المرجع المدرسي: النجاة من النار نعمة عظيمة يرغب بها المؤمن

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (اليوم السابع)

0

تدبرات في سورة (الانسان) شهر رمضان المبارك / 1440 هـ – (اليوم السابع)

“لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً”

بسم الله الرحمن الرحيم
[فَوَقاهُمُ‏ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَ لَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً](11)
صدق الله العلي العظيم

تفصيل القول
ماذا يوجد في الجنان من النعيم؟ حتّى أنّك تجد عباد الله المخلصون يزهدون عن كلّ ما في الدنيا لنيلها، والخلود فيها، وهكذا تجد الشوق الى الجنّة عُدّ من دعائم الصبر الذي هو أصل الإيمان، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: ((فمن اشتاق‏ الى‏ الجنّة سلا عن الشّهوات))[1]. إنّهم عرفوا حقيقة الدنيا وزوالها، وأنّ الدار الآخرة هي الحيوان، فتراهم يصبرون أياماً قليلة لتعقبها راحة أبدية.

النبي عيسى عليه السلام والغلام
مرّ النبي عيسى عليه السلام على قرية، ونقل غلاماً من حياة عادّية الى أفضل حياة حيث زوّجه بابنة الملك، و لَمْ يَكُنْ لِلْمَلَكِ وَلَدٌ غَيْرُ هَذِهِ الِابْنَةِ فَجَعَلَهُ الْمَلِكُ وَلِيَّ عَهْدِهِ وَ وَارِثَ مِلْكِهِ وَ أَمَرَ خَوَاصَّهُ وَ أَعْيَانَ مَمْلَكَتِهِ بِبَيْعَتِهِ وَ طَاعَتِهِ فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ مَاتَ الْمَلِكُ فَأَجْلَسُوا الْغُلَامَ عَلَى سَرِيرِ الْمَلِكِ وَ أَطَاعُوهُ وَ سَلَّمُوا إِلَيْهِ خَزَائِنَهُ فَأَتَاهُ عِيسَى عليه السلام فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لِيُوَدِّعَهُ فَقَالَ الْغُلَامُ أَيُّهَا الْحَكِيمُ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ حُقُوقاً لَا أَقُومُ بِشُكْرِ وَاحِدٍ مِنْهَا وَ لَكِنْ عَرَضَ فِي قَلْبِي الْبَارِحَةَ أَمْرٌ لَوْ لَمْ تُجِبْنِي عَنْهُ لَمْ أَنْتَفِعْ بِشَيْ‏ءٍ مِمَّا حَصَّلْتَهَا لِي فَقَالَ وَ مَا هُوَ قَالَ الْغُلَامُ إِنَّكَ قَدَرْتَ عَلَى أَنْ تَنْقُلَنِي مِنْ تِلْكَ الْحَالَةِ الْخَسِيسَةِ إِلَى تِلْكَ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ فِي يَوْمَيْنِ فَلِمَ لَا تَفْعَلُ هَذَا لِنَفْسِكَ وَ أَرَاكَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَلَمَّا أَحْفَى فِي السُّؤَالِ قَالَ لَهُ عِيسَى:
إِنَّ الْعَالِمَ بِاللَّهِ وَ بِدَارِ ثَوَابِهِ وَ كَرَامَتِهِ وَ الْبَصِيرَ بِفِنَاءِ الدُّنْيَا وَ خِسَّتِهَا لَا يَرْغَبُ إِلَى هَذَا الْمُلْكِ الزَّائِلِ وَ إِنَّ لَنَا فِي قُرْبِهِ تَعَالَى وَ مَعْرِفَتِهِ وَ مَحَبَّتِهِ لَذَّاتٍ رُوحَانِيَّةً لَا تُعَدُّ تِلْكَ اللَّذَّاتُ الْفَانِيَةُ عِنْدَهَا شَيْئاً فَلَمَّا أَخْبَرَ بِعُيُوبِ الدُّنْيَا وَ آفَاتِهَا وَ نَعِيمِ الْآخِرَةِ وَ دَرَجَاتِهَا قَالَ الْغُلَامُ فَلِي عَلَيْكَ حُجَّةٌ أُخْرَى لِمَ اخْتَرْتَ لِنَفْسِكَ مَا هُوَ أَوْلَى وَ أَحْرَى وَ أَوْقَعْتَنِي فِي هَذِهِ الْبَلِيَّةِ الْكُبْرَى فَقَالَ عِيسَى ع إِنَّمَا اخْتَرْتُ لَكَ ذَلِكَ لِأَمْتَحِنَكَ فِي عَقْلِكَ وَ ذَكَائِكَ وَ لِيَكُونَ لَكَ الثَّوَابُ فِي تَرْكِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُيَسَّرَةِ لَكَ أَكْثَرَ وَ أَوْفَى وَ تَكُونَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِكَ فَتَرَكَ الْغُلَامُ الْمُلْكَ وَ لَبِسَ أَثْوَابَهُ الْبَالِيَةَ وَ تَبِعَ عِيسَى عليه السلام.
ثلاثة أبعاد هامّة تجعل المؤمن يرغب في الآخرة ويزهد عن الدنيا.
اولاً: النجاة من النار، حيث يجد المؤمن نفسه في بحبوحة الرحمة الالهية بينما يُعّذب غيره في النار، إنّ تلك نعمة عظيمة يرغب بها المؤمن، يقول تعالى:
[فمَنْ زُحْزِحَ‏ عَنِ النَّارِ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُور][2]
ويقول تعالى: [وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ][3]
الدعاء بالخلاص من النار بعد طلب الحسنة في الآخرة يعني أهميّة تلك النعمة الالهية، لأنّه قد يُعذّب الانسان في النار آلاف السنوات ثم يدخل الجنة، ومن هنا نقرء في دعاء الامام الحسين عليه السلام في عرفة، ((اللّهمّ حاجتى الّتى ان‏ اعطيتنيها لم يضرّنى ما منعتنى و ان منعتنيها لم ينفعنى ما اعطيتنى أسألك فكاك رقبتى من النّار.))
ثانياً: الترحيب الذي يُستقبل به أهل الجنة كما يقول ربّنا تعالى: [وَ سيقَ الَّذينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ‏ فَادْخُلُوها خالِدينَ][4]
ويقول تعالى: [إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَ كانَ سَعْيُكُمْ‏ مَشْكُوراً][5]
ثالثاً: هو أنّهم يُسقون من شرابٍ طهور، يُطهّر قلوبهم من الأمراض والأدران، ويضاعف قوتهم الجسدية أضعافاً مضاعفة يقول ربّنا تعالى: [وَ سَقاهُمْ‏ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً][6]
فهو يطهّر كلّ الأمراض الظاهرية والباطنية، ونحن علينا أن نُقرّب أنفسنا من صفات أهل الجنّة وذلك من خلال تزكية أنفسنا، من الأغلال والأحقاد والحسد والكبر، حينذاك سنعيش الجنّة ونحن في الدنيا، ونكون من أهل الجنّة في الآخرة أيضاً.
_________________________
[1] الغارات (ط – الحديثة)، ج‏1، ص: 136.
[2] سورة آل عمران، الآية185.

[3] سورة البقرة، الآية: 201.

[4] سورة الزمر، الآية 73.

[5] سورة الإنسان، الآية 22.

[6] سورة الإنسان، الآية21.