الإلتزام بالإعلام المسبق ضرورة تعاقدية

محمد الموسوي

0

الكثير منا ومن خلال تعاملاته اليومية يبرم ويتوافق على العديد من العقود القانونية لتسيير حياته بصورة عفوية، بيد أن هذه العقود تختلف في أهميتها من حيث أهمية المعقود عليه؛ فكلما زادت هذه الأهمية، لابد ان تزداد الحيطة والحذر في تنظيم العقد الذي بموجبه تتم المعاملة بين الطرفين. ومما لا يخفى ان الشرع والقانون يشترطان وجود الرضا لإتمام هذه الصفقات، كما يجب ان يكون ذلك الرضا خالياً من العيوب، و أن ينصرف الرضا على ذلك المعقود عليه، بما يحمله من صفات وخصائص، ويبدو هذا الكلام في الوهلة الأولى، هو من الأبجديات القانونية والفقهية؛ لكن؛ لو لاحظنا اختلاف مستوى المعرفة بين المتعاقدين، إذ يكون أحد أطرف العقد ـ البائع المحترف او المُصَنَّع ـ في مرتبة أعلى من الآخر لما يتمتع به من معلومات اقتصادية وتكنولوجية تجعله متفوقاً على المتعاقد الآخر، بما يحقق له العقد من منافع، وما ينبغي أن يدرج في مصلحته من بنود وشروط، والذي يؤدي إلى إخلال في التوازن العقدي وبالتالي غياب صحة الرضا المشروطة لصحة العقد.
والسؤال الذي يبرز هنا؛ كيف يمكن إعادة التوازن إلى المتعاقدين وهل إلى ذلك من سبيل؟
قبل قرنين من الزمن ساد مبدأ قانوني عُرف بـ(سلطان الإرادة) الذي لم يترك أي مجال لتحقيق التوازن بين أطراف العقد، فبمجرد إبرام العقد يصبح قانوناً يحكم الطرفين(1)، بيد أنّه مع مرور الزمن انطلقت مفاهيم قانونية حديثة نتج عنها نظرية جديدة للعقد بعيداً عما كان عليه، إذ أصبحت العقود أكثر استجابة للعدالة، مما فتح المجال لتدخل المشرّع والقضاء في تنظيم العلاقات الفردية تحقيقاً للصالح العام، ومن أهمها مبدأ «حسن النية التعاقدي» والذي نصّ عليه المشرع العراقي في الفقرة «1» من المادة (150) من القانوني المدني بقوله: «يجب تنفيذ العقد طبقاً لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية»، كما ان هذا لم يكن غائباً عن الفقه الاسلامي الحنيف.
بيد أن ذلك لم يعد كافيا في ظل التطورات الحاصلة على المستوى التكنولوجي، ومع وجود الهوة المتزايدة في المعرفة بين المتعاقدين، اذ ان حسن النية، كما نصّ عليه التشريع المذكور، مقتصر على مرحلة التنفيذ، ولا توجد حماية قانونية وضمان لرعاية أطراف التعاقد قبل الدخول في الرابطة العقدية، وهذا ما دعا أرباب نظريات الفقه القانوني الحديث الى تبني مبدأ إلتزام الإعلام المسبق، وهو التزام على المتعاقد بتقديم النصيحة والتنبيه، فإعلام المتعاقدين بعضهما ببعض في حالات عديدة يعد لازماً في أيامنا هذه نظراً لانتشار السلع التقنية المزودة بأجهزة حديثة ومعقدة تدخل في تفاصيل حياة الناس، بحيث بات من الصعب على غير المتخصص فيها ان يفهم تقنياتها وخصائصها، أو كيفية عملها دون إرشاد ومساعدة المتخصصين(2)، كما تبرز أهمية هذا الالتزام في العقود التي تتطلب التزام البائع بتزويد المشتري بجميع المعلومات المتعلقة بالمبيع التي تميزه عن غيره كي يتمكن المشتري من تقدير المنافع التي سيحصل عليها من عملية التعاقد أو يتمكن من إعادة تسويق المنتج إلى طرف آخر(3). ويمكن استخلاص (إلتزام الاعلام المسبق) من مبدأ حسن النية الذي يذهب القضاء والتشريعات الحديثة على انه لا يقتصر على مرحلة التنفيذ وحسب وإنما يشمل مرحلة التعاقد أيضا.
ولابد من الإشارة الى ان الإلتزام (بالاعلام المسبق) لم يغب عن المشرع الاسلامي اذ يمكن استخلاصه من قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» والحديث المروي عن الإمام الصادق، عليه السلام: «غبن المسترسل سحت»(4) ، والمسترسل حسبما جاء في هامش الوافي(5) نقلا عن الكافي(6): «هو الذي اطمأنّ بك وتوكّل عليك في اختيار المتاع وتعيين قدر الثمن إن كنت بائعاً، وغبنك إيّاه أن تختار له متاعاً رديئاً، أو تعيّن له أزيد من قيمة المثل، وهذه المعاملة باطلة محرّمة؛ لأنّك صرت وكيلًا له وما راعيت غبطته. فإن قيل: وقع عقد المعاملة بين المشتري والبائع بالتراضي. قلنا: ليس كذلك؛ فإنّ المشتري غير راض، ولا يحلّ مال امرئ مسلم إلّابطيب نفسه».
وخلاصة القول إنّ (الاعلام المسبق) يعد مهماً جداً في تنظيم العلاقة بين المتعاقدين سواء في التفاوض أو في مرحلة التنفيذ إذ يضمن تحقيق التوازن بين الطرفين خلال فترة سريان العقد وكذلك ضماناً لتمثيل واستمرار مصالح الطرفين، مما دفع القضاء والفقه الى التوسع في تفسير النصوص القانونية من أجل استخلاص النصوص التي تدل على هذا الإلتزام نظراً لأهميته في إعادة التوازن وحماية الرضاء لكلا العاقدين.
———–
* ماجستير قانون
———–
(1). د. رشيد ساسان ـ عقد التوزيع بترخيص استعمال العلامة التجارية (عقد الفرانتشايز) ـ دار النهضة العربية ـ 2013 ـ ص 112.
(2). نفس المصدر السابق.
(3). د. محمد فياض ـ مدى التزام الأنظمة القانونية المقارنة بمبدأ حسن النية في مرحلة التفاوض على العقد ـ مجلة الشريعة والقانون، كلية القانون، جامعة الإمارات العربية المتحدة ـ العدد 54 ـ 2013 ـ ص 256.
(4). الكافي ٥: ١٥٣، الحديث ١٤، وعنه في الوسائل ١٢: ٣٦٣، الباب ١٧ من أبواب الخيار، الحديث الأول.
(5). من القواميس اللغوية.
(6). الكافي (ط – دار الحديث)، ج‏10، ص: 24.