إعادة بناء مراقد أئمة البقيع مطلب إسلامي عالمي

0

كل عام في مثل هذه الايام تنطلق المؤسسات الشيعية بما أوتيت من وسائل إعلام ونشر وتثقيف لإحياء ذكرى هدم مقبرة البقيع، والتي تضم فيمن تضم؛ أربعة من الأئمة المعصومين، عليهم السلام، وهم؛ الإمام الحسن، والامام السجاد، والامام الباقر، والامام الصادق، عليهم السلام، ولمن يتابع هذا الاهتمام الاعلامي يخال القضية أنها محض شيعية، وهذه الذكرى تندرج ضمن المناسبات التي يحرصون على إحيائها، وهذا في جانب منه صحيح، كون هذه الطائفة تعد نفسها بين جموع المسلمين الأقرب الى النبي الأكرم، والى سنته، وايضاً الأقرب الى القرآن الكريم، فمهاً واستيعاباً وتطبيقاً، وقد أكد العلماء من المسلمين وغير المسلمين، أن النظام الاسلامي الحقيقي في الاقتصاد والاجتماع والسياسية، إنما يتجسد في المذهب الشيعي اكثر من غيره.
ولكن؛ هذا لا يعني بأي حال من الاحوال أن لا تخصّ قضية إعادة بناء مراقد الأئمة الاطهار، سائر المسلمين في العالم، وهل كان الامام الصادق –مثلاً- قد افتتح جامعته العلمية لاتباعه وشيعته فقط؟ والكل يعلم أن المذاهب الاسلامية الموجودة إنما تشعبت من حلقات دروس الامام الصادق التي كانت تمثل الجامعة العلمية الاسلامية الاولى في العالم.
ومن الناحية العقدية فان الأئمة المعصومين، عليهم السلام، هم الخلفاء على المسلمين من بعد النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، بغض النظر عما يحصل داخل كيان الامة من تشضّيات وانقسامات يسببها الافراد والشريحة المتعلمة، كما حصل في بعض تلامذة الامام الصادق، فبدلاً من أن يحملوا علوم الامام، وهي علوم الاسلام الى العالم، انكفأوا على ذواتهم وراحوا يؤسسون لانفسهم مذاهب فقهية خاصة لها اجتهادات وآراء في بعض الاحكام والتشريعات.
هذا التحجيم غير المقصود يصب في مصلحة السلطات السعودية، وتحديداً في ماكنتها الاعلامية بأن مسائل “القبور” تعني بالشيعة فقط، ولا دخل للمسلمين في العالم بها.
وكلما تمكن السعوديون من تكريس هذه الرؤية في اوساط المسلمين، كانوا أقرب الى تحقيق هدفهم بخنق الاصوات المطالبة بإعادة بناء البقيع وإفراغ القضية من بعدها الاسلامي والحضاري.

  • لماذا الجهل بأئمة المسلمين؟

بالرغم من كل ما ينشر في وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات الماضية حول أئمة البقيع، إلا أن هنالك مؤشرات دالة على وجود نقاط فراغ واسعة في أذهان المسلمين عن الأئمة الاربعة، بفعل التعتيم الاعلامي والتضليل الممنهج طيلة عقود طويلة من الزمن، وغلق كل منافذ المعلومات الصحيحة امام المسلمين حتى لا يصلوا الى حقائق تاريخهم، على الاقل، ولعل القصور في الجانب الآخر – الشيعي- في بذل المزيد من الجهود لإيصال صوت الحقيقة الى جميع المسلمين في العالم أجمع، هو الآخر، مسؤولٌ عن هذا الواقع الثقافي المرير.
فاذا عرف المسلمون جميعاً من يكون الامامين الصادق والباقر، عليهما السلام، وفضلهما على العلم والمعرفة ودورهما في تقدم البشرية وسعادة الانسانية؟ ومن يكون الامام الحسن، عليه السلام، ودوره الذكي في المواجهة الصامتة والناجحة للدولة الأموية؟ وايضاً؛ الدور التربوي البارع للامام السجاد، عليه السلام، و ريادته في تحرير العبيد، بعد تحويلهم الى رجال علم وثقافة وأدب؟ فاذا تحققت هذه المعرفة، لكان الموقف غير الذي نراه اليوم؛ على الاقل، لم نكن لنشهد الصمت وعدم المبالاة في العالم الاسلامي بموضوع البقيع، وكأن شيئاً لم يكن .
وهذا يتأكد اكثر في الوقت الحاضر، حيث تطور الفكر وانتشار الوعي بين الشعوب الاسلامية، فيما تتفاعل معه وتتبناه، ليست الثقافة والعلوم التي جاء بها أئمة البقيع، إنما ما تصدره الأمم والشعوب الاخرى الينا من طريقة للعيش ونمط السلوك، وهذه ظاهرة حضارية طبيعية، عندما ينحني الضعيف والفقير، بسبب الحاجة، أمام الغني حضارياً وثقافياً، بما يمكن عدّه جريمة بحق الشعوب الاسلامية بحرمانها من مصدر قوة هائلة، ثم إلقائها وسط الصحراء دون وقاء من الاحتمالات السيئة.

  • المهمة غير المستحيلة

ربما يتصور البعض أن المطالبة بإعادة بناء مراقد البقيع، وحتى سائر المراقد المشرفة، مثل مرقد السيدة خديجة، ومرقد سيد الشهداء؛ حمزة بن عبد المطلب، وايضاً أبو طالب، وغيرهم، من الامور المستحيلة في الوقت الحاضر، متأثرين بالاجواء السياسية المشحونة، بيد ان وجود مؤسسات ثقافية، ومراكز بحثية في دول اسلامية لها ثقلها في العالم الاسلامي، من شأنها خلق واقع جديد وتبني أمر إعادة بناء مقبرة البقيع، ومراقد الأئمة المعصومين.
وبما أن القضية تستند الى العقل والمنطق اكثر منها الى العاطفة، فان التعاطي الموضوعي والاعتماد على الادلة والبراهين على أحقية وجود المراقد بأبهى ما يكون في البقيع، هو الذي يخلق رأياً عاماً في العالم الاسلامي ويخرج القضية من اطارها الطائفي الى رحاب المطالبة الشاملة من الامة جمعاء.
ومن أهم المباحث في هذا المجال؛ المبحث الحضاري وما ينطوي عليه من انتاج الوعي وصياغة الثقافة التي تحتاجها الامة، عندما تتحول هذه المراقد الى رموز ثم مصادر إلهام وقدوات تفوق ما لدى سائر الشعوب من رموز أقل بكثير ما يضمه تراب البقيع، بل هنالك من الرموز الوهمية وغير الواقعية مثل “الجندي المجهول” تحتفي به الشعوب والدول وتُشعل لها النيران، وتُوضع الزهور فوق قطع رخام، كل ذلك من اجل ربط هذه الشعوب برمز يلهمها معاني وقيم ومفاهيم مثل التحدي والصمود والحرية وغيرها. فما أحوج ابناء الامة الى هكذا رموز يلمسونها بحواسهم الخمس، كما نلاحظ التجربة القائمة في البلاد التي تضم المراقد المشيدة للأئمة المعصومين، وما تركته من آثار عظيمة لا تُحد على حياة أهل تلك البلاد وعلى حاضرهم ومستقبلهم ومصيرهم.