كيف يعطيك الإيمان بالله السعادة في الحياة

0

يندفع الانسان في كثير من الاحيان لتحقيق السعادة في حياته بواسطة سبل ووسائل يدركها بحواسه ويتعامل معها بشكل مباشر، مثل المال، والعلم، والمنزلة الاجتماعية، فمن خلال المال يعتقد أن بامكانه ان يتزوج وينجب، ويشتري لأهله داراً جميلة واسعة، مع سيارة حديثة تأخذ مكانها في مرآب الدار، وبشهادته الجامعية بامكانه الارتقاء في سلم المناصب والحصول على افضل الامتيازات، وفرص العمل المرموقة، كما أن مكانته الاجتماعية تجعله انساناً محترماً ومتميزاً بين افراد المجتمع، وهذا أمر طبيعي، لا يُلام عليه أحد، فهذه من النزعات الانسانية، بيد أن السعادة الحقيقية المستدامة شيء آخر أبعد بكثير مما يتصوره الواحد منّا، مهما أوتي من تدبير وتفكير.
إنها؛ الإيمان بالله –تعالى- وبأنه قادر على كل شيء، وبيده مقادير السماوات والارض، فضلاً عن مقادير الانسان الضئيل الحجم وسط عظائم المخلوقات في الطبيعة والكون، فهذا الانسان الساعي والمستميت من اجل سعادته، آيل الى الموت، إن آجلاً أم عاجلاً، بينما تبقى الشمس مشرقة، والغيوم تهطل بالغيث، والانهار تجري بيماهها العذبة، والاشجار تعطي ثمارها.
وقد جرّب الكثير البحث عن السعادة بعيداً عن هذا المصدر العظيم للسعادة الحقيقية، فكانت عاقبتهم مثل ما يفعل الطفل الصغير بعد ان يتناول السكاكر والحلوى بشكل مسرف، فانه يحصد الحالات المرضية مع تقدمه في العمر، ولعل البداية في تسوس الاسنان، ثم البدانة، ومن ثمّ داء السكري، “فما قيمة لذة اذا اعقبتها ساعات من المعاناة؟، وما قيمة وردة، اذا كان الوصول اليها يغرقك في مستنقع؟ لذا فان من يبحث عن اللذة من دون الالتزام بالمسؤولية، ولا مراعاة للحدود والمقاييس، فانه يعرض نفسه للشعور بالتعاسة لفترة طويلة”.
وهذا يدعونا لأن نجرب طعم السعادة في الحياة بطرق غير مادية، لاسيما وأن الجميع اليوم يشكو المحن والازمات التي تنغّص عليه حياته، وبالكاد تجد من يعيش السعادة الحقيقية في حياته، حتى الاثرياء والميسورين، فان معظمهم يواجهون مشاكل معقدة لا يبوحون بها، فضلاً عن سائر شرائح المجتمع الكادحين في النهار لتوفير لقمة العيش بما يمكنهم من الابتسامة مع اطفالهم وزوجاتهم في المساء.
فكيف تكون هذه السعادة يا ترى؟
ثمة ثلاث اضاءات في هذا الطريق –ربما من جملة اضاءات للسعادة- نشير اليها بالمجمل:

 

[ .. عندما تكون البصيرة بهذا المستوى من العمق في تقييم الاشياء، فان الانسان المؤمن سيعرف يقيناً أن أعماله وجهوده الخيّرة لتحقيق السعادة لن تكون كل شيء، إنما هي مشروطة بالتوفيق الإلهي ..]

 

  • أولاً: الطمأنينة

وهي عكس القلق والخوف وكل الحالات النفسية السلبية الداعية الى عدم الاستقرار، فمهما أوتي الانسان من قوة في المال والعلم والجاه، وحتى النفوذ والامتيازات السياسية التي نلاحظها في بلادنا –لاسيما العراق- بسبب نظام المحاصصة والفساد، فان الاطمئنان لن يكون متوفراً حتى ولو بدرجة واحدة بالمئة، ليس على الاموال والامتيازات، بل ربما يصل الأمر على حياة الواحد منهم بسبب التنافس المحموم والقاتل على حطام الدنيا، بينما الذي يربط نفسه بالله –تعالى- وهو مؤمن بكل وجوده ومشاعره فانه يشعر براحة واطمئنان لأنه أوكل أمره الى القوي المهيمن الجبار.
جاء عن النبي الأكرم: “من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء”. “فالقلب المؤمن يستهين بكل الصعاب، لأنه يتوكل على الله، بينما القلب الفارغ من الايمان كورقة مقطوعة من غصنها تتلاعب به الرياح الهوج، ترى أي شيء يخيف الانسان أكثر من الموت والرحيل عن هذه الحياة، ولكن عند المؤمن ليس عامل خوف، بل عامل اطمئنان، وهنا يكون الموت مع الإيمان عامل سعادة، وهذا ما جسده الامام الحسين، عليه السلام، يوم عاشوراء: “ألا وأني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما”.

 

 

  • الثاني: الحب والأمل

يعطيك الايمان بالله الحب، والأمل، واليقين، والراحة النفسية، والشعور بالقيمة، وهذه اهتزازات عظيمة تجذب مثيلاتها، يقول أمير المؤمنين، عليه السلام: “خلو الصدر من الغلّ والحسد، من سعادة المتعبد”.
“تقول إحدى النظريات: ان لكل شيء في الكون اهتزازه وعليك أن تعرف كيف تجذب كل ما أنت راغب فيه، وليس من العبث ان يقال عن مثل أعلى وعن عاطفة إنهما مرتفعان، أو منخفضان، فاللغة تعبّر تمام التعبير عن الحقيقة، وفكرة الأمل، والحب المنعتق من كل انانية، والاعجاب، والسماح، تخلق فينا اهتزازات سامية، سريعة، تنضم الى الاهتزازات المماثلة وتشكل معها ظاهرة قوية، وحين نشعر بانحطاط فان اهتزازاتنا تنخفض، وتبطئ، ولا يبقى
شيء مما هو سعيد ومنسجم في حقل الجاذبية عندنا، ومن هنا نعلم كيف نفقد أعظم الآمال، إننا كالحجر المغناطيسي الذي فارقه المغناطيس، ويلزمنا جهد واع لكي نحرك اهتزازاتنا من جديد في سبيل تحقيق آمالنا”.
“وللمؤمنين طريقة قوية في تحريك الاهتزازات الواهنة؛ إنها الصلاة، والدعاء الى الله، والتسليم لمشيئته، إن الصلاة التي يتلوها المؤمن عدة مرات باليوم تمنحه من التألق الروحي ما يمنحه خبزه اليومي لحاجاته الجسدية، أما الخالون من الإيمان فلا ينفعهم شيء في هذه الحياة بدونه”.

 

[ .. القلب المؤمن يستهين بكل الصعاب، لأنه يتوكل على الله، بينما القلب الفارغ من الايمان كورقة مقطوعة من غصنها تتلاعب به الرياح الهوج ..]

 

 

  • الثالث: الرضى

عندما تسأل المؤمنين عن دوافعهم لأداء الصلاة، والانفاق على الفقراء والمحتاجين، والمشاركة في أعمال البر والإحسان وغيرها من المشاريع الخيرية والاعمال العبادية، فان الاجوبة تختلف لديك تبعاً لمستوى معارف اصحابها، فهناك من سيتحدث لك بقوة أنه يبغي السعادة في الحياة بوجود مجتمع متكافئ ومتكافل، وملتزم بالقيم الدينية والاخلاقية؛ “إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر”. بيد أن آخرين سيجيبون بأن غايتهم هي رضوان الله، وليس بالدرجة الاولى ان يحصلوا من وراء أعمالهم جزاءً او شكوراً، والحالتين تنبعان من شعور عميق بالرضى القلبي القائم على الإيمان بالله وبما جاء به من التشريع والاحكام والقوانين المساعدة على تحقيق السعادة للبشرية جمعاء.
وهذا يعني تحديداً ان تعيش الروح حالة الرضى وليس فقط الجسد الذي يجهد الكثير انفسهم لإرضائه بكل ما يتطلب من ملذات وشهوات ومظاهر، فحالة الرضى لدى الروح هي التي تخلق السعادة الحقيقية في الحياة التي لا تشوبها امراض الحسد وحبّ الأنا والكراهية.
وعندما تكون البصيرة بهذا المستوى من العمق في تقييم الاشياء، فان الانسان المؤمن سيعرف يقيناً أن أعماله وجهوده الخيّرة لتحقيق السعادة لن تكون كل شيء، إنما هي مشروطة بالتوفيق الإلهي، فربما يعتقد الكثير أن مستوى تدينهم والتزامهم كفيل بأن يحقق لهم كل شيء، وهذا منحى غير صائب في التفكير لمن كان يؤمن بالله وبقضائه ومقاديره للأمور، كما يحصل لمن يُحرم من الذرية –مثلاً- فانه يعتقد أن الدعاء كفيلٌ بأن يرزق بالولد، وإن كان التوسل والدعاء والتضرّع له دور كبير، بيد أن الإرادة الإلهية فوق كل شيء. والإيمان بهذا تحديداً يكمل لصاحبه عناصر السعادة ويجعل مطمئناً بقضاء الله وقدره وقسمته لعباده من الخير.

—————————————

  • مقتبس من كتاب “كيف تتمتع بحياتك وتعيش سعيداً” لسماحة السيد هادي المدرسي.