مناسبات

من أخلاقيات زيارة الأربعين .. عذراً يا أصحاب المواكب

وصلني مقطع صوتي من احد الكروبات على “واتساب” فيه كلمة رائعة لأحد أشهر الخطباء الايرانيين من عهد السبعينات، وهو المرحوم الشيخ أحمد الكافي، يتكلم بغير قليل من التأثر بالكرم العراقي، وكيف أن المواكب الخدمية على الطريق “تفترش الحصير للزائرين”، وأن “أهل المواكب يدخون الرز واللحم لاطعام الزائرين، ويقتصرون على الخبز والتمر لاطعام أولادهم”.

هذا أحد الانطباعات الايجابية للكرم العراقي –الحسيني منذ عشرات السنين، والقصص والحكايات لا تنتهي ولا تتوقف عما يفعله الحسينيون، لاسيما من ذوي الدخل المحدود للمشاركة بشكل او بآخر لإرواء، أو إطعام، أو إسكان الزائرين، حتى بشربة ماء بكاسة صغيرة، كما فعل ذلك العجوز على طريق المشاية.

انه رصيد ضخم، وتراث عظيم يحمل دلالات واسعة في ثقافة الشعب العراقي، وهو ما ميزه عن سائر الشعوب حتى بلغ صداه أرجاء العالم، وأجبرت مؤسسات الاحصاء والاستبيان في العالم لأن تعد الشعب العراقي الاول في العالم في استقبال الضيوف الاجانب من مختلف انحاء العالم، دون سابق معرفة، ويقدم لهم الطعام والشراب والسكن، والاتصالات، وكل شيء دون مقابل.

السؤال الآن مطروح أمام اصحاب المواكب الخدمية تحديداً المنتشرين في أزقة وشوارع كربلاء المقدسة؛ كيف يرون الطريقة الفضلى للتعامل مع هذا الارث الثقافي الكبير الذي خلفه الآباء بعرق جبينهم وبتضحياتهم، وحتى دمائهم؟

هل ياترى، بالتمسك بالمساحة على الارصفة وعدّها ملكاً للموكب، ومن يأخذ منه شبراً كأنه تجاوز على كرامة وشرف ودين أهل الموكب؟!

أم اعتبار الشارع الفرعي الذي فيه الموكب ملكاً له، ولا يحق لمن لديه دراجة أو عجلة “تيك توك” الصغيرة التي تقل الزائرين من، والى اماكن مختلفة، أن يمر عبر هذه الشوارع؟!

من المتوقع من المواكب الخدمية، والهيئات الحسينية، وحتى مواكب العزاء، وكل المشاركين في إحياء مصاب الامام الحسين؛ سواءً في ايام عاشوراء أو الاربعين، أن تكون تجسيداً لواقعة الطف كاملة للزائرين من مختلف انحاء العالم

قبل حديث صاحب إحدى مركبات التيك توك، حدثني أحد الشباب اليافعين العاملين في تجمع شبابي يهدف لنشر الثقافة القرآنية بين الزائرين، ولديه مجموعة من المؤلفات الثقافية لعلماء الدين، يريد عرضها على الزائرين، فشكلوا وفداً لزيارة أحد المواكب الحسينية، فلقيهم أحد كبار السنّ، وطلبوا منه منحهم مساحة ثلاث امتار فقط ليشاركوا هم ايضاً في خدمة الامام الحسين، عليه السلام، ثقافياً وفكرياً كما يشارك الآخرون بتقديم الرز والقيمة، والحلويات، والعصائر، والكباب وغيرها، فجاءهم الرفض الشديد والعنيف بما لم يكونوا يتوقعونه.

هذه المواقف والسلوكيات ليست بجديدة، فهي معروفة بين أصحاب المواكب الخدمية في كربلاء، لذا بعد انتهاء مراسيم الزيارة وفي الأشهر العادية نقرأ على الجدران: “محجوز لموكب…. بإذن صاحب الدار”، في معظم الازقة والشوارع الفرعية في المدينة القديمة، وقد جرت، وتجري مشادات كلامية مستمرة لهذا السبب، بيد أن الذي يغطي على هذه السلوكيات والمواقف، الاجواء الحسينية المفعمة بالودّ والخدمة والحماس، فكل من يصدمك في الطريق المزدحم سهواً يتوجه اليك بالاعتذار، وهذا ما نلاحظه طيلة أيام السنة من الغالبية العظمى عندما يكون الطريق وهدف الناس زيارة مرقد الامام الحسين، عليه السلام.

إنّها تربية الامام الحسين، عليه السلام. كما علمنا توزيع الماء تحديداً طيلة أيام السنة، حتى عرفت كربلاء المقدسة من غابر الزمن أنها المدينة الوحيدة التي تجد فيها الماء الصالح للشرب في كل مكان، ولن يبقى عطشاناً واحداً في هذه المدينة قط.

الامام الحسين، عليه السلام، قدم الماء لقوة عسكرية قوامها ألف فارس بقيادة الحر، وأكثر من هذا؛ “رشّف الخيل ترشيفا”، كما ينقل التاريخ عنه، عليه السلام، وهي قوة معادية في الحسابات العسكرية، والامام يعرف أن هؤلاء سيقاتلونه بعد فترة وجيزة، والماء مادة الحياة لقافلة الامام الحسين، بمن فيها من رجال ونساء وأطفال. فهل طرق سمع أصحاب المواكب هذه القصة؟ وهل كان هذا الفعل مجرد قصة من قصص التاريخ؟ أم انها درسٌ بليغ من إمام معصوم مفترض الطاعة علينا اتباعه وتطبيقه في حياتنا اليومية طيلة حياتنا.

العطاء،  والعطاء

ربما يكون العطاء بالتبرع بملبغ مليون دينار عراقي، او الف دولار اميركي –مثلاً- من قبل رجل مليونير، وهو أمرٌ حسنٌ، ولكن يكون أحسن وأرقى عندما يكون العطاء بهذا المبلغ من خلال الاقتراض وليس التملك، في الحالة الاولى، يشعر الانسان –البعض منهم- بنوع من الارتياح والرضى النفسي بأنه عمل شيئاً، وفي نفس الوقت لم تتأثر حالته المعيشية والاقتصادية، ورمبا يسجل على أنه من “خدام الحسين”، وفي الحالة الثانية، يشعر الانسان بنوع من القصور لأنه عاجز عن تقديم الأكثر، فيشعر بالخجل أمام الامام الحسين، لذا فان الرضى والقبول يكون عند الامام الحسين، عليه السلام الذي يجازيه على هذا العطاء والاخلاص.

للمواكب الحسينية المنصوبة في الطرق والازقة عليهم مسؤولية اخلاقية ودينية أمام الله –تعالى- وأمام الامام الحسين، لأن لا يقصروا في الخدمة الحقيقية له، عليه السلام، وتأكيد ولائهم والتزامهم بالقيم والمبادئ التي ضحى من أجلها.

من المتوقع من المواكب الخدمية، والهيئات الحسينية، وحتى مواكب العزاء، وكل المشاركين في إحياء مصاب الامام الحسين؛ سواءً في ايام عاشوراء أو الاربعين، أن تكون تجسيداً لواقعة الطف كاملة للزائرين من مختلف انحاء العالم، ليعرفوا من هو الامام الحسين، وماذا حصل بالضبط وبالتفاصيل؟ وما هو الدافع لهذا العطاء والبذل والخدمة للزائرين؟

الزائرون بينوا للعالم أنهم يسيرون على الاقدام، وليس بالمركبات لزيارة الامام الحسين، عليه السلام، لبذل مزيد من الجهد العضلي لتجديد البيعة والولاء للإمام ولنهضته الرسالية، وإنهم يتأسون بالأئمة الاطهار الذين أوصونا بهذه الزيارة مهما كلف الأمر، وعدّوها من علامات المؤمن.

المواكب الحسينية المنصوبة في الطرق والازقة عليهم مسؤولية اخلاقية ودينية أمام الله –تعالى- وأمام الامام الحسين، لأن لا يقصروا في الخدمة الحقيقية له، عليه السلام، وتأكيد ولائهم والتزامهم بالقيم والمبادئ التي ضحى من أجلها.

عن المؤلف

محمد علي جواد تقي

اترك تعليقا