حدیث الناس

أين الامام الحسين في كربلاء المقدسة؟!

ماذا يرى القادم الى كربلاء المقدسة من المداخل المتعددة قبل وصوله مركز المدينة؟

الشوارع المضيئة، والنافورات، والمساحات الخضراء، ثم بالقرب من مركز المدينة، تكتحل عيناه بواجهات المطاعم المُغرية، وتحديداً؛ “المندي”، بأسمائها المتعددة، وايضاً؛ المولات الفخمة ومجمعات التسوّق الضخمة، وكل ما يبعث في النفس من ارتياح ومتعة.

كل هذا حسنٌ، فمن المستحبّ خدمة زائري الامام الحسين، عليه السلام، على مدار أيام السنة، وليس في الزايارت المليونية، إنما المستحب والمطلوب ايضاً النظر الى المشاعر الانسانية إزاء قضية الامام الحسين، بل وسبب وجود المرقد الشريف في هذه البقعة بالذات دون سائر البقاع في العراق والعالم؟ وما المطلوب منّا فعله؟

هذه اسئلة جوهرية اساس لكل من محب ومؤمن بقضية الامام الحسين، وما جرى عليه في واقعة الطف، فالصرح الكائن وسط كربلاء المقدسة، ومعه؛ مرقد أخيه أبي الفضل العباس، ليس معلماً أثرياً يحكي قصة تاريخية، بقدر ما يعبر عن قضية مضمّخة بالدماء والآلام والتضحيات، وبغضّ النظر عن المظاهر الجاذبة حول المرقدين الشريفين، إلا إن المشاعر الحقيقية المفترضة هي الأسى والحزن عند استذكار تلك المصائب والرزايا التي حلّت بأهل البيت في صحراء كربلاء سنة 61للهجرة.

في بعض القصور القديمة بالعالم يخصص المشرفون عليها مرشداً سياحياً يدل الزائرين على التفاصيل، ومن كان يحكم؟ واين كان يعقد اجتماعاته مع قادته؟ واين كان يلتقي مع الناس، وتفاصيل عن وسائل عيشه ومقتنياته وغير ذلك، بما يجعل الزائر يعيش اجواءً تاريخية نابضة ويخرج بحصيلة معرفية جيدة.

أتخيل –وربما يتفق معي القارئ الكريم- أن معظم المساحات المشيّدة عليها المطاعم والمولات والمقاهي ومراكز التسوق كانت مسرحاً لجولات الخيول والجمال التابعة للجيش الأموي القادم من جهة الكوفة –جنوب شرق كربلاء- لحرب الامام الحسين، القادم من الجهة الغربية، ومن منطقة الحجاز، بل وربما كانت هذه المناطق ممراً لقافلة السبايا من عائلة الامام الحسين، في مقدمتهم؛ الامام زين العابدين، وعمّته زينب بنت أمير المؤمنين، وسائر افراد العائلة ونساء الاصحاب واطفالهم، هذا حتى لا يخال البعض أن المشهد منحصر بين حرم الامام الحسين وأخيه ابي الفضل العباس ومنطقة ما بين الحرمين الشريفين، إنما القضية أوسع من هذا بكثير، ولا أعلم هل هي صدفة غريبة، أم شيء آخر، بأن تكون معظم المجمعات التجارية والمناظر الجذابة والمثيرة للنفوس، في هذه الجهة حصراً. الله أعلم.

أين المشكلة في وجود علائم دالة على الامام الحسين بشكل عام في جميع المنشآت والمجمعات التجارية والاستثمارية من مداخل كربلاء المقدسة، وحتى مركز المدينة؟

أين “ماء السبيل”؟ وأين استذكار عطش الامام الحسين الذي كُنا نقرأه على الخزانات المعدنية على الأرصفة في الشوارع والاسواق أيام زمان؟

ثم نحن في زمن التعدد والتنوع، لماذا لا نفعّل هذه المفاهيم التي تُعد بالاساس إحدى موروثاتنا من النهضة الحسينية، في واقعنا الاجتماعي والثقافي؟

كل من يفد لهذه المدينة من حقه أن يعرف الامام الحسين إنما نهض وضحى بدمه وبعائلته لتنتصر الحرية والتنوع والكرامة الانسانية.

حقاً؛ كان التنوع في نصرة الامام الحسين يوم عاشوراء، بأروع صوره، فقد كان الشيخ الكبير، والشاب والطفل الصغير، ثم المختلف دينياً (وهب المسيحي)، ومذهبياً (زهير بن القين)، وسياسياً (الحر)، وطبقياً (جون العبد) والعالم الواعي والمجاهد (حبيب بن مظاهر، ومسلم بن عوسجة).

فما دام التنوع أصيلاً الى هذه الدرجة، حريٌ بنا أن نضمّن كل مشاهد وحالات وفقرات النهضة الحسينية في جميع الاماكن والطرقات التي يمر من خلالها الزائرون الى هذه المدينة الذين يعرفون أنها اكتسبت قدسيتها من هذه النهضة المباركة. نعم؛ من حق الزائرين والمقيمين في كربلاء المقدسة ان يمارسوا حياتهم الطبيعية، وأن يتنزهوا في الحدائق، ويتبادلوا الابتسامات في جلسات عائلية على مائدة طعام او شاي في الهواء الطلق لتفريح النفس والخاطر، او حتى يلتقطوا الصور التذكارية بالقرب من الحرمين الشريفين، هذا فضلاً عن المساحات الواسعة المشيّد عليها المحلات التجارية، ومن حق الامام الحسين ايضاً؛ أن يرى قيم الدين والأخلاق باقية حيّة على الأرض التي أريق عليها دمه ودماء ابنائه واصحابه، لاسيما وأن شعار نهضته المدوية؛ الإصلاح في الأمة، والإصلاح في مقابل الإفساد والفساد بشكل عام، وأرى انه حق طبيعي جداً ولا يجادل فيه عاقل ومنصف، حتى وإن لم يكن مؤمناً ولا مسلماً.

عن المؤلف

محمد علي جواد تقي

2 Comments

اترك تعليقا