الفهم السياسي و دوره في حُسن الاختيار

0

يتفق الكثير على مدخلية السياسة في عديد أمور الحياة، فهي تلقي بظلالها الى طريقة حياة الناس وطريقة تفكيرهم في كثير من الاحيان، ورغم انها علم كسائر العلوم الانسانية يدرسها الطلاب في الجامعات، بيد أن شدة تأثيرها على الاحداث، وسرعة تقلباتها، تعطي لفهمها أهمية قصوى اكثر من علم الاقتصاد أو علم الاجتماع – مثلا – وايضاً؛ علوم طبيعية مثل؛ الطب، والهندسة، والجيولوجيا، نظراً لابعادها الواسعة، فمن الممكن فهم الطب والهندسة والاقتصاد بوجود قواعد محددة ومعادلات ثابتة، فالطالب في كلية الطب يتخرج طبيباً، والمهندس يتخرج من كلية الهندسة، والمحامي يتخرج من كلية القانون وهكذا، ولكن؛ هل يتخرج السياسي من كلية العلوم السياسية؟!
وبدلاً أن تكون السياسة مفهومة لدى شريحة واسعة من الناس، عكف جماعات سياسية او تيارات ثقافية لتحديد هذه الفهم داخل قاعات الجامعات (اكاديمياً)، وفي الغرف المغلقة للاحزاب السياسية، وفي ادمغة عدد من المنظرين السياسيين وجنرالات الحكم، لتبقى الشعوب الاسلامية مجرد مساقط لانعكاسات سياسية تأخذ اشكالاً منها؛ الانقلاب العسكري أو «الثورة» وحتى «الديمقراطية» حديثاً، ليكون من السهل على الحاكم او الاحزاب المتنفذة تمرير برامجهم ومشاريعهم بسهولة ودون نقاش، فنجد الجماهير – على الاغلب – تصطف لتحية القائد والرئيس، او تتدافع في تظاهرات موجهة من احزاب وتيارات سياسية لخدمة مصالح معينة بعيدة عن همومها الحقيقية وتطلعاتها.
ودائماً يرد السؤال عن سبب انقياد شريحة واسعة من الناس للساسة رغم فشلهم وعدم امتلاكهم رؤية محددة ومشروع متكامل، بينما نلاحظ اجتهاد الكثير من الناس في مسائل الطب والصحة، وايضاً في مجال القانون وحتى هندسة البناء وغيرها، والسبب؛ ربما يكون في صحة ما يذهب الناس اليه في الحالة الثانية، فالفهم الذي يتوصل اليه الناس لهذه العلوم ويدركون فوائدها واهميتها، إنما بفضل إعمال عقولهم قبل عواطفهم، الى درجة نجد فيها البعض من الناس يعد نفسه عن جدّ؛ طبيباً وحكيماً، وذاك يفهم في هندسة النباء افضل من المهندس وهكذا.
ولنأت الى السياسة كعلم وفن وممارسة؛ فاذا كان مستوى فهم الناس لها بهذا القدر العال، فهذا يعني أن لا نجد ضابطاً عسكرياً، مهما كان كبيراً، ولا حزباً سياسياً مهما نظّر وفكر، من أن يفكر بالاستيلاء على قمة السلطة بالسهولة التي شهدناها طيلة العقود الماضية.
إذن؛ فكيف حصل ما حصل؟!
انه التسييس بالتعبئة العاطفية والضرب على أوتار حساسة في نفس الانسان، مثل الحرية والعمل والسكن والعيش الكريم، ثم إثارة المخاوف على هذه المكاسب وهمية من جهات خارجية وهمية هي الاخرى، بدعوى أنها تكيد الكيد ليبقى الانسان العراقي – مثلاً – عبداً ذليلاً «للاستعمار والامبريالية»، لذا فهو قلق طيلة حياته على حريته واستقلاله ولقمة عيشه وكرامته من جانب دول عظمى مثل بريطانيا او الولايات المتحدة، وليس من بعض الساسة الحاكمين الذين يحومون حوله كاللصوص المتربصين.
واذا اردنا مصداقية للتسييس في عصرنا الراهن، فبالامكان ملاحظة التهويل الغريب لـ «الارهاب» بعد إعداده وصناعته ثم تعليبه غريباً منذ ثمانينات القرن الماضي، ليكون المحور الجديد الذي تدور حوله قضايا الشعوب بعد اضمحلال الديكتاتوريات وساسة الفشل والدمار في البلاد الاسلامية، فما يجب ان تكافحه الشعوب في قادم الايام هو «الارهاب» لانه «الخطر على الديمقراطية»، قبل ان تتحدث عن العلم والمعرفة والانتاج والتطوير والتنمية.