التربية الصالحة للبنات وتأثيرها في بناء المجتمع الصالح

0

أعدت إحدى المؤسسات الثقافية مسابقة لأفضل نصيحة تقدمها الأم لابنتها في يوم زفافها، وجاء يوم المسابقة وقدمت النساء ما لديهنّ بشكل مكتوب، وما لفت انتباه اللجنة حين فرز الاوراق لاعلان النتائج، أنهم أمام ورقة فارغة! فأثار الامر استغراب الكل، فهل الأم، صاحبة الورقة تقصد الاستخفاف بفكرة المسابقة؟ أم أن في الأمر غاية اخرى؟ فنادوا عليها وسألوها، والنساء جالسة ترتقب كل واحدة الفوز بالجائزة، فهذه كتبت نصائح بحسن الأخلاق، وأخرى نصحت بتدبير المنزل، وعندما سألت اللجنة تلك المرأة عن سبب إعطائهم ورقة بيضاء دون كتابة شيء فيها، استأذنت منهم لكي تعتلي المنصة وبدأت حديثها، والحاضرون متلهفون لسماع السبب من وراء هذا العمل:
لم أرَ حاجة لأن أوصيها بشيء يوم زفافها!
فزاد استغراب الناس أكثر، بعضٌ فهمه إهمالاً، وبعض أثار فضوله لمعرفة السبب أكثر؛ لأن من اعتلت المنصة، يعتلي شخصيتها الوقار، وكأن وراء شخصيتها ثقافة وتعي ما تقول.
فأكملت حديثها:
وكيف أكتفي بنصائح في ساعات يوم زفافها مع من عاشت تحت تأديبي سنيناً، إني قد أعددت بناتي للزواج طيلة فترة مكوثهن معي يوماً بيوم، وعندما أصبحن ناضجات ومستعدات لتحمل مسؤولية الزواج عندها كنت مطمئنة عند انتقالها لبيت زوجها، فلا حاجة لهن بالنصائح في مثل هذا اليوم ولدقائق معدودة.
عندها أخذ الكل بالتصفيق لها، وتم تسليم الجائزة لتلك المرأة لأنها أعطت درساً للجميع.
نعم؛ البنت لا تترك سدىً في أيام مكوثها في بيت أهلها، بل ينبغي بناء شخصيتها بإعداد مسبق لكي تكون جاهزة للمسؤولية الملقاة على عاتقها، بعد اختيار رجل كفؤ لها، وذلك بغرس الحياء داخلها والأخلاق الحسنة.
وعندما نقرأ أحاديث النبي، صلى الله عليه وآله، والأئمة، عليهم السلام، نجد أن في تربية البنات ثواباً كبيراً وهذا الثواب ناتج عن إعالة البنت وتربيتها وتطبعها على الأخلاق الفاضلة وكيفية اختيار صديقاتها، ولا تقتصر تربيتها على توفير المأكل والمشرب، وإلا لما كان ثمن وجود البنت أن تكون ستراً من النار لأبويها. قال النبي، صلى الله عليه وآله: «من كانت له ابنة فأدبها وأحسن أدبها، وعلمها فأحسن تعليمها، فأوسع عليها من نعم الله التي أسبغ عليه كانت له منعة وسترا من النار» وكل ذلك بالتربية السليمة وقد ورد عن الامام الصادق، عليه السلام، عن رسول الله، صلى الله عليه وآله، انه قال: نعم الولد البنات ملطفات مجهزات مؤنسات مباركات مفليات، وهناك أحاديث كثيرة بينت فضل وجود البنت وإعالتا مع تربيتها وماله من أجر وثواب وكل ذلك ناتج من أن الاهتمام بالتربية وليس الرعاية فقط..

 

  • تربية البنت في وقتنا الحالي

التربية بصورة عامة تهدف إلى إنشاء أبناء صالحين والملاحظ أن الأسر إما أن يكونوا غير مهتمين بالتربية إطلاقاً، أو يهتمون بالتربية وهم صنفان: الصنف الأول تربية وفق فهم خاطئ لكثير من الامور، فيكون الاستهانة بالحجاب – مثلاً – بحجة «أن لا تكون معقدة»! وهم لا يفقهون بأن العقد إنما تنشأ من سوء التعامل والتحقير، بل لا بد من إسعاد الأولاد خاصة في سنينهم الأولى وتوفير مساحات للعب والمرح وإدخال السرور عليهم، وعندما تصبح مكلفة فلا مدخلية للحجاب في التعقيد، بل من شأنه تعريف البنت، بعد أن تصبح مكلفة، أن لها شخصية جديدة ومؤثرة في المجتمع، مما يقوي شخصيتها وثقتها بنفسها.
ومسألة ارتداء الحجاب تبدأ مع البنت ومن فترات سابقة الى بلوغها سن التاسعة، من خلال الحثّ والتشجيع والترغيب من افراد الأسرة وايضاً الأقارب، لتكون مستعدة نفسياً للخروج الى ميدان الحياة بعد سن البلوغ، فربما تكون في محيط المدرسة ثم الجامعة، فتعرف حدود التعامل مع الجنس الآخر بالكلام ومختلف اشكال التعامل في حدود الضرورة لا التعارف والدردشة على مواقع التواصل الاجتماعي تحت مسميات وادعاءات؛ «الانفتاح» او «ثقف نفسك»! وهو المنزلق الذي من شأنه ان يجرها إلى وديان الذئاب فتكون فريسة من حيث لا تحتسب.
قال الإمام علي، عليه السلام: «واكفف عليهن من أبصارهن بحجابك إياهن فإن شدة الحجاب أبقى عليهن، وليس خروجهن بأشد من إدخالك من لا يوثق به عليهن» وهو ما ينطبق على واقعنا، فإن اهتمام المرأة بحجابها وارتداء حيائها، وحدود التعامل مع الرجال ليس في الخروج من البيت فقط، وإنما بدخول الرجال إلى بيوتنا، والذين ينبغي أن يكونوا متفهمين لأمر الالتزامات الدينية بالنسبة للفتيات البالغات سن التاسعة، وأنهنّ لسنّ في عداد الاطفال الصغار. والأهم من ذلك؛ عالم الانترنت الذي يشكل اليوم البوابة الواسعة جداً امام البنات والنساء على حدٍ سواء للتعرف الى العالم الفسيح دون الحاجة للخروج من البيت، وما يتخلل ذلك – احياناً – من تعارف في مواقع التواصل – وربما يكون بشكل غير مقصود – رغم انه منهيٌ عنه في قاموس الاحكام الاسلامية، فقد ورد عن الإمام علي، عليه السلام: «وإن استطعت أن لا يعرفن غيرك فافعل».
والتعارف كلمة دقيقة لاستخدام الإمام لها، فهي تتمثل بمعرفة تفاصيل كل شخص للآخر والتي تنتهي بعلاقة وتعلّق وخاصة من قبل المرأة التي سيعرف عنها الجنس الآخر مواصفاتها النفسية والعاطفية، مما يجعلها تندفع خلف ذلك الشخص سواء بالتعرف عليه وجهاً لوجه، أو تحت معرفة مزيفة في عالم وهمي وافتراضي، ولهذا نجد الأعم الأغلب من النساء والفتيات يقعن فريسة هذا النوع من العلاقات، لأن البعض يعرف كينونة المرأة وكيف يوقع بها، ويجعلها أسيرة لغرائزه خاصة عندما يطلق تسمية قدسية على علاقته بوعده لها بالزواج.
وها هم مفكرو الغرب يتحدثون بحسرة عن ما آلت إليه المرأة من إهمال لدورها الحقيقي في أسرتها، وتربية أبنائها، فهذا الدكتور الفرنسي ألكسيس كاريل الذي يقول في كتابه الشهير؛ الإنسان ذلك المجهول: «لقد ارتكب المجتمع العصري غلطة جسيمة باستبدال تدريب الأسرة بالمدرسة استبدالاً تاماً، وكذا ترك الاُمهات أطفالهن لدور الحضانة حتى يستطعن الانصراف إلى أعمالهن ومطامعهن، إنهن مسؤولات عن اختفاء وحدة الأسرة واجتماعاتها التي يتصل فيها الطفل بالكبار، فيتعلم منهم أموراً كثيرة؛ لأنّ الطفل يشكّل نشاطه الفسيولوجي والعقلي والعاطفي طبق القوالب الموجودة في محيطه».
ومن هنا ركز الإسلام على إعداد المرأة وجعل مقابل تربيتها الصحيحة ثواباً كبيراً لكي تمارس دورها بشكل صحيح وبنفس الوقت فإن الإسلام والمجتمع يهتم كثيراً لمنع انحراف المرأة ولا يعني ذلك بأن الرجل بعيد عن الحساب، بل إن المفاسد وتفكك الأسرة الملقاة على انحراف المرأة اكثر لأنها القدوة الأكثر تماساً بالأبناء والتي تسري التربية من خلال ما أودعه الله تعالى بها من عاطفة جياشة.
وبعد هذا وذاك نفهم بأن المرأة نعمة في حال تم التعامل معها وتربيتها بالشكل الصحيح في فترة وجودها في بيت أهلها، وجعلها ناضجة قادرة على فهم المسؤولية الملقاة عليها من تربية لأبنائها وباقي مسؤولياتها، والاهتمام بها أمر في غاية الاهمية من رعاية وتنمية الحياء عندها وحسن أخلاقها واختيار الصديقات الصالحات، لأن ذلك كفيل بجعلها مدرسة تنتج أفراداً صالحين، والعكس صحيح إذا لم تتم تربيتها بشكل سليم.