الْعِيدُ الْسَّعِيدُ بِقَلبٍ جِدِيدٍ

0

 

  • تقديم معرفي

عيدنا في هذا العام يختلف عن كل الأعياد التي مرَّت علينا في حياتنا، وفي أجيالنا هذه التي عشناها في مختلف الظروف، وأقساها، وأصعبها علينا، ولكن كان يأتي العيد ليُلملم الجراح، بالتواسي، والتواصل، والتآخي في المجتمع، ولكن هذا العيد يأتي تحت وطأة هذا البلاء، وهذا الوباء الذي أربك العالم أجمع (الكورونا)، فلم تمر على الأمة في تاريخها مثل هذا الظرف الذي نحن فيه.
ويأتي عيد الفطر السعيد، ولكن كيف يكون سعيداً ونحن ممنوعون من التواصل، وهل العيد إلا التواصل، والتزاور، ولقاء الأهل والأحبة بأجمل الالبسة، وأطيب روائح العطور، فأي عيد سيكون لنا ونحن في هذا الحصار، وحتى إذا إلتقينا فممنوع التصافح، بين الأخوة، وتقبيل أيادي الآباء والأمهات، وحتى لبس الكمامات والقفزات، وإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم رب العرش العظيم إلى ما وصلنا إليه.
ولذا علينا امتلاك المعرفة، والنظر بفكر وتأمل إلى ما نحن فيه ونبحث عن الأسباب، ثم العلاجات الممكنة لهذا الوباء، وهذه الجائحة العالمية، ونرجع إلى أن الله سبحانه وتعالى جعل الدنيا تسير بالأسباب والمسببات، وكم من آيات كريمة تدعونا إلى التفكير العميق في ظل الحضارة الرقمية التي أنسَت العالم ربَّ العالمين فأراد سبحانه أن يُنبِّهنا بهذا الفيروس الصغير الحقير وفعله الفادح في العالم، لخالقنا الكبير المتعال؟ وذلك من آيات الله وإنذاراته للبشرية في عصر الحضارة الرقمية، التي يصدق عليها قول ربنا سبحانه: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ}. (الروم: 42).
فهل هي صدفةٌ أن تأتي هذه الآية الكريمة في سياق آيات سورة الروم المباركة؟ ولكن عقيدتنا أنه لا يوجد شيء في الكون صدفة، بل هناك الحِكمة وهي التي تُسيُّره، وربما خفيت علينا الحِكمة فنقول عنها: أنها صدفة، وأما هي في الحقيقة حِكمة بالغة من حكيم خبير وعالم قدير.
فلا مكان، ولا مجال للصدفة في كتاب الله التدويني (القرآن الحكيم)، ولا في كتابه التكويني (الكون)، وذلك لأن الخالق خلق كل شيء بميزان دقيق جداً، ولكن عقولنا نحن البشر قاصرة عن إدراك ومعرفة تلك القوانين الحاكمة في هذا الكون.

  • العيد متى يكون سعيداً؟

في التاريخ الإسلامي قممٌ شامخة في دنيا الإنسانية علمونا أصول الحياة الإنسانية، وهم رسول الله المصطفى، صلى الله عليه وآله، وأهل بيته الأطهار عليهم السلام، الذين جعلهم الله لنا قدوات وأسوات في هذه الحياة لمَنْ أراد وجه الله قال سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}. (الأحزاب: 21).
ومن أولئك العظام كان الإمام الحسن المجتبى السبط الأكبرعليه السلام، فيُروى أنه نظر إلى ناس في يوم فطر يلعبون ويضحكون، فقال عليه السّلام لأصحابه: “إنّ اللَّه عز وجل خلق شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى رضوانه، فسبق فيه قوم ففازوا، وتخلّف آخرون فخابوا، فالعجب كلّ العجب من الضاحك اللاعب في اليوم الذي يُثاب فيه المحسنون، ويخيب فيه المقصّرون، وأيم اللَّه لو كشف الغطاء لشُغل كلّ محسن بإحسانه ومسيء بإساءته”. (مَن لا يحضره الفقيه للصدوق 1 : 324 ح 83).
كم هو درس عميق في النفوس الآدمية، وكم هو رفيع في الأخلاق الإيمانية هذا الكلام من إمامنا المجتبى عليه السلام ،الذي يُريد أن يختصر علينا مسألة كنا نظنها هي للفرح والسرور، وربما البطر والأشر عند البعض، فصحح لنا أفكارنا في هذه الدُّرة الحسنية المباركة.
ولذا قالوا: “ليس العيد لمَنْ لبسَ الجديد، إنّما العيد لمَنْ سَلِمَ (أمِنَ) من الوَعيد)
وقالوا: “ليس العيد لمَنْ ركب المطايا، إنّما العيد لمَنْ ترك الخطايا، وليس العيد لمَنْ حضر المصلّى، إنّما العيد لمَنْ صام وصلّى”.
ففلسفة العيد ليس كما نفهمه عادة، أو كما يفهمه العوام من الناس؛ بأنه فرصة للهو واللعب، وربما الانعتاق من الواجبات، وبل وارتكاب بعض المحرمات – والعياذ بالله – كما يُشاع في بعض المناسبات؛ من أنه مرفوع القلم عنكم فيها، وما ذلك إلا تشجيعاً لارتكاب الذنوب والجرأة على المعاصي، وهي في الحقيقة كلمة باطل استغلها الجُهال في هذه الأمة، لما فيها من تشجيع على المعصية وارتكاب الذنوب باسم المناسبة، أو العيد.

[.. ليس العيد لمَنْ لبسَ الجديد، إنّما العيد؛

لمَنْ سَلِمَ (أمِنَ) من الوَعيد ..]

ولدى سماحة السيد المرجع محمد تقي المدرسي (حفظه الله) كلمات جميلة ورأي مسؤول في مسألة العيد حيث يقول: ” إن العيد ليس إلّا دعوة لمراجعة الماضي، وإعادة النظر فيه، ومحاولة تحقيق مستقبل أفضل من واقع الإنسان الذي مضى ليبدأ مرحلة جديدة ذات مواصفات جديدة، فالعيد يُكرِّسُ الخصال الحميدة التي اكتسبناها خلال شهر رمضان أو فيما سبقه من الأيام”.
ثم يقول سماحته: “وبناءً على ذلك فإن العيد- في معناه الدقيق- هو تكريس وتثبيت لتلك المكاسب الروحية التي حصل عليها الإنسان المسلم خلال شهر رمضان، أو أثناء العشرة الأولى من شهر ذي الحجة التي تمثل موسم الحج (عيد الأضحى).
وهكذا فان العيد هو تثبيت للمكاسب السَّابقة، وتدشين للمرحلة القادمة، وتأكد من سلامة مواقعنا السابقة، وعزم على البدء بمرحلة جديدة.. وإذا كان العيد هكذا، فإن استقبالنا له ينبغي أن يكون وفق هذا الأفق والرؤية، وذلك من خلال البرامج التي نُريد أن نطبِّقها فيما بعد يوم العيد.
إننا نكتسب في كل عام خلال البرامج الروحية لشهر رمضان آداباً ورؤى جديدة، وبذلك يرتفع مستوانا الروحي على المستوى السابق ارتفاعاً ملحوظاً، فعلينا أن نكرس هذا الارتفاع في العيد أوّلًا ثم نبدأ بوضع برامج تفصيلية للمرحلة القادمة، لكي نحافظ على هذا المقدار المبارك من المكاسب التي حصلنا عليها خلال شهر رمضان الفضيل، سواء كانت هذه المكاسب علمية أو روحية أو حتى سلوكية.

[.. كم هو جميل أن نشارك أولئك الذين لا عيد لهم كاليتامى، والأرامل، والمرضى، ونزلاء المستشفيات، والغرباء المنبثين هنا وهناك ..]

ونحن نكتشف خلال هذا الشهر المبارك أن كل واحد منا يُعاني من نقائص؛ كأن يكون فينا مقدار من الكسل، أو شيءٌ من الضجر والقلق، أو الأنانية والذاتية، أو قدر من الانطواء والانغلاق، أو عدم الالتزام الكامل بالعهود والمواثيق، وعدم تطابق القول مع الفعل، وما إلى ذلك من صفات سلبية يكتشفها الواحد منا في ذاته خلال شهر رمضان، ثم يعقد العزم الراسخ على أن يقتلعها بكل وسيلة ممكنة.
إننا إذا أردنا أن نقتلع هذه الصفات السلبية من نفوسنا، فلا بد من أن نضع لأنفسنا برامج تربوية، فنحن لا نستطيع أن نغيّر حياتنا إلّا من خلال هذه البرامج التربوية التي يجب أن نستغل كل لحظة من لحظات أوقاتنا في سبيل وضعها، والتفكير العميق فيها، وذلك من خلال تنظيم هذه البرامج وفق المكاسب التي حصلنا عليها خلال أيام شهر رمضان”. (شهر رمضان بصائر وأحكام، ص: 52).

  • العيد فرحة اجتماعية لا فردية

والمسألة التي يجب أن ننتبه إليها في العيد؛ هي أن العيد مناسبة اجتماعية بامتياز وعلى ذلك علينا أن ننتبه في هذا الوقت العصيب على الجميع، لا سيما أولئك الفقراء، والبسطاء، والمساكين وعوائل الشهداء الكرام، والطبقات العاملة التي حُبس عائلها في هذه الظروف رغماً عنه، وربما كانوا لا يجدون لقمة العيش، فكيف بفرحة العيد، ولباسه، وحلوياته، وغير ذلك، من مستلزمات العيد ليكون سعيداً بالنسبة لهم.
ولسماحة السيد المرجع المدرسي كلمات في ذلك يقول فيها: “كم هو جميل أن نشارك أولئك الذين لا عيد لهم كاليتامى، والأرامل، والمرضى، ونزلاء المستشفيات، والغرباء المنبثين هنا وهناك، وفي هذا المجال ينبغي أن نضع في أيّام العيد برنامجاً لزيارة بيوت المساكين وتفقّد أحوالهم، وعيادة المرضى الذين لا يستطيعون أن يعيشوا بهجة العيد مع الآخرين، ولنشارك الضعفاء والمساكين والمستضعفين فرحتهم في العيد من خلال تقديم العون والمساعدة لهم، ومن خلال الدعاء لهم، وزيارتهم في بيوتهم، والاطلاع على أوضاعهم الاقتصادية المتردّية.
وفي هذا المجال علينا ألا ننسى في أيّام العيد إخواننا المؤمنين في السجون والمعتقلات، ولنحاول أن نفكر فيهم، وفي كيفية إنقاذهم من تحت سياط الجلّادين، ولننظر في مدى عطائنا لشعوبنا الإسلامية، ولنحاول أن نزيد من عطائنا لهم عبر توعيتهم، وتزكية نفوسهم، وتربية الكوادر فيهم، والاهتمام بأوضاعهم، وما إلى ذلك من أعمال وممارسات نستطيع بواسطتها أن نساهم في إنقاذهم، تجسيداً للمفهوم الحقيقي للعيد، هذا المفهوم الذي يعني بالدرجة الأولى تمتين الأواصر الاجتماعية، ونشر المحبة والوئام بين أوساط المجتمع، والعمل على إزالة كل ما من شأنه الإخلال بوحدة وتلاحم المسلمين”. (شهر رمضان بصائر وأحكام، ص: 53).
هكذا يكون العيد بقلب جديد وطاعة وعبادة وليس لهو وسهو ولعب بالباطل، وتفَكُه بما حلَّ أو حرُم.
نسأل الله أن يكون عيداً سعيداً على الأمة الإسلامية بنصرها على أعدائها المتربصين بها شراً وأن يجعلنا من خدام الحق في الخلق، وكل عام وأنتم بألف خير وبركة وإلى الله أقرب إخوتي.