“المترفون” هم الذين يقودون الأزمات ويسببون الدمار

هل العالَم على حافة الهاوية؟

0

كم نحن بحاجة للتدبر في آيات الله المدونة في القرآن الحكيم، بعد أن غفلنا عن آياته المنتشرة في هذا الكون الفسيح؟
بل ما أحوج البشرية اليوم لآيات القرآن الحكيم، لأنهم لو سمعوا الآيات والذكر الحكيم لما وقعوا في “حيصٍ وبيص” كما هم الآن من اضطرابات وهزّات تلف العالم من أقصاه إلى أقصاه.
فلو أننا استطعنا كمسلمين، ومؤمنين أن نوصل هذه الآية الكريمة فقط لأولئك الأشرار الذين يدقون طبول الحرب على أنفسهم، ويشعلون النار التي ستحرقهم، ويتراكضون إلى الموت بأرجلهم، وهم خُلقوا للحياة، ولكن ليعمروا الأرض لا ليفسدوها، وهؤلاء جاؤوا ليفسدوا رغم أنهم وصلوا بحضارتهم إلى مستوى عال جداً من الرُّقي والتقدم الهائل، بحيث استطاعوا أن يخضعوا قوى الكون لإرادة الإنسان في عصر الحضارة الرقمية.
فبدل أن يعيشوا برفاه ونعمة ويتمتعوا بكل هذه الخيرات التي وهبها الله لهم، وينقلوا الإنسان من مستويات البهيمية إلى ذرى الكمال والإنسانية، من حيث القيم والفضائل الأخلاقية، ويطيعوا الخالق بكل ما أمرهم، ويبتعدوا عن كل ما ينهاهم ليستعدوا للعيش في الجنان والجوار المقدس حياتهم الأبدية.
فالعالم اليوم عمَّه الفساد من كل حدب وصوب، وانتشر الظلم، والجور وكل الناس راحوا يضجون إلى الله من هذه الحضارة التي مسخت الإنسان عن فطرته، والآدمي عن آدميته فصار الإنسان بلا إنسانية، ولا قيم روحية، وتحول إلى ما يشبه الآلة يعيش ليعمل، ويعمل ليأكل، ويأكل ليستطيع العمل والخدمة وكأنه خلق من أجل لقمته وشهوته وليس له هدف آخر من وراء خلقته.

  • معنى التَرف

فاذا تأملنا قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} (سورة الإسراء، الآية: 16)، لرأينا العجب العجاب حقاً، وحتى نقف على بعض الأفكار، لابد من أن نعرف معاني الكلمات الواردة رغم وضوحها.
قال الراغب: الترفة؛ التوسع في النعمة، يقال: أترف فلان فهو مُترف، إلى أن قال في قوله: أمرنا مترفيها، هم الموصوفون بقوله سبحانه: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ} (سورة الفجر، الآية: 15).
وقال الشيخ الطبرسي في مجمع البيان: “الترفة، النعمة، قال ابن عرفة: المترف، المتروك يصنع ما يشاء، ولا يمنع منه، وقال: التدمير الاهلاك والدمار الهلاك”.
وهنالك عدة قراءات لمفردة “أمرنا”:
الاولى : القراءة المعروفة {أمَرنا} بالتخفيف غير ممدود؛ وهي من الأمر ويقابل النهي.
الثانية: مَنْ قرأ “آمَرنا” بالمَد، وهي قراءة علي بن أبي طالب، عليه السلام، و أبي العالية و قتادة و يعقوب وجماعة، وتعني؛ أكثرنا في المال والنسل، بمعنى التكاثر في الآية، ويقابلها قللنا.
الثالثة: مَنْ قرأ “أمَّرنا” بالتشديد للميم، كما عن ابن عباس و أبي عثمان النهدي، وبخلاف، وهي بمعنى الإمارة والحكم والسلطان.
والرابعة: مَنْ قرأ “أمِرنا” بكسر الميم بوزن عمِرنا، كما عن يحيى بن يعمر، وهي قراءة فاسدة.
فعلى القراءة المعروفة والمتداولة وقع الخلاف بقوله تعالى: {أمَرنا مترفيها} فإذا توجّه الأمر إليهم بأن يفسقوا، فبأيّ حق نزل عليهم العذاب؟
ففي الظاهر كما يذهب الزمخشري، هو الأمر بالفسق -والعياذ بالله- ولذا أشكل عليه الأمر لأن الله –تعالى- لا يأمر بالفسق، ولا يعذب عليه إذا هو أمر به.
ويقول العلامة الطباطبائي في “الميزان” وقوله: {إذا أردنا ان نهلك قرية}، أي إذا دنا وقت هلاكهم من قبيل قولهم: إذا أراد العليل ان يموت كان كذا… وإذا أرادت السماء ان تمطر كان كذا… أي إذا دنا وقت موته وإذا دنا وقت امطارها فان من المعلوم انه لا يريد الموت بحقيقة معنى الإرادة وانها لا تريد الأمطار كذلك، وفي القرآن: {فوجدا جدارا يريد ان ينقض} الآية.
ويمكن أن يُراد به الإرادة الفعلية، وحقيقتها توافق الأسباب المقتضية للشيء وتعاضدها على وقوعه، وهو قريب من المعنى الأول، وحقيقته تحقق ما لهلاكهم من الأسباب، وهو كفران النعمة والطغيان بالمعصية كما قال سبحانه: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} (سورة إبراهيم، الآية: 7).
وقال تعالى: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} (سورة الفجر، الآية: 14).
وقوله: {أمرنا مترفيها ففسقوا فيها}، فمن المعلوم من كلامه تعالى، انه لا يأمر بالمعصية أمراً تشريعياً فهو القائل: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (سورة الأعراف، الآية: 28).
و أما الأمر التكويني فعدم تعلقه بالمعصية من حيث إنها معصية أوضح لجعله الفعل ضروريا يبطل معه تعلقه باختيار الانسان ولا معصية مع عدم الاختيار.
فمتعلق الأمر في قوله: {أمرنا} إن كان هو الطاعة، كان الامر بحقيقة معناه وهو الامر التشريعي، وكان هو الامر الذي توجه إليهم بلسان الرسول الذي يبلغهم أمر ربهم وينذرهم بعذابه لو خالفوا، وهو الشأن الذي يختص بالرسول كما تقدمت الإشارة إليه، فإذا خالفوا وفسقوا عن أمر ربهم حق عليهم القول، وهو أنهم معذبون إن خالفوا فاهلكوا ودمروا تدميرا.
و إن كان متعلق الأمر هو الفسق والمعصية، كان الأمر مراداً به الإكثار من إفاضة النعم عليهم وتوفيرها على سبيل الإملاء والاستدراج وتقريبهم بذلك من الفسق حتى يفسقوا فيحق عليهم القول وينزل عليهم العذاب.
وقال في الكشاف: والامر مجاز لان حقيقة أمرهم بالفسق أن يقول لهم: افسقوا، وهذا لا يكون، فبقي ان يكون مجازاً، ووجه المجاز انه صبَّ عليهم النعمة صباً فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات، فكأنهم مأمورون بذلك لتسبب إيلاء النعمة فيه، و انما خولهم إياها ليشكروا ويعملوا فيها الخير، ويتمكنوا من الاحسان والبر كما خلقهم أصحاء أقوياء وأقدرهم على الخير والشر، وطلب منهم إيثار الطاعة على المعصية، فآثروا الفسوق فلما فسقوا حق عليهم القول وهو كلمة العذاب فدمرهم.
وجاء في الأمثل: الآيات “تتحدَّث عن أنَّ العقاب الإِلهي لا يمكن أن ينزل بساحة شخص أو مجموعة أو أُمّة، مِن دون أن تكون هناك حجة وبيان للتكليف مِن قبل الرسل والأنبياء، عليهم السلام”.
صحيح أنَّ المفسّرين وضعوا احتمالات متعددة لتفسير هذه الآية، إِلاّ أنّنا نعتقد بأنَّه لا يوجد سوى تفسيرٍ واحد واضحٍ لهذه الآية، يمكن تبيانه من مؤدّى ظاهرها، وهذا التّفسير هو: إِنَّ اللّه لا يُعاقب أو يؤاخذ أحداً بالعذاب، قبل أن يتمَّ الحجّة عليه، وقبل أن يتّضح ويستبين تكليفه، ففي البداية يضع اللّه تعليماته وأوامره أمام الناس، فإِذا التزموا بها وأطاعوا فستنالهم سعادة الدنيا والآخرة، أمّا إِذا عصوا وخالفوا ولم يلتزموا الأوامر والنواهي الربانية، فسيحيق بهم العذاب، ويؤدي إِلى هلاكهم.
وإِذا تأملنا الآية، ودققنا النظر فيها بشكل صحيح، سنرى أنَّ هناك أربع مراحل لهذا البرنامج الرباني، هي:
1 ـ مرحلة التشريع (الأوامر والنواهي).
2 ـ مرحلة التحقق (الفسق والمخالفة).
3 ـ مرحلة الإصرار (استحقاق المجازاة).
4 ـ مرحلة الجزاء العادل (الهلاك).
والملاحظ هنا، أنَّ المراحل الأربع هذه، معطوفة على بعضها البعض بواسطة “فاء” التفريع.

  • لماذا المترفون دون غيرهم؟

هنا يُطرح هذا السؤال: لماذا كان المأمورون في الآية الكريمة هم المترفين دون غيرهم؟
في الإِجابة على السؤال، لابدَّ مِن الإِشارة إِلى ملاحظة تعد مهمّة، وهي أنَّ المترفين هم وجهاء القوم، ورؤساء المجتمع ـ طبعاً هذه القاعدة تخص المجتمعات غيرالسليمةـ والآخرون تبعٌ لهم.
إِضافة إِلى ذلك، فإِنَّ التعبير في الآية الكريمة ينطوي على إِشارة مهمّة، بأنَّ أغلب المفاسد الاجتماعية تنبع مِن المترفين، أصحاب الأموال، والبعيدين عن اللّه تعالى، والذين يعيشون حياةً مترفة بعيدة عن الالتزامات الشرعية، ومليئة بالأهواء والمفاسد، وهم بذلك لا يفقهون شيئاً عن تلك المفردات التي تتحدث عن الأخلاق والإِنسانية والإِصلاح.
ولهذا السبب بالذات، وبحكم موقعهم، كان المترفون دائماً في الصفوف الأُولى، في مُواجهة دعوات الأنبياء والرسل، وكانوا يعدون دعوات الأنبياء القائمة على أساس العدل وحماية المستضعفين، تحركاً ضدّهم.
لهذه الأسباب ذكر هؤلاء بالخصوص لأنّهم أساس الفساد. فهذه الآية بمثابة تحذير لكل المؤمنين كي ينتبهوا، ولا يسلموا زمام أُمورهم وحكوماتهم بيد المترفين والأغنياء الغارقين بالشهوات، وألاّ يتبعوهم، لأنَّ هؤلاء يجرون مجتمعهم نحو الهلاك.
وبعد هذه الجولة السريعة بأهم الأقوال في تفسير هذه الآية الكريمة؛ ألا يحق لنا أن نأخذ بأي قراءة من القراءات المتقدمة، لاسيما الثانية “آمرنا”، والثالثة “أمَّرنا” ونظرنا إلى واقعنا الذي نعيش فيه من حولنا في مجتمعاتنا الصغيرة الخاصة، ومجتمعاتنا الدولية العالمية، باعتبار الكرة الأرضية صارت قرية الكترونية واحدة.
فعلى القراءة الثانية “آمرنا” بمعنى أكثرنا المال والنسل، فإن العالم اليوم يزيدون عن سبعة مليارات نسمة وهي نسبة عددية قياسية لم يسبق لها مثيل على طول التاريخ، فهذا العدد الهائل يعيشون جميعاً اليوم على سطح هذه الكرة الترابية.
كما أن التكاثر بالأموال هو ظاهر للعيان فإن الثروات تضاعفت بأرقام فلكية صعب تصورها لا سيما بعد الثورة الرقمية التي رافقت التطور الهائل في كل نواحي الحياة المادية، فصار التفسير واقعياً أن الله سبحانه أعطى فرصة للبشر للتكاثر في الأموال والنسل فصاروا اليوم من حيث عدد النفوس بالمليارات، والأموال بالترليونات وما فوقها ايضاً.
وأما على القراءة الثالثة “أمَّرنا”، فهي واضحة وضوح الشمس بحيث أن الأمراء والقادة والرؤساء والملوك والحكام في العالم كله هم أصحاب رؤوس الأموال من المترفين الذين يملكون المليارات وربما ثروة أحدهم تفوق ميزانية دول.
ففي عالمنا اليوم – وفي واقعنا أيضاً – لا يمكن لمختار الحي أن يكون مختاراً ما لم يكن من الأعيان، أو من الأغنياء والمترفين، وها هو رئيس الولايات المتحدة الاميركية (الترامب)، يمثل قاروناً جديداً الى جانب نظرائه في هذا العالم، علماً أن ميزانية اميركا تفوق ميزانية دول القارة الأفريقية، كما لدينا قوارين آخرون في بلادنا العربية والإسلامية، سياراتهم، وطياراتهم، وحتى يخوتهم مطلية بالذهب كلياً أو جزئياً، هذا واقع نعيشه بكل تفاصيله ومآسيه أيضاً.
فالفساد العالمي، والأممي، والدولي، وحتى الاجتماعي يأتي من هؤلاء الطغاة، من المترفين المرفهين من قوارين المال والجاه والقوة في كل المجتمعات، ولكن مجتماعاتنا العربية الإسلامية تفوق تلك المفاسد لأننا لدينا دستور إلهي، وكتاب رباني ودعوة نبوية كريمة للعيش في هذه الحياة بتلك الضوابط التي حددتها الشريعة الإسلامية بالحلال والحرام، والنجاسة والطهارة، وتطبيق الحدود كاملة، وليكون الفرد تقياً نقياً طاهراً، وكذلك المجتمع مجتمع التقوى والطهارة.
فالمتأمل في الخارطة العالمية يجد اننا نعيش على حافة الهاوية، فالفساد عمَّ العالم، والظلم والجور للطبقات الفقيرة، والدول المستضعفة نعيشه في كل يوم، ولا أحد يدفع، أو يجرؤ أن يمنع ذلك كله، فما أصدق قول الله فينا: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (سورة الروم، الآية: 41).
وعلى كل حال؛ نلخص القراءات كلها لهذه الآية الكريمة ببعض الكلمات التي يطول الحديث عنها؛ هي أن الله سبحانه وتعالى أمر المترفين وكلفهم بالتقوى والصلاح، وأمهلهم وزادهم في المال والنسل فتكاثروا حتى ضجت الأرض بهم، فتسلطوا على الشعوب والأمم وتأمروا عليها وحكموها بالرضا أو السخط، ولكنهم فسقوا وخرجوا عن زي العبودية والطاعة لرب العالمين، {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ}، فهل جاء دور {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ}؟
لستُ أدري؛ ولكن كل ما حولنا يقول إننا نعيش مخاضاً عسيراً ولا أحد يعلم ما ستؤول إليه الأمور لا سيما وأن الغرب، وأمريكا، واليهود الصهاينة، والأعراب الوهابية طغوا وبغوا علينا فاكثروا الفساد في الأرض، وإراقة الدماء، وانتهاك الأعراض، حتى بات العالم يضج إلى الله –تعالى- من ظلمهم، فهل يأذن الله بهلاكهم؟