مناسبات

هل انتهت الرحلة أم بدأت؟

إنتهت رحلة العمر، أم أنّها بدأت؟ نفرح في عيدنا أم نحزن أم ماذا نصنع ..؟؟

إنتهت رحلة العمر، أم أنّها بدأت؟ نفرح في عيدنا أم نحزن أم ماذا نصنع؟
من تشريف الله تعالى لهذه الأمّة، هو منته بهذا الشهر، فهي منّة إلهية، يقول الإمام زين العابدين عليه السلام في دعاء وداع شهر رمضان: “أَللَّهُمَّ إنَّا أَهْلُ هَذَا الشَّهْرِ الِّذِي شَرَّفْتَنَا بِهِ وَوَفّقتَنَا بِمَنِّكَ لَهُ حِينَ جَهِلَ الاَشْقِيَاءُ وَقْتَهُ وَحُرِمُوا لِشَقَائِهِم فَضْلَهُ، أَنْتَ وَلِيُّ مَا اثَرْتَنَا بِهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ، وَهَدَيْتَنَا مِنْ سُنَّتِهِ، وَقَدْ تَوَلَّيْنَا بِتَوْفِيقِكَ صِيَامَهُ وَقِيَامَهُ عَلى تَقْصِير، وَأَدَّيْنَا فِيهِ قَلِيلاً مِنْ كَثِيـر“.
كنا في هذه الضيافة الإلهية، في رحلة تحاكي رحلة الإنسان في الحياة، تحاكي دورة حياة متكاملة، أ ليس ورد في ليلة القدر أنها رأس سنة المؤمن؟! ليست رأس سنة بدنه، بل هي رأس سنة لروحه.
فالروح تعود كما كانت طاهرة نقية، يستيقظ فيها ضمير الإنسان، يعود إلى فطرته، يستشعر حقيقته، يلوذ ببارئه.

[.. أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ يَوْمَكُمْ هَذَا يَوْمٌ يُثَابُ فِيهِ الْمُحْسِنُونَ وَيَخْسَرُ فِيهِ الْمُسِيئُونَ، وَهُوَ أَشْبَهُ يَوْمٍ بِيَوْمِ قِيَامَتِكُمْ ..]

أمير المؤمنين عليه السلام، في خطبة من خطب العيد يشبّه، عيد الفطر بيوم القيامة، فيقول: “أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ يَوْمَكُمْ هَذَا يَوْمٌ يُثَابُ فِيهِ الْمُحْسِنُونَ وَيَخْسَرُ فِيهِ الْمُسِيئُونَ، وَهُوَ أَشْبَهُ يَوْمٍ بِيَوْمِ قِيَامَتِكُمْ“، أليس الإنسان يعيش في الدنيا مضماراً يتسابق فيه مع سائر من خلق الله ثم يعود إلى ربه لينال جزائه؟ كذلك هو شهر رمضان، يقول الإمام: “فَاذْكُرُوا بِخُرُوجِكُمْ مِنْ مَنَازِلِكُمْ إِلَى مُصَلَّاكُمْ خُرُوجَكُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّكُمْ وَاذْكُرُوا بِوُقُوفِكُمْ فِي مُصَلَّاكُمْ وُقُوفَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّكُمْ وَاذْكُرُوا بِرُجُوعِكُمْ إِلَى مَنَازِلِكُمْ رُجُوعَكُمْ إِلَى مَنَازِلِكُمْ فِي الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ“، فهي نهاية لكنها بداية، نهاية رحلة الشقاء، وبداية رحلة السعادة، نهاية رحلة العصيان، وبداية رحلة الطاعة.

يقول عليه السلام: “أَنَّ أَدْنَى مَا لِلصَّائِمِينَ وَ الصَّائِمَاتِ أَنْ يُنَادِيَهُمْ مَلَكٌ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أَبْشِرُوا عِبَادَ اللَّهِ فَقَدْ غُفِرَ لَكُمْ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكُمْ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَكُونُونَ فِيمَا تَسْتَأْنِفُونَ“.

  • المسافة قريبة

طوى البعض في شهر رمضان مسافة كبيرة بينه وبين ربه، لأنه علم “أَنَّ الرَّاحِلَ إِلَيْكَ قَرِيبُ الْمَسَافَةِ”، أرأيت كيف أن شهر رمضان جعلك تصل إلى ربك وتطوي المراحل سريعاً، فإذا بذلك العبد العاصي يتحول إلى حبيب، إلى قريب، إلى مناجي، هذه هي المسافة التي يجب أن نطويها، فالبعض يخسر عمره ولا يطويها والبعض يطويها بلحظة إرادة.

  • الشاب التائب.. مستجاب الدعاء

قصة جميلة يرويها لنا ابو حمزة الثمالي عن الإمام السجاد عليه السلام: “إنّ رجُلا ركب البحر بأهله فكُسر بهم فلم ينجُ ممّن كان في السّفينة إلّا امرأةُ الرّجُل فإنّها نجت على لوح من ‏ألواح السّفينة حتّى ألجأت على جزيرة من جزائر البحر.‏
في هذه الجزيرة كان رجل يقطعُ الطّريق و لم يدع للّه حُرمة إلّا انتهكها، وإذا به يرى المرأة قائمة على رأسه ‏تطلب منه المساعدة، فرفع رأسه ونظر إليها وقال أنسية أم جنية؟ فقالت إنسية، فلم يُكلّمها كلمة حتّى جلس ‏منها مجلس الرّجُل من أهله فلمّا أن همّ بها اضطربت.‏
فقال لها ما لك تضطربين؟ فقالت: أفرقُ‏ من هذا وأومأت بيدها إلى السّماء.‏
فقال لها الرجل: فصنعت من هذا شيئا؟
قالت: لا و عزّته.‏

قال: فأنت تفرقين منهُ هذا الفرق ولم تصنعي من هذا شيئا و إنّما أستكرهُك استكراها فأنا واللّه أولى بهذا ‏الفرق و الخوف وأحقُّ منك.‏
ترك المرأة ورجع إلى أهله وليست لهُ همّةٌ إلّا التّوبةُ والمُراجعةُ.‏
وفي الطريق صادفه راهبٌ يمشي في الطّريق وكانت الشمس حارة، فقال له الراهب تعال لندعوا الله ان يظلنا ‏بغمامة.‏

فقال الشّابُّ: ما أعلمُ أنّ لي عند ربّي حسنة فأتجاسر على أن أسألهُ شيئا، قال الراهب: إذن أدعُو أنا ‏وتُؤمّنُ أنت، وبالفعل دعى الراهب و أمن الشاب، وإذا بغمامة على رأسهما فمشيا، ثم تفرقت الجادة، كلٌ يريد ‏طريقا، فأخذ الراهب طريقا، والشاب طريقا آخر، وإذا بالمفاجئة، فالسحابة لم تذهب مع الراهب بل ذهبت مع ‏الشاب.‏

قال الرّاهبُ: أنت خيرٌ منّي لك استُجيب و لم يُستجب لي فأخبرني ما قصّتُك فأخبرهُ بخبر المرأة فقال غُفر ‏لك ما مضى حيثُ دخلك الخوفُ فانظُر كيف تكُونُ فيما تستقبلُ.‏
بلى! إنّ الله تبارك وتعالى يمنّ على عباده ويرحمهم حيث يهدمون وراءهم جسور المعصية ويتوجّهون إليه ‏بقلوب خاشعة، ونفوس هاربة إليه ممّا يسخطه، فيتوب عليهم إذ يقرّرون في ثوان معدودة التوبة عن سنين ‏الخطايا والموبقات، وإذ ذاك يفتح لهم رحاب الرحمة وآفاق المعرفة والتكامل.‏

[.. في هذا اليوم ينشغل المحسن بإحسانه ويفكر في ثوابه ويشكر الله عليه شكراً وافراً، ويفكّر ملياً كيف يحافظ على ما اكتسبه في هذا الشهر، كيف يحافظ على هذا الصفاء والنقاء الذي وهبه الله تعالى بصيامه وقيامه ..]

  • نفرح أم نحزن؟

لذلك يتردد المؤمن بين الفرح والحزن في يوم العيد، فهل طوى هذه المسافة؟ هل حصل على ما يريد من بارئه؟
الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، يمر بأناس في يوم الفطر وهم يلعبون ويضحكون، فقال لأصحابه والتلفت إليهم: “إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ شَهْرَ رَمَضَانَ مِضْمَاراً لِخَلْقِهِ يَسْتَبِقُونَ فِيهِ بِطَاعَتِهِ إِلَى رِضْوَانِهِ فَسَبَقَ فِيهِ قَوْمٌ فَفَازُوا وَ تَخَلَّفَ آخَرُونَ فَخَابُوا فَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنَ الضَّاحِكِ اللَّاعِبِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُثَابُ فِيهِ الْمُحْسِنُونَ وَ يَخِيبُ فِيهِ الْمُقَصِّرُونَ وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ لَشُغِلَ مُحْسِنٌ بِإِحْسَانِهِ وَ مُسِي‏ءٌ بِإِسَاءَتِهِ“.
في هذا اليوم ينشغل المحسن بإحسانه ويفكر في ثوابه ويشكر الله عليه شكراً وافراً، ويفكّر ملياً كيف يحافظ على ما اكتسبه في هذا الشهر، كيف يحافظ على هذا الصفاء والنقاء الذي وهبه الله تعالى بصيامه وقيامه.
وفي الوقت نفسه يفكّر المقصر في تقصيره وتفريطه في جنب الله تعالى، فكم من فرصة ثمينة ضاعت في هذا الشهر وأصبحت غصّة!
فقد بدأت رحلة المولود الجديد، وانتهت رحلة ذلك العبد العاصي، فأنا لست ذلك الذي كان، فليس هذا وقت فرح بل وقت شكر، وليست هذه مناسبة حزن بل مناسبة المحافظة على المكتسبات.

عن المؤلف

السيد مرتضى المدرّسي

اترك تعليقا