حدیث الناس

كيف تتحول الحبّة الى كُبّة؟!

أنا محسود/ة

أنا مضطهد/ة

أنا مظلوم/ة

أنا مقيّد/ة

أنا….

آهات، ومعاناة يشكوا منها الكثير في خضم العلاقات الاجتماعية ولكن! بصمت، إنما الظاهر؛ الافرازات السيئة الواضحة للعيان، بدءاً؛ بالعلاقات الزوجية، والعلاقات بين افراد الأسرة الواحدة، ثم العلاقات بين زملاء الدراسة، و رفاق العمل، وحتى في طريقة قيادة المركبات المختلفة بالشارع.

إنها أخطاء ملازمة للبشر منذ وجد، مع فارق المستويات والقابليات على ارتكاب الخطأ، فثمة من يخوض الاخطاء طول حياته، وثمة من يكون الخطأ في بداية حياته ثم يصلح حاله، بينما آخرون تكون هي عاقبتهم، والقضية نسبية في القلّة والكثرة، خاضعة للظروف والعومل المساعدة، ذاتياً ومن المحيط الاجتماعي، والفارق الآخر في آثار الخطأ، فاحياناً يخطئ الانسان بحق نفسه في عدم الاجتهاد بطلب العلم، ولا يلتزم بالقواعد الصحية في مأكله ومنامه وغير ذلك، واحياناً أخرى –وهنا المشكلة العويصة- يُخطئ بحق الآخرين بكلمة، او موقف، او حتى بابتسامة صفراء سريعة.

قبل كل شيء أمامنا حقيقة واضحة باحتمال ارتكاب الخطأ من الجميع، فالانسان المظلوم والمضطهد لا يعني أن له الحق في فعل كل شيء بحجة المطالبة بحقوقه، فربما يقع في أخطاء أكثر سوءاً من ظلمه، وفي المثل العراقي لدينا بأنه “يظلم بَخْتَهُ”، أي يُسقط حجته وهيبته بنفسه، الامر الذي يتطلب منّا اتخاذ اقصى درجات الحيطة والحذر، والتعامل بذكاء للتعامل مع المشكلة –الخطأ التي هي بحجم الحبّة بدلاً من أن نحولها كُبّة ثم نبحث في النظريات والافكار هنا وهناك لتفكيك هذه القنبلة.

هذا التأنّي في التفكير يجعلنا نتوصل الى الحكم الصحيح على الاشياء، فلا نجعل المخطئ مريضاً نفسياً! ولا المسيئ مسموماً! ولا حتى الظالم ذئباً! فنحن لا نعيش في مستشفى للامراض العقلية، ولا في غابة فيها الثعابين والحيوانات المفترسة، إنما هي الحياة الجميلة التي خلقها الله –تعالى- لنا بما فيها من خيرات وقدرات وطبيعة خلابة، وذرية، وقدرات عضلية وذهنية نصنع بها كل شيء، وايضاً؛ بما فيها من منغّصات ومشاكل هي بالحقيقة كلها عبارة عن امتحانات واختبارات تلازمنا حتى الموت، فالسعيد من يخرج ناجحاً بصبره وتقواه، والشقي من يخرج مشحوناً بالانفعالات والاحكام الخاطئة.

ومن نافلة القول في هذا السياق: أن الأطباء أدركوا –ربما حديثاً- حقيقة نفسية غاية بالاهمية تتعلق بأسلوب العلاج، تقضي بعدم مصارحة الانسان بمرضه من أول لحظة، وإنما التدرج معه بالاسباب والخلفيات بما يجعله يقرّ بكل أريحية أنه مريض، فيطلب من الطبيب راجياً منه العمل على معالجته مهما كلف الأمر ألماً ومرارة، هذا ما يتعلق بالطب البدني، أما الطب النفسي فمشكلته عويصة للغاية، لم يفلح الاطباء حتى اليوم لايجاد حلقة وصل مع المصابين لاستضافتهم في عياداتهم عن طيب خاطر مع القناعة بأنهم ليسوا مجانين!

هكذا الأمر في علاقاتنا الاجتماعية؛ وقد كشف القرآن الكريم حقيتنا بكل صراحة: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ}، فالغالبية العظمى لا تعترف بخطأ اقوالها وافعالها مهما تسببوا من نتائج كارثية، إلا القليل منهم، وفيما يتعلق بالعلاقة مع الله –تعالى- فان الرد نار جهنم للمصرّين على أخطائهم، أما العلاقة بين افراد البشر فيختلف الأمر تماماً، لأن الحياة مستمرة بحلوها ومرّها، وهذه من سنن الله –تعالى- وقوانينه في خلقه، وفي نفس الكتاب المجيد نقرأ طريقة التعامل مع أخطاء الآخرين بكل وضوح وجمالية في اللغة والتعبير: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}، فما أدقّه من تشخيص للحالة! وما أجمله من علاج ناجع لمن يريد الخلاص من منغّصات هذا او ذاك!

الى جانب القرآن الكريم، نطالع السيرة النبوية وسيرة أئمة أهل البيت، عليهم السلام، وكلماتهم المفتاحية لحل أعظم المعضلات، وليس فقط هفوات بسيطة، هم يتوجهون الى من يتعرض للحسد والاتهام الباطل وكل اشكال التطاول، وحتى ما يسمى اليوم بـ “التنمّر”، باتخاذ ردود لا تشبه مطلقاً الافعال، فالعلاقات البينية لا تحكمها القوانين الميكانيكية كما توصل اليه العلماء من قاعدة “الفعل ورد الفعل”، وإلا لما بقيت قيمة لتعالم الدين وأحكام السماء لتنظيم شؤون البشر.

وقد جاءت المنظومة الاخلاقية التي نفتخر بها لتبيّن لنا خطين متوازيين في معالجة المخطئين:

  • الخط الأول: الاجراءات الاحترازية

وتعني الحرص على حسن المعاشرة، واستباق الخيرات والفضائل والمكارم لصنع الشخصية المحترمة والمؤثرة بين الناس، وهذا ما يوصينا به أمير المؤمنين، عليه السلام، من بحر وصاياه في هذا المجال: “عوّد لسانك لين الكلام و بذل السلام يكثر محبوك و يقل مبغضوك”، وجاء عنه ايضاً في “غُرر الحكم و دُرر الكلم”: “اصحب الناس بما تحب أن يصحبوك تأمنهم و يأمنوك”.  

  • والخط الثاني: الاجراءات العلاجية

وهي أشبه ما تكون بعملية جراحية تتطلب الدقّة والحذر، وضغوط نفسية شديدة، ولكنها ذات نتائج باهرة، وبين جملة اعتراضية؛ نقول: لو أننا ركزنا جهدنا قليلاً على الخط الأول، ونشرنا الحب والودّ والتسامح وسائر الفضائل والمكارم، ولم نبتعد عن المخطئين والمسيئين بدعوى الابتعاد عن آثامهم، و”كفّ شرهم” لما كنّا نشهد حالات سيئة في الاخلاق والسلوك نحتاج معها لاجراء عمليات جراحية مؤلمة لنا نفسياً.

من يتحدث عن نكران الجميل، وكيد الحاسدين، وخلق الاتهامات الباطلة، نذكره بموقف الامام موسى بن جعفر الكاظم مع ذلك الناصبي الذي كان يكثر شتم الإمام، فزاره الإمام في مزرعته وغيّر منهج حايته كلها، في قصة مفصلة، وقبله أمير المؤمنين في طريقة تعامله مع من كفروه وجهاً لوجه، وقصص عديدة يحفظها التاريخ لنا من سائر الأئمة رسموا لنا طريق معالجة الثغرات الاخلاقية في المجتمع بطريقة دبلوماسية –إن صحّ التعبير- وفق القاعدة النبوية: “لا تَظلِمون ولا تُظلَمون”، إنما يحتاج الأمر شيئاً من الصبر والتأنّي والضغط على النزعات النفسية الداعية الى الترفّع والاعتداد بالنفس، على أن الطرف المقابل هو المخطئ، فعليه الاعتذار، وهي الدوامة المستمرة في حياتنا دون نتيجة.

ومن الاساليب الجميلة التي يرشدنا اليها أمير المؤمنين؛ الهدية: “ما استعطف السلطان و لا استسل سخيمة الغضبان و لا استميل المهجور و لا استنجحت صعاب الأمور و لا استدفعت الشرور بمثل الهدية”.

إن فلسفة الاخلاق في مدرسة أهل البيت، عليهم السلام، إكثار المواقف الحسنة في العلاقات البينية، لتكون الصفات الاخلاقية اكثر على صعيد الواقع وملموسة من عامة الناس بما تفوق الأخطاء الحاصلة من هذا وذاك، الى درجة ان يخجل المسيئ من نفسه مهما كان موقعه في المجتمع، ولكن المشكلة عندما يعمّ الخطأ في تعاملاتنا وسلوكنا في كل مكان، يزداد التجرؤ والتطاول وانتهاك الحقوق بدعوى “أن الجميع يفعل هذا”!

مبدأ الخير والفضيلة والجمال مفطورٌ عليه الانسان بفضل من الله –تعالى- أما النقيض فهو الطارئ مما يصنعه الانسان بنفسه بفعل ظروف مختلفة خلال فترات عمره، فلا نكون مشكلة أكبر من صاحب المشكلة، ومن المخطئ نفسه الذي يعيش بأمان وهدوء واستقرار فيما يغلي المحسود والمضغوط والمضطهد من القلق والاضطراب دون فائدة.

عن المؤلف

محمد علي جواد تقي

اترك تعليقا