الْوِلَادَةُ الْحُسَيْنِيَّةُ الْمُبَارَكَةُ.. وِلَادَةُ أُمَّةٍ عَزِيْزَةٍ كَرِيْمَةٍ

0

يطلُّ علينا الشهر الثاني من أشهر النور المباركة بكل ما فيه من عظمة، وخير وبركة، ونحن نعيش في هذه الأيام العصيبة التي جعلتنا في سجن كبير مفروض علينا ولكن كلٌ في بيته مع أهله وعياله، بسبب هذا الداء الوافد، وهذا البلاء الفاتك الذي يُقال :”عنه حربٌ بيولوجية قذرة”.
شهر شعبان الخير الذي تتشعَّب فيه الخيرات والبركات، وأول بركاته ولادة الإمام الحسين، عليه السلام بكل عظمته، ونوره، وبهائه، وإمامته لهذه الأمة المرحومة به وبأبنائه الأئمة الأطهار.

  • عبرة التاريخ

التاريخ الإسلامي يروي لنا أن ولادة الإمام الحسين، عليه السلام كانت في الثالث من شعبان من السنة الرابعة من الهجرة النبوية الشريفة، وبالضبط (3 شعبان 4 هـ / 8 يناير 626 م)، وكان بينه وبين أخاه الإمام الحسن السبط الأكبر طهر واحد ومدَّة الحمل كما في التحقيق والتدقيق، ولا يخلو الأمر من أقوال مخالفة كثيرة.
في هذه السنة كانت أحداثها خِصبة بالانتصارات والسرايا التي كان يوجهها جده النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، ولكن يعدُّون أعظم أحداثها ولادة الإمام الحسين السبط الثاني عليه السلام، وهذا يعني أن ولادته المباركة كانت تسير مع ولادة الأمة الإسلامية الجديدة، التي بدأت أولى خطواتها مع ولادة أخيه الأكبر الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، الذي ترافقت ولادته مع الانكسار المذهل في معركة أُحُد التي كان نجمها وبطلها والده أمير المؤمنين الإمام علي، عليه السلام الذي قتل الأقران وحملة اللواء من بني عبد الدار، وصَمَدَ فيها صموداً أسطورياً تعجَّبت منه ملائكة السماء، وجميع المسلمين قد فروا إلى الجبل وراحوا يبكون ويبحثون عن شفيع لهم عند أبي سفيان، وأصابه فيه نيفاً وثمانين جرحاً.
كما أن بعد ولادة الإمام الحسين، عليه السلام بقليل وقعت معركة الأحزاب المهولة حيث بلغت القلوب الحناجر وظن المسلمون بالله الظنون، رغم كل ما أراهم رسول الله، صلى الله عليه وآله من آيات وأفصح من أقوال بالبشارة لهم وهم يحفرون الخندق، ولكن المنافقين كانوا – وما زالوا وسيبقون – جبناء، وأوَّل متهم لهم هو الله ورسوله، قال تعالى يُخبر عنهم: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}. (الأحزاب: 12).
قال الطبري : “قال ذلك أُناس من المنافقين، قد كان محمد يعدنا فتح فارس والروم، وقد حُصرنا هاهنا، حتى ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا”.
وقال :قال رجل يوم الأحزاب لرجل من صحابة النبيّ، صلى الله عليه وآله :”يا فلان أرأيت إذ يقول رسول الله: “إذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَإذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلا كِسْرَى بَعْدَهُ، والَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُما في سَبِيلِ اللهِ“، فأين هذا من هذا، وأحدنا لا يستطيع أن يخرج يبول من الخوف.
هذا عمل أهل النفاق والشقاق ممَن يدَّعون أنهم من هذه الأمة كذباً وزوراً وبهتاناً، فهؤلاء لا يبنون أمة ولا يصنعون مجداً ولا حضارة، لأنهم خالي الوِفاض من أهم مقومات البناء الحضاري في البشر ألا وهو القيم الحضارية، وعلى رأسها الإيمان بالله والقيادة الربانية، والتسليم لها وطاعتها في كل ما تأمر به، والالتزام بأوامرها في هذه الحياة.

  • الولادة الحسينية هي ولادة أمة

نعم؛ ترافقت الولادة المباركة لهذا السبط الكريم والإمام العظيم – إن قام وإن قعد – مع ولادة الأمة الإسلامية الفتية، فترعرعا سوية في مهد واحد وتحت قيادة نبوية ورسالية واحدة فكان رسول الله، صلى الله عليه وآله يرعاهما، ويُربيهما كلاهما وبنفس الهمَّة وذات الاهتمام، لأنه لا أمة بلا إمام، فكان يصنع الأمة في المدينة المنورة، ويقول لهم استمراركم يصدق عليكم أمة إسلامية ما دمتم مقتدين بإمام من أئمة الهدى من أهل بيتي وعترتي ومن الحسين، عليه السلام خاصة من بعدهم.
ولكن هذه الأمة غدرت وفجرت وجحدت وتنكرت لأئمتها من عترة نبيها، وسلَّمت قيادها لقريش ورجالها وبيوتها، ولكن عندما وصلت إلى أخسِّ وأشرِّ بيوتها من أبناء الشجرة الملعونة في القرآن الأموية صارت المسؤولية كبيرة على الإمام الحسين السبط عليه السلام، الذي طُلب منه البيعة ليزيد الشر بكل وقاحة وصلافة وصفاقة، وإلا تُضرب عنقه ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة.
ويؤكد هذه الحقيقة التاريخية سماحة السيد المرجع المدرسي (حفظه الله) بقوله: “جاؤوا ولبسوا رداء الإسلام وتسللوا إلى مواقع السلطة، وهؤلاء هم بنو أمية ومَنْ لفَّ لفيفهم، وقد حملوا راية الكفر علنا، وكان هدفهم الأساسي إعادة تلك الجاهلية الأولى بكل تفاصيلها، ولهذا قال الإمام‏ الحسين‏، عليه السلام : “إنّا لله وإنا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام، إذ قد بُليت الأمّة براع مثل يزيد“، لان يزيد جاء فعلاً لهدف تصفية الإسلام تصفيةً تامةً، وهو لم يكن أرعن كما يدَّعي بعض المؤرخين، بل كان يُدرك جيداً ما يفعل، وكان الحزب الأموي يحكم من خلاله، ومن خلال أبيه، ومن خلال مَنْ تلاه من خلفاء الجور”.(الإمام الحسين (ع) قدوة الصديقين، 134).

خلود الأمة وبقاءها مرهوناً بوجود ولداً وإماماً لها من نسل الإمام الحسين عليه السلام، وهو موجود ومنتظر من قبلنا إلى أن يأذن الله له بالفرج والظهور

أي أنهم كانوا يهدفون (دفن الأمة الإسلامية) كما صرَّح والده الطاغية معاوية لنديمه المغيرة بن شعبة وقال :”لا والله إلا دفناً دفنا”، وكان أكثر ما يغيظه أن يسمع الأذان وفيه ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله، فكان يقول :”لله درك يا ابن أبي كبشة كنتَ عالي الهمَّة لم تقبل إلا أن تقرن اسمك مع اسم رب العالمين”، ويلوح برأسه متأسفاً لماذا لا يُذكر أبا سفيان.
فعندما صارت الأمة في هذا الخطر المحدق وليس لها إلا أهلها وأئمتها من أهل البيت، عليهم السلام قام الإمام الحسين قومته، ونهض نهضته ليُرسِّخ الأمة ويُحيي الدِّين من جديد، ونأخذها سماحة السيد المرجع آية الله المدرسي يحكي لنا قصة وفيها عِبرة وفِكرة راقية، يقول:”وقد سألني أحدهم- وأنا واقف في عرفة أثناء الحج- عن السبب وراء ما أرّدده على لساني من ذكر الإمام الحسين، عليه السلام، رغم أن الجميع يعرف أن منادياً ينادي من قبل الله سبحانه وتعالى في يوم عرفة :”انصرفوا مغفورين فقد أرضيتموني ورضيت عنكم” في وقت يراني فيه جالساً أو واقفاً وأنا أقول :”السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك”، أو يسألني عن سبب بكائي على الحسين في عرفة واهتمامي البالغ في قراءة دعاء الإمام الحسين الذي قرأه هو في يوم عرفة.؟ ولا أجد ما أجيبه سوى القول :”بأن كلما نملك فإنما هو من الإمام الحسين عليه السلام، فهو الذي علّمنا كيف ندافع عن أنفسنا في مقابل الطغاة، وأن نعيش أعزةً، وألّا نموت إلا بعزة، فهذه الشعلة المتقدة فينا قد امتلكناها من الحسين، حيث قال سلام الله عليه : “إني لم أخرج أشِراً، ولا بطراً، ولا ظالماً، ولا مفسداً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر“، وهذه رسالة ليس من شأنها أن تُكتب بيد عادية، بل كتبت بدم الحسين، ودم أبنائه ودم رضيعه سلام الله عليهم أجمعين.(الإمام الحسين (ع) قدوة الصديقين؛ ص144).

  • أمة العزَّة والكرامة والقوَّة

فخلود الأمة وبقاءها مرهوناً بوجود ولداً وإماماً لها من نسل الإمام الحسين عليه السلام، وهو موجود ومنتظر من قبلنا إلى أن يأذن الله له بالفرج والظهور، فهو المهدي من آل محمد، والحجة بن الحسن عجل الله تعالى فرجه، وهو الذي سيأخذ بثأر جدِّه المظلوم سيد الشهداء وإخوته وأبنائه وأصحابه وشيعته الذين ضحوا بأنفسهم في سبيله عبر العصور والدهور وعلى مرِّ الأجيال.
وسيُعيد الأمة إلى سابق عهدها من القوة والعزة والكرامة والمجد لأنه لا يقبل الضعف والهوان أبداً لأنه يدُ الله القوية، وعينه الباصرة، ومحيي دينه وسُنَّة نبيه التي أماتها أعداء الله ورسوله من اتباع الشجرة الملعونة وأتباعها من بني إسرائيل اليهود، والمتهودين وحتى المتصهينين الجدد.
فالولادة الحسينية تعني ولادة الأمة العزيزة القوية المنيعة بكل ما في الكلمة من معنى، ولا يهولنَّكم كل ما ترونه في هذه الأيام من إرهاصات وإشكالات وآخرها هذا البلاء والداء (الكورونا) الذي صنعوه ليُخضعوا به غيرهم من الشعوب فارتدَّ السحر على الساحر، وخرج المارد من قمقمه، وصار يلتهمهم أكثر من غيرهم، لأن في هذه الحياة إله يُعبد، وربٌّ يُدبِّر، كما نعتقد، ولكنهم قتلوا الإله كما ظنوا كفراً جحوداً، ولننظر هل فعلاً قتلوا الإله وصاروا آلهة لهذا الكون؟
ونحن نؤمن ونعتقد بأن لنا إماماً نعيش ببركته وتحت ظله الوارف، فيرعانا ويحفظنا ويُدبِّرُ شؤوننا كلها، لا سيما وأن قيادتنا الحكيمة المتمثلة بمراجعنا العظام وكلاءه يقدِّمون لنا الأحكام والنصائح حتى لا نغرق، أو نَفرَقَ مما يُرعب الآخرين من الكفار والجاحدين فنحن إلى خير أيها الأحباب، فلا خوف عليكم ولا تحزنون وأنتم تعشقون الإمام الحسين عليه السلام وتنتظرون ولده الحجة.

شهر شعبان الخير الذي تتشعَّب فيه الخيرات والبركات، وأول بركاته ولادة الإمام الحسين، عليه السلام بكل عظمته، ونوره، وبهائه، وإمامته لهذه الأمة المرحومة به وبأبنائه الأئمة الأطهار

فالولادة الحسينية تحمل كل معاني العزة والكرامة، وتمنحنا كل أسباب القوة والمنعة في حياتنا لأنه قدوتنا وأسوتنا الذي أعطى كل شيء لله، فأعطاه الله كل شيء من القيم في هذه الحياة، فصار قيْمتنا وقمَّتنا، ولن تخسر أمة الحسين يوماً من الأيام، لأنه إمام من الله، لأمة تعبد الله، “فعلى الرغم من مرور ما يقرب من ألف وأربعمائة عام على واقعة كربلاء ولكننا نرى التهابها يزداد في كل عام وكأنها حدثت قبل فترة قصيرة، وخصوصاً في البلدان التي يكثر فيها الموالون لأهل البيت عليهم السلام، ذلك لانّ الحسين، عليه السلام هو ثورة خالدة في قلوب المؤمنين إلى الأبد، وليس باستطاعة أية قوة أن تخمد هذه الثورة”. (الإمام الحسين (ع) قدوة الصديقين 139).
تلك هي معطيات الولادة الحسينية في واقعنا المأزوم الذي نعيشه اليوم بكل ما فيه من تعقيد.