اللّهِ سِيِّدَ أوْلياءِ اللّهِ، مُشْمِّراً ناصِحاً ، مُجِدّاً كادِحاً ـ وأَنْتُمْ فِي رَفاهِيَةٍ مِنَ الْعَيْشِ، وَادِعُونَ فاكِهُونَ آمِنُونَ، تَتَرَبَّصُونَ بِنا الدَّوائِرَ، وتَتَوَكَّفُونَ الأَخْبارَ، وَتَنْكُصُونَ عِنْدَ النِّزالِ، وَتَفِرُّونَ عِنْدَ القِتالِ. فَلَمَّا اخْتارَ اللّهُ لِنَبِيِّهِ دارَ أنْبِيائِهِ وَمَأْوى أصْفِيائِهِ، ظَهَرَ فيكُمْ حَسيكَةُ النِّفاقِ وَسَمَلَ جِلبْابُ الدّينِ، وَنَطَقَ كاظِمُ الْغاوِينِ، وَنَبَغَ خامِلُ الأَقَلِّينَ، وَهَدَرَ فَنيقُ الْمُبْطِلِين».
وبعد محاججة طويلة بالقرآن الكريم، وبما قاله رسول الله، اضطر «الاول» لأن يلقي بالمسؤولية على جموع المسلمين المحتشدين في المسجد بأن قال: «هؤلاءِ المُسْلِمونَ بَيْنِيَ وبَيْنَكِ، قَلَّدوني ما تَقَلَّدْتُ، وَباتِّفاقٍ مِنْهُمْ أَخَذْتُ ما أَخَذْتُ غَيْرَ مُكابِرٍ وَلا مُسْتَبِدٍّ وَلا مُسْتَأْثِرٍ، وِهُمْ بِذلِكَ شُهودٌ»، التفتت الصديقة الزهراء صوب هذه الجموع قائلة: «مَعاشِرَ النّاسِ المُسْرِعَةِ إِلى قِيلِ الباطِلِ، المُغْضِيَةِ عَلى الفِعْلِ القَبيحِ الخاسِرِ {أَفَلا يَتَدَبَّرونَ القُرآنَ أَمْ عَلى قُلوبِهِم أَقْفالُها} كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلوبِكُمْ ما أَسَأتُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ، فَأَخَذَ بِسَمْعِكُمْ وَأَبْصارِكُمْ، وَلَبِئْسَ ما تَأَوَّلْتُمْ، وَساءَ ما أَشَرْتُمْ، وشَرَّ ما مِنْهُ اعتَضْتُمْ، لَتَجِدُنَّ وَاللهِ مَحْمِلَهُ ثَقيلاً، وَغِبَّهُ وَبيلاً إِذا كُشِفَ لَكُمُ الغِطاءُ، وَبانَ ما وَراءَهُ الضَراءُ، {وَبَدا لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ما لَمْ تَكونوا تَحْتَسِبونَ} وَ {خَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلونَ}.

  • الاختيار الصحيح وأدواته

بعد مضي نحو اربعة عشر قرناً من الزمن على ذلك الاختيار السيئ الذي تسبب بالانحراف التاريخي المرير، مازلنا نلاحظ الاستمرار في الخطأ نفسه، والسبب؛ اعتقاد الانسان دائماً أنه يُحسنُ صنعاً، فهو يعمل وفق قناعاته وما يعتقد به، فهل كل ما يعتقد به الانسان صحيح؟
حتى الفلاسفة والمفكرون الذين بحثوا في طريقة تفكير الانسان والاعتماد الكلّي على العقل احياناً، او التجربة او القياس تارةً اخرى، أكدوا ان ليس ما ينتجه فكر الانسان يكتسب الصحّة والسلامة، انما هنالك معايير اخرى تحكم هذه الصحّة لابد من توفرها منها؛ الايمان مع التطبيق العملي وايضاً الاستعانة بالعقل بحثاً عن المصاديق الواقعية، وهذا ما حرص أهل البيت، توفيره لافراد المجتمع والامة، وما يزال التراث العظيم والغني يضخ لنا المفاهيم والقيم الحيّة التي تفيد كل زمان ومكان، فقيم الحب والودّ -مثلاً- التي دعا اليها النبي الاكرم، جسدها أمام أعين الناس بحبّه الشديد لسبطيه؛ الحسن والحسين، عليهما السلام. وكذلك؛ قيم العدل والحرية التي دعا اليها الامام علي، عليه السلام، فانه جسدها خلال مدة حكمه، وكذلك الحال بالنسبة للدور المطلوب للمرأة المسلمة الذي جسدته العقيلة زينب، عليها السلام، بعد واقعة كربلاء، بل وظهرت مصاديق عدّة لهذا الدور الحضاري المتنامي في مواقف نسوة أخريات لم يكنّ من بيوت وجاهة اجتماعية ولا علمائية – حسب التصنيف الدارج- إنما نسوة من عامة المجتمع، مثل تلك المرأة الثكلى بزوجها والتي عبأت ابنها الصغير للالتحاق بأبيه دفاعاً عن الامام الحسين.
ان وسائل الاتصال والتواصل الحديثة، وتطور الحياة وتبلور الكثير من الحقائق والمفاهيم، سهّل مهمة الاختيار بشكل كبير للمرأة بشكل خاص، ولجميع افراد المجتع بشكل عام، حتى ما نلاحظه من بعض التأثر العاطفي بما يروج له من الحرية للمرأة في الخروج من البيت والعمل والتصرف كيفما تشاء، يتعرض لانتقاد شديد من العلماء والمثقفين لاسباب منطقية بالدرجة الاولى، وما يفرزه هذا اللون من الحرية من مساوئ على حياة المرأة؛ ثم على المجتمع بشكل عام.
لقد دعتنا الصديقة الطاهرة الى تلاوة القرآن الكريم والتدبّر فيه، وايضاً مدارسة السيرة النبوية التي تستدعي مدارسة سيرة الائمة المعصومين، ايضاً لما يساعدنا في الاختيار الصحيح في الحياة ومن اتخاذ الموقف المبدأي من الحق، والوقوف بحزم أمام الباطل الانحراف، وكل ما يلحق الضرر بالانسان الفرد، وبالمجتمع والامة بشكل عام.

عن المؤلف

حسين محمد علي

اترك تعليقا