هل تتحرر الأمة من دون قراءة؟

0

تشكّل القراءة رافداً ضروريا من روافد المعرفة الانسانية، وتعد السبيل الأول للعلم والتعلّم، ولما كانت القراءة ضرورية لفهم الحياة والمتغيرات من حولنا، جاءت الرسالات السماوية، وآخرها الدين الاسلامي، ليحث الناس على العلم والمعرفة، وكان نزول أول آية على النبي الاكرم، صلى الله عليه وآله، هي قوله تعالى: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}.
ولا يخفى على أحد ما للقراءة من أهمية على المستوى الفردي والجماعي، وما أجمل ما لخصه الإمام علي، عليه السلام لصاحبه كميل بن زياد، في أهمية العلم والمعرفة، يقول: “يا كميل ما من حركة إلا وانت محتاج فيها الى معرفة”.
فعلى الصعيد الفردي نحن بحاجة الى القراءة والمطالعة، فالاطلاع على الماضي للاستفادة في مستقبلنا، و تنمية المهارات الابداعية، وتفعيل الفكير النقدي، والتخطيط للمستقبل، وتقوية الذاكرة، وتوسيع المدارك والآفاق، وغيرها الكثير، كل هذا من فوائد المطالعة وأهميتها، وعلى صعيد المجتمع فإن المجتمع القارئ هو المجتمع المغيّر الى الافضل والاحسن.
وبناء على هذا تم اختيار كتاب جميل جداً فيما يحمل بين دفتيه، فمن جهة هو كتاب تعليمي ومعرفي، ومن جهة أخرى تحفيزي، كتاب” خطى نحو مجتمع قارئ”، والذي يستعرض فيه المؤلف – الشيخ حسن البلوشي- أهمية القراءة وفوائدها، وما هي معوقاتها، وكيف ندفع بالمجتمع نحو القراءة، حتى تصبح عادة يومية، وحاجة ضرورية.

 

 

  • لماذا نقرأ؟

في الفصل الاول من الكتاب يطرح الكاتب تساؤلات:
لماذا نقرأ؟
وهل القراءة ضرورية أم انها هامشية في حياة المجتمعات؟
يقول المؤلف في معرض الاجابة عن ذلك: “عندما نتحدث عن القراءة، فنحن في الحقيقة نتحدث عن حاجة من أهم حوائج الإنسانية، مثل حاجة الإنسان للهواء والماء والغذاء والمسكن..، وغيرها من ضروريات الحياة، فلا أبالغ أن البشرية لا يمكن أن تعيش بدون القراءة، التي هي السبيل الاول لتحصيل العلم والمعرفة، فأمة لا تقرأ أمة لا تستحق العيش، وأمة تقرأ ترقى، وتعيش انسانيتها بمعنى الكلمة، تلبي حاجاتها الروحية والفكرية، وإن للقراءة من الاهمية والتأثير على حياة الفرد والمجتمعات بشكل قوي
ومباشر.
وفي هذا الفصل يتكلم الكتاب ضمن عدة عناوين، منها:
– خرق الفضاء بالكتاب.
– العظماء قرّاء نهمون.
– مغيروا التاريخ قرّاء من الدرجة الاولى.
– انت تقرأ .. إذاً انت موجود .
وفي بداية هذا الفصل يبين المؤلف أن لكل حضارة مميزات تميزها عن غيرها؛ يقول المؤلف: ” لكل حضارة في الكون سمة ومظهر تُعرف بها، فحضارة الفراعنة – على سبيل المثال- سمتها الاهرامات، التي من يراها اول ما يخطر في باله الفراعنة، والحضارة الاسلامية سمتها الكتاب.
وأول ما أُمر به المسلمون هو(إقرأ)، والمسلمون مرتبطون بالكتب والكتاب، أي القرآن الكريم، الذي هو مصدر التشريع بالنسبة لهم، فلا يمكن في أي حال من الاحوال أن يتبعدوا عن هذا الكتاب- اي القرآن الكريم- حيث يوضع في مكان طاهر ونظيف، ولا يمسونه إلا وهم في حالة من طهارة، ولا يرضون بأقل الاهانات إليه، حتى وضعه في مكان غير لائق.

 

[.. لكل حضارة في الكون سمة ومظهر تُعرف بها، فحضارة الفراعنة – على سبيل المثال- سمتها الاهرامات، التي من يراها اول ما يخطر في باله الفراعنة، والحضارة الاسلامية سمتها الكتاب ..]

 

  • القراءة مصنع الاحرار:

والانسان الذي يقرأ هو الحر الذي يعيش حياته دون العبودية والأسر للجهل، والله تعالى يصف رسوله الكريم، صلى الله عليه وآله أنه: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}، وذلك عندما قال الكلمة الأولى ( إقرأ)، قال الرئيس الامريكي الثالث جيفرسون: “ذلك لأن القراءة تطرد الجهل والخرفات، وهما من ألدّ أعداء الحرية”.

 

  • لنستطيع اللحاق بعصر الملعومات

كذلك من اراد ان يعيش بهذا العالم المعاصر، المليء بالتعقيدات، وتدفق المعلومات، وكثرة الاكتشافات والعلوم، حيث يقال أن في كل دقيقة تكتب أكثر من ثلاث مئة مقال علمي، يقول باربرا كانتر: “الناس قبل مئة عام لم يكونوا بحاجة الى اجادة العلم لكي يتسنى لهم كسب العيش، ولكن لا احد يستطيع مواكبة عصر المعلومات دون معرفة القراءة بدرجة جيدة، وفهم المواد التي تزداد تعقيدا.

 

[ .. من الضروري أن تضع لنفسك منهجية للقراءة، فلا تكن قراءتك تخبط عشؤائي في أي مجال تقرأ، وأي كتاب تقرأ.. دون أن تحدد لنفسك منهجا واضحا .. ]

 

 

  • القراءة تعطيك أكثر من حياة

الانسان له عمر واحد، فما رأيك أيها –القارئ العزيز- ان تعيش كل الشعوب التي سبقتك، بنفس العمر الذي اعطاك الله، كما يقول الكاتب عباس محمود العقاد: “لست أهوى القراءة لأكتب، ولا لأزداد عمرا في تقدير الحساب، إني أهوى القراءة لأن لي في هذه الحياة حياة واحدة فقط، وحياة واحدة لا تكفيني، ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة”.
– أنت وحيد .. لكنك مجموعة
القراءة لن تبقيك وحيدا، بل هي وفية جداً على كل حال، فالكتاب يؤنسك، ويسامرك، ويقضي معك الليالي الجميلة، فتشعر باللذة والأنس التي يعجز القلم عن تصويرها، ولا يمكن تصورها إلا بالتجربة، يقول الكتاب الفرنسي مونتين: ” أن تقرأ يعني ان تجد الصديق الذي لن يخونك أبدا”.

 

 

  • ويتساءل المؤلف: هل نحن مجتمعات تقرأ؟

وفي معرض الجواب على ذلك، يقول: “ليس هناك احصاءات رسمية ترصد معدل القراءة في مجتمعاتنا بشكل دقيق، كما أنّا لم نسمع عن احصاءات قامت بها مراكز البحث، أو مؤسسات اعلامية تمكننا من الاجابة بموضوعية علمية حول التساؤلات التي بدأت تطرح بشكل واسع حول ضعف القراءة داخل الأوساط المتعلمة، أو تراجع معدلات القراءة بنسبة كبيرة تختلف عما كانت عليه قبل عقد او عقدين من الزمن”.
ثم يشير المؤلف الى عدة معطيات عن ظاهرة ضعف وتراجع القراءة في مجتمعاتنا منها:
“أولا: التقارير التي نشرتها المنظمات العربية والاسلامية والعالمية في المناسبات المختلفة، عن ارتفاع نسبة الأمية في العالم، منها عالمنا العربي والاسلامية.
ثانيا: ما تنشره دور النشر واصداراتها السنوية، فهي من المؤشرات الجيدة على المستوى القرائي والانتاج الفكري، واذا ما قورنت دور النشر العربية، مع غير تجد الفارق الكبير.
ثالثا: المستوى الثقافي العام للأمة مؤشر ايضا على ضعف القراءة والمطالعة”.

 

 

  • كيف تصنع من نفسك قارئا؟

ثم ينتقل المؤلف الى فصل آخر، وهو كيف يصنع الانسان من نفسه قارئا ومحبا للكتاب، وذلك عبر عدة خطوات كما يراها المؤلف:
“ضع لنفسك طموحا
يقول الامام علي، عليه السلام: ” يطير المرء بهمته كما يطير الطير بجناحيه”، من الضروري أن تضع لنفسك طموحا تسعى جادا لنيله، وهدفا تحدق فيه، وتجتاز العقبات للوصول إليه، ولا ترضَ لنفسك بالطموح المتواضع البسيط الذي لا يليق بمقامك وأنت إنسان.
ضع لنفسك قدوة
وهي مثل آخر، ضع لنفسك قدوة تسعى أن تكون أفضل منه، وتذكر السر: القراءة هي سبيلك للوصول إليها، فإذا وضعت لنفسك – على سبيل المثال- جمال الدين الافغاني، ذلك المصلح الذي خلّده التاريخ، حتى صارت كل فئة ومذهب ديني يقولون ويفتخرون بانتسابه إليه، بل هم الذي ينسبون انفسهم إليه، فعليك بكثرة القراءة، لكي تكون أفضل من القدوة التي كوّنتها لنفسك، وأيضا لا تتخذ لنفسك قدوات متواضعة، بل عليك اختيار المنارات والقمم الشاهقة”.
ويضيف المؤلف عدة محفزات، وهي أن على القارئ أن ينظر الى ميوله، فإذا كان يحب القصص فليقرأ في هذا المنحى، وكذلك على القارئ أن ينظم وقت وقته بحزم، فالاوقات موجودة، ولكن الكثير لا يحسن تنظيمها، ويختم المؤلف هذا الفصل؛ بأن على القارئ ان يضع في جيبه كتابا أينما كان، فلربما كان لديك موعد مع صديقك، ولكنه قد يتأخر لعشر دقائق، ففي هذا الوقت بإمكانك قراءة عدة صفحات.

 

 

  • تجارب مع الكتاب

عقد المؤلف في هذا الفصل تجاربه من الكتاب، ومن الجدير اخذها بعين الاعتبار، مع النظر الى الفوارق الشخصية.
منهجية القراءة:
يقول المؤلف: ” من الضروري أن تضع لنفسك منهجية للقراءة، فلا تكن قراءتك تخبط عشؤائي في أي مجال تقرأ، وأي كتاب تقرأ.. دون أن تحدد لنفسك منهجا، وأرى أن أفضل طريقة لمنهجية القراءة: أن تضع لنفسك مدة من الزمن وتحدد فيها قراءتك في مجال معين، مثلا لمدة شهر تقرأ في مجال التربية، وبالاضافة الى ذلك تنتقي عين الكتب، او الكتب المعتبرة والشاملة في هذا المجال، وذلك باستشارة من لهم الخبرة في ذلك، وبعد الشهر تحدد مثلا في غضون اسبوعين تقرأ في الصداقة وهكذا. فهذه الطريقة تفيد من عدة نواحي:
1ـ عند التركيز في القراءة بموضوع معين وبمجة معينة، ومن عدة كتب تخرج بدرجة لا بأس بها من النهل والادراك في الموضوع نفسه، ويكون اداركك للموضوع بشكل جيد.
2ـ وأيضا عندما تكون القراءة منهجية، وقراءتك تكون من اطراف متعددة تستطيع تكوني وجهة نظر حول الموضوع، لانك قرأت عدة أراء، وذلك واضح جدا في المواضيع التاريخية، فعند قراءة حدث تاريخي من عدة جهات يكون تكوين الرأي الواضح”.