فاطمة الزهراء عليها السلام أسوتنا في كل خير

الصديقة الزهراء و درسٌ جديد في العطاء - 3

0

قيل: الدنيا أخذ وعطاء..
ولذا هي دار بلاء وامتحان وأعظم مواده هي الأخذ والعطاء، لأن هنا تظهر المعادن في البشر، و يظهر من يأخذ حقه ولا يتعدى على غيره، ومن يعطي الحق الواجب عليه دون أن يحتكره ويمنعه عن أصحابه كما أمر الله –تعالى- حيث قال أمير المؤمنين (ع): “إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَرَضَ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ أَقْوَاتَ الْفُقَرَاءِ فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلَّا بِمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِيٌّ وَاللَّهُ تَعَالَى سَائِلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ“. (نهج البلاغة: ح328)
فالأخذ والعطاء خُلقٌ من أعظم الأخلاق الآدمية، يجب أن يعيشها الإنسان بالوسط والتوازن ولا يخرج إلى أحد الطرفين المذمومين، لأن “الفضيلة وسط بين رذيلتين” كما عرفها أرسطو في قديم اليونان، وتبعه الشيخ النراقي أيضاً.
فالعطاء يجب أن يكون وسطاً بين رذيلة البخل والشح، والإسراف والتبذير، لتكون فضيلة كما أمر الله بها وبيَّنها رسوله،صلى الله عليه وآل، وطبَّقها في حياته المباركة فرأتها الأمة و روتها من بعده للأجيال لتكون نبراساً هادياً، وقدوة وأسوة لمَنْ يأتون من بعده إلى انقضاء الدنيا وفنائها.
ومن قصص العطاء الذي لا نظير لها ولا مثيل إلا القليل، وأندر من الكبريت الأحمر، ما ترويه كتب السيرة العطرة لسيدة النساء فاطمة الزهراء روحي لها الفداء؛

عطاء فاطمة ليس كعطاء غيرها من النساء، أو البشر قاطبة لأنها كانت تعطي ما تملك وليس ما يفضل عنها، وما تحتاج، وليس الزائد عن حاجتها، وهذا بحدِّ ذاته إبداع بين البشر وخروج عما ألفوه، وهو فضيلة من أرفع الفضائل الإنسانية

عطاء فاطمة ليس كعطاء غيرها من النساء، أو البشر قاطبة لأنها كانت تعطي ما تملك وليس ما يفضل عنها، وما تحتاج، وليس الزائد عن حاجتها، وهذا بحدِّ ذاته إبداع بين البشر وخروج عما ألفوه، وهو فضيلة من أرفع الفضائل الإنسانية.
فقد ذكر العلامة التستري في كتاب (إحقاق الحق و إزهاق الباطل) عدداً من كرامات السيدة الزهراء، عليها السلام، من مختلف المصادر، وذكر هذه الفضيلة فقال: “إعطاء فاطمة قميصها الجديد ليلة زفافها للسائل ولبسها قميصاً خلقاً”1
“وذكر ابن الجوزي أن النبي، صلى الله عليه وآله، صنع لها قميصا جديدا ليلة عرسها وزفافها، وكان لها قميص مرقوع، وإذا بسائل على الباب، يقول: أطلب من بيت النبوة قميصاً خلقاً، فأرادت أن تدفع إليه القميص المرقوع ، فتذكرت قوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}.(آل عمران: 92).
فدفعت له الجديد، فلما قرب الزفاف، نزل جبريل، وقال: “يا محمد إن الله يقرؤك السلام، وأمرني أن أسلم على فاطمة، وقد أرسل لها معي هدية من ثياب الجنة من السندس الأخضر” فلما بلغها السلام، وألبسها القميص الذي جاء به لفها رسول الله،صلى الله عليه وآله، بالعباءة، ولفها جبريل بأجنحته، حتى لا يأخذ نور القميص بالأبصار، فلما جلست بين النساء الكافرات ومع كل واحدة شمعة، ومع فاطمة رضي الله عنها سراج، رفع جبريل جناحه، ورفع العباءة، وإذا بالأنوار قد طبقت المشرق والمغرب، فلما وقع النور على أبصار الكافرات، خرج الكفر من قلوبهن وأظهرن الشهادتين”2.
ورُوي: أنّ عليّاً،عليه السّلام، استقرض من يهوديٍّ شعيراً فاسترهنه شيئاً، فدفع إليه مَلاءة فاطمة رهناً، وكانت من الصّوف، فأدخلها اليهوديُّ إلى دارٍ ووضعها في بيت (أي غرفة)، فلمّا كانت الليلةُ دَخَلَت زوجتُه البيتَ الذي فيه الملاءة بشُغل، فرأت نوراً ساطعاً في البيت أضاء به كلَّه! فانصرفت إلى زوجها فأخبرَتْه بأنّها رأت في ذلك البيت ضوءً عظيماً، فتعجّب اليهودي زوجها، وقد نسيَ أنّ في بيته ملاءةَ فاطمة، فنهض مسرعاً ودخل البيت، فإذا ضياء الملاءة ينشر شعاعه كأنّه يشتعل من بدرٍ منيرٍ يلمع من قريب! فتعجّب من ذلك، فأنعم النّظر في موضع الملاءة، فعلم أن ذلك النّور من ملاءة فاطمة، فخرج اليهوديُّ يعدو إلى أقربائه وزوجتُه تعدو إلى أقربائها، فاجتمع ثمانون من اليهود فرأوا ذلك فأسلموا كلّهم)3.
فهذا العطاء، وهذه البركة، وبهذه الكيفية من السماحة والرقة واللطف من سيدة النساء، عليها السلام، يهدينا إلى أسلوب العطاء الأمثل والأكمل، وهو إعطاء ما نحب، ونرغب، وليس إعطاء ما بلي وخَلَقَ ونريد أن نطرحه في القمامة فنعطيه للسائل الفقير أو المسكين، بل يجب أن نعطي الجديد المحبوب المرغوب فيه ليكون أكسر للنفس، وأرضى للرب سبحانه وتعالى.
فأشياء فاطمة الزهراء، عليها السلام، فيها من عطرها ونورها وبركتها وإيمانها وهدايتها ولذا كانت تعطي من نفس سموحة وليس شحيحة، ولوجه الله لا تريد جزاء ولا شكورا كما وصفها الباري تعالى في سورة الدهر وذلك عندما وفوا بالنذر وصاموا ثلاثة أيام طووها على الماء وأعطوا كل ما لديهم من طعام مسكيناً ويتيماً وأسيراً، حتى أنزل الله عليهم مائدة من السماء كما انزل على مريم عليها السلام.

  • الجار ثم الدار

إنه يُعد من الشعارات الفاطمية العظيمة التي تعبِّر فيه عن سمو تلك الروح الطاهرة، ورفعة تلك الشخصية الراقية في دنيا الإنسانية، فهي تعطف على جيرانها ليس في الدنيا ولكن في الآخرة أيضاً فطوبى لِمَنْ جاور فاطمة الزهراء،عليها السلام، وشيعتها الذين يستنون بسنتها في الجوار، فقد ورد في رواية عن الإمام الحسن، عليها السلام قال: “رأيتُ أمي فاطمة قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها يا أماه لم لا تدعون لنفسك كما تدعون لغيرك؟ فقالت يا بني: الجار ثم الدار”.
هذا من دروس العطاء الفاطمي التي لا نظير له، و ربما لا يمكن علينا فعله ولكن لا أقل بعضاً منه تأسياً وتبركاً وحباً وكرامة بتلك النَسمة الطاهرة، والبضعة النبوية المباركة، لنقتدي بسيرتها، ونهتدي بسُنتها، فإنها سيرة العطاء بلا حدود، ولا منٍّ ولا أذى للسائل أو الآخذ.

——————————–
1. رواه جماعة من أعلام أهل السنّة: منهم العلامة الصفوري في ” نزهة المجالس ” ( ج 2 ص 226 ط القاهرة )
2. شرح إحقاق الحق وإزهاق الباطل: ص 402).
3. (بحار الأنوار للشّيخ المجلسيّ 30:43 / ح 36 ـ عن: مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب، والخرائج والجرائح لقطب الدين الرّاوندي 537:2 ـ 538 / ح 13. والثاقب في المناقب لابن حمزة 265).
4. علل الشرائع الشيخ الصدوق: ج ١ ص 182.