الْوِلَادَةُ الْسَّجَادِيَةِ الْمُبَارَكَةِ.. وِلَادَةُ الْرُّوحِ وَالْمَعنَوِيَّةِ فِي الأُمَّةِ

0

المجتمع الإسلامي عاش نوعاً من الاهتزاز في حياته والقلق الفكري والعقائدي كونه حديث العهد بالإسلام ونظامه وأحكامه، وما تزال شوائب الجاهلية عالقة به، وبوصول تلك العائلة الخارجة عن الدين، والتي توارثت الكره والبغض للبيت الهاشمي، منذ أمية، ذاك العبد الرومي الذي تبناه عبد شمس، و راح العبد يتطاول على أسياده، فلم يترك زعيمهم أبو سفيان؛ صخر بن حرب وسيلة لمحاربة الإسلام إلا فعلها، ولم تفوته غزوة أو سرية من قريش أو غيرها ضد المسلمين إلا وكان له فيها شهم وافر ونصيب كبير، حتى ولو بالفرح والتشجيع للعدو.
ولذا لعنهم الله في كتابه وسماهم الشجرة الملعونة فيه قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا}. (الإسراء: 60).
وذلك حين رأى رسول الله، صلى الله عليه وآله، في المنام أنّ قردة تنزو على منبره فأعلمه جبرائيل أنهم بنو أميُة يتغلّبون على الأمر فينزون (يقفزون) على منبره الشريف، وأنهم هم الشجرة الملعونة، ثم أنّ النبي، صلى الله عليه وآله ‏ لم يستجمع ضاحكاً بعد ذلك حتى مات. (تفسير الطبري ج 15 ص 73).
هؤلاء صاروا خلفاء وحكام يحكمون باسم الإسلام، وباسم رسول الله، وهم ألدُّ أعداءهم، فهنا وقعت الأمة بانفصام في الشخصية الاجتماعية – كما أسميها – لأنها كانت تصلي على النبي وآله وتسعى لقتلهم بأمر الخليفة في الحرب، وتلعنهم على المنابر في المساجد، وتدعو لابن هند الهنود آكلة الكبود، وابن ميسون وأشباههم من اللعناء والطلقاء والعتقاء.

  • الولادة السجادية المباركة

في هذه الظروف القاهرة عاش الإمام السجاد علي بن الحسين، عليه السلام الذي ولد في حكم جده أمير المؤمنين الإمام علي في نهار الخميس، الخامس من شعبان المكرم في سنة ثمان وثلاثين من الهجرة، قبل شهادة – جده – بسنتين). (كشف الغمة للأربلي: ج 2، ص 286)

إن عباد الله المخلصين، دعاة إلى الله بسلوكهم قبل أن يكونوا دعاةً بألسنتهم، فما أمروا الناس بشيء إلَّا وسبقوهم إليه

فكانت ولادته في المدينة المنورة، وجده الحاكم الأعلى في الدين والدولة الإسلامية، ولكن ما إن مشى حتى رأى وعاش كارثة شهادة ذاك الطود الشامخ والصل الباذخ الإمام علي، عليه السلام لتبدأ منذ ذلك الحين رحلة الأحداث الدامية، ففي الثانية عشرة فقد عمَّه الإمام الحسن السبط، ورأى ما جرى على جنازته من اعتداء أموي آثم، ثم تزوَّج ابنة عمه فاطمة، وأنجب منها الإمام الباقر، عليه السلام، ولكن ما إن صار في ريعان الشباب رافق والده العظيم الإمام الحسين، في رحلته وبقي معه حتى رأى شهادته بأم عينه، وكل ما جرى في كربلاء وخاصة يوم عاشوراء من كوارث ومآسي، وكذلك هو الوحيد الذي عاش ما بعدها من أحداث تكسر الظهور، وتدك الأعناق في رحلة الأسر والسبي لثقل النبوة، وبنات الوحي، ونساء وأطفال الولاية.
وهو صاحب الموقف المشهورة والمشهودة في الكوفة، ثم في دمشق الشام، حيث خطب خطبته في مسجدها وفي محضر الطاغية يزيد، فأقام الشام عليه، فأمره بالرحيل إلى المدينة فعاد من طريق كربلاء حيث وصل إليها مع عمته زينب، عليها السلام في يوم الأربعين المشهور، وبعدها عاد إلى المدينة المنورة ولمدة تزيد على خمس وثلاثين سنة قضاها بالبكاء حتى كان أحد البكائين الخمسة.

  • دور الإمام السجاد في الأمة

بعد مأساة كربلاء الخالدة والنكسة الكبرى لروحها، وتدينها، وفكرها، وثقافتها، فكادت أن تسقط فعلاً لو طال حكم الطاغية يزيد الذي حكم ثلاث سنوات فارتكب ثلاث جرائم لا تقاس بها أي جريمة أخرى لعظيم وقعها على روح الأمة، ففي السنة الأولى قتل الإمام الحسين، عليها السلام وأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، وفي السنة الثانية استباح المدينة المنورة ثلاثة أيام لجيش الشام بعد وقعة الحرَّة وفي السنة الثالثة دكَّ البيت الحرام وهدم الكعبة فوق رأس عبد الله بن الزبير، فلم يدَع حُرمةً إلا ركبها وهو خليفة وحاكم باسم الله ورسوله فأي أمة ستبقى بعد ذلك؟
وهذا ما أدركه الإمام علي بن الحسين زين العابدين حيث أعاد للأمة روحها ودينها بطريقين نلخصهما من كتاب السيد المرجع محمد تقي المدرسي (دام عزه):

كان الامام السجاد، عليه السلام، شديد الاحترام لطلبة العلوم الذين كانوا يتوافدون عليه في المدينة من أقطار العالم الإسلامي، ويرى أنهم وصية رسول الله، صلى الله عليه وآله

  • أولًا: الدعاء والعبادة

“إن عباد الله المخلصين، دعاة إلى الله بسلوكهم قبل أن يكونوا دعاةً بألسنتهم، فما أمروا الناس بشيء إلَّا وسبقوهم إليه، وكانت حياة الإمام السجاد، عليه السلام لوحة إيمانية نقية، وقال عنه جابر بن عبد الله الأنصاري الصحابي الشهير: “ما رأيتُ في أولاد الأنبياء شخصاً كعلي بن الحسين عليه السلام، (فكان منهجه في الدعاء والعبادة والتضرع إلى الله في هذا المجال).

  • ثانياً: تربية جيل من العلماء الربانيين

وهؤلاء ربوا –بدورهم- علماء وثائرين وعُبّاداً صالحين، وهكذا تماوجت تعاليم الإمام عبر النفوس الزكية في حلقات مترامية كالصخرة العظيمة تُلقى في بحر واسع، ومثل هؤلاء طائفة كبيرة من كبار علماء الإسلام الذين أخذوا عن الإمام الزهد والتقوى، والتفسير والحكمة والفقه، حتى قال الشيخ المفيد: “إنه روى عنه الفقهاء من العلوم ما لا يحصى كثرةً، وحُفِظَ عنه من المواعظ والأدعية وفضائل القرآن والحلال والحرام والمغازي والأيام ما هو مشهور بين العلماء”. وقال ابن شهرا شوب: “قلَّما يوجد كتاب زهد وموعظة لم يذكر فيه: قال علي بن الحسين، أو قال زين العابدين عليه السلام”. (في رحاب أئمة أهل البيت، ج 3، ص 196).
وكان الامام السجاد، عليه السلام، شديد الاحترام لطلبة العلوم الذين كانوا يتوافدون عليه في المدينة من أقطار العالم الإسلامي، ويرى أنهم وصية رسول الله، صلى الله عليه وآله، وكان العلماء يستلهمون من سلوكه؛ الهدى والورع قبل أن يتلقوا من منطقه العلم والمعرفة، ومَنْ لا يستلهم نور الله من تلك الطلعة الربانية، من العين التي تفيض من خشية الله، والجبهة التي عليها ثفنات من أثر السجود، من ذلك اللسان الذي لا يني يذكر الله عزَّ وجلَّ.. وبالتالي من تلك السيرة التي يشعُّ منها نور الله تبارك وتعالى.

  • ثالثاً: شراء الموالي وتربيتهم وإطلاقهم

كانت الفتوحات الإسلامية تطوي كل يوم بلداً جديداً، وتضم إلى الجسد الإسلامي عضواً جديداً، ولكنها كانت بحاجة إلى زخم إيماني يصهر مختلف الثقافات والتقاليد والمصالح في بوتقة الأُمة الواحدة، وقد تصدى الإمام زين العابدين، عليه السلام وأصحابه وأنصاره لهذه المسؤولية وبسبل شتى، فقد كان شديد الاحترام للموالي، وهم المنتمون إلى سائر الشعوب التي دخلت في الإسلام، بعد فتح البلاد لها، ولمّا تبلغ من المعارف الإلهية نصيباً كافياً.
كما كان الإمام يتَّبع منهجاً فريداً في زرع القيم الإلهية في أفئدة ثلة مختارة منهم، حيث كان يشتري العبيد ويتعامل معهم بأفضل طريقة ثم يُعتقهم ويزوِّدهم بما يوفر لهم الحياة الكريمة، فيكون كل واحد منهم ركيزة إعلامية بين بني قومه”. (الإمام السجاد (ع): قدوة وأسوة: ص50).
بهذا المنهج العظيم استطاع الإمام السجاد، عليه السلام أن يُعيد الأمة إلى دينها، والمعنوية والروحانية إلى سيرتها لأنه كان يقرن القول بالعمل، فسيرته العطرة هي أكبر داعية كانت لهم، وكذلك بذاك الإبداع فعلاً منه – روحي فداه – بحيث كان يشتري العبيد والموالي ويُربيهم ويُعلمهم ويُحسن غليهم وفي يوم العيد يجمعهم ويُصلي بهم ويُعتقهم فكانوا دعاة للولاية في كل الأمة وأينما ذهبوا وبذلك هيأ لمدرسة الإمام الباقر، ثم لجامعة الإمام الصادق عليهم الصلاة وأزكى السلام.