ثقافة رسالية

حتى لا نهجُر القرآن بعد شهر رمضان

  • مقدمة رمضانية

المسلمون منذ قرون وهم يجعلون من هذا الشهر الكريم، شهر رمضان المبارك، محطة روحية يتزودون فيها روحياً ومعنوياً لعام كامل، وهو أهل لذلك، ولا أحد منا يستطيع أن يُنكر ما لهذا الشهر من بركة، وفضل، وشرف، ونور، ورحمة، وخير، وهداية، تفوق حدَّ التصور البشري.

هذا الشهر الكريم هو كما وصفه سيد الخلق وخاتم المرسلين، صلى الله عليه وآله، بقوله: “شهر هو عند الله أفضل الشّهور، وأيّامه أفضل الأيّام، ولياليه أفضل اللّيالي، وساعاته أفضل السّاعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله“، وأعظم ما نقدِّمه في تلك المضافة هي تلاوة آيات الذِّكر الحكيم، لأننا في ضيافة الله، فعلينا أن نهتم في قراءة كلامه، وتلاوة آياته المباركة، بل علينا الأنس بالقرآن الحكيم لأنه، “ومَنْ تلا فيه آية من القرآن كان له مثل أجر مَنْ ختم القرآن في غيره من الشّهور“، فاهتمام ـ الكثير منا ـ ينصبُّ في شهر رمضان ثم نهجر القرآن الكريم إلى شهر رمضان القادم للأسف الشديد.

 

  • لماذا نهجر القرآن الكريم؟

هذا السؤال طالما حيَّرني وأرَّقني في حياتي، إذ لماذا نهجر القرآن الكريم وهو سبب عزتنا وفخرنا وشرفنا وكرامتنا، بل هو دستور حياتنا وأساس حضارتنا التي نتغنى بها في كل محفل وناد؟

وكيف نهجر القرآن الحكيم، ونحن أحوج ما نكون له في عصر التحديات الكبرى في هذا العصر الرقمي وتعملق الحضارة المادية، ولا وسيلة عندنا أنجع وأنفع من القرآن الحكيم؟

وكيف نهجر القرآن ونحن في معركة مصيرية ووجودية اليوم، حيث نواجه هذا الغزو الثقافي من كل حَدَبٍ وصوب، وهو أعظم سلاح في هذه المواجهة التي أمر الله سبحانه نبيه ورسوله الكريم، صلى الله عليه وآله، أن يجاهد أعداءه به في قوله سبحانه: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا}. (الفرقان: 52).

فالجهاد الكبير هو الجهاد الفكري والثقافي وسلاحنا الأمضى هو القرآن الكريم ولذا كانت آخر وصية لأمير المؤمنين شهيد هذا الشهر الكريم، قوله: “وَاللَّهَ اللَّهَ فِي الْقُرْآنِ لَا يَسْبِقُكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ“، لأن مَنْ يعمل بالقرآن ينجح، ويفوز، وينتصر في معركته الحضارية.

 

  • من مظاهر هجر القرآن الحكيم

في تراثنا الروحي والروائي أن ثلاثة يشكون من هذه الأمة، فعن النبي، صلى الله عليه وآله، قال: “يجيء يوم القيامة ثلاثة يشكون: المصحف، والمسجد، والعترة، يقول المصحف يا رب حرَّفوني ومزَّقوني، ويقول المسجد: يا رب عطَّلوني وضيَّعوني، ويقول العترة: يا رب قتلونا وطردونا وشردونا، فأجثوا للركبتين في الخصومة فيقول الله عز وجل لي: أنا أولى بذلك منك“.

وفي رواية عن أبي عبد الله الإمام الصادق، عليه السلام، قال: “ثلاثة يشكون إلى الله عز وجل: مسجد خراب لا يصلي فيه أهله، وعالم بين جهال، ومصحف معلق قد وقع عليه الغبار لا يقرأ فيه“.

 

القرآن الكريم أساس في بناء مجتمعنا الإسلامي، ولكن القليل من الناس يقرؤونه ويتدبرون في آياته فيبتعدون عنه طيلة العام، ويلجؤون إليه في شهر رمضان المبارك تبركاً فقط

 

أي أن القرآنين (الصامت والناطق) سيشكون من الهجر وهذا ما وقعت فيه هذه الأمة منذ رزية يوم الخميس حيث رفعت السلطة القرشية (حسبنا كتاب الله)، مقابل حديث الثقلين النبوي المتواتر (كتاب الله وعترتي)، فهُجر القرآن بالجهل، والعترة بالقتل، وصارت المساجد خالية على عروشها فتحققت الشكوى بأركانها الثلاثة من هذه الأمة المرحومة بهذه الثلاثة أيضاً.

والقرآن الكريم أساس في بناء مجتمعنا الإسلامي، ولكن القليل من الناس يقرؤونه ويتدبرون في آياته فيبتعدون عنه طيلة العام، ويلجؤون إليه في شهر رمضان المبارك تبركاً فقط، وعادة لا عبادة لأنه يخجل إذا سأله أصدقاءه عن ختمه للقرآن الكريم أن يقول: لم اختمه فيُعيِّروه بذلك، لأنه صارت شبه موضة في السنوات الأخيرة التسابق بكم مرة تختم القرآن في شهر رمضان، بعد أن كان التسابق من الآخرين إلى بدعة صلاة التراويح.

فالقرآن الكريم حاضر في حياتنا ولكن لإحدى أمرين هما:

  • للتبرك: فنقرؤه في مقدمة الاعمال المؤتمرات والمهرجانات والأفراح للبركة فقط.
  • للموعظة: فنقرؤه على الأموات وفي الفواتح، والمجالس الحزينة حتى صار سماع القرآن الكريم يُقرأ في محلة، أو بيت يدلُّ على أن في هذا البيت مصيبة.

 

الجهاد الكبير هو الجهاد الفكري والثقافي وسلاحنا الأمضى هو القرآن الكريم ولذا كانت آخر وصية لأمير المؤمنين شهيد هذا الشهر الكريم، قوله: “وَاللَّهَ اللَّهَ فِي الْقُرْآنِ لَا يَسْبِقُكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ”، لأن مَنْ يعمل بالقرآن ينجح، ويفوز، وينتصر في معركته الحضارية

 

والقرآن الكريم ليس لذلك فقط بل هو برنامج متكامل للحياة الإنسانية السعيدة، في الدارين لأنه يرسم للإنسان طريق سعادته وراحته النفسية في هذه الدنيا، لأنه من أعظم الذِّكر، وأقرب المقرِّبات إلى الله، قال تعالى: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}. (الرعد: 28).

فالآية الكريمة تجعل نفسك مطمئنة، فكيف إذا كانت مقترنة بتلاوة الآيات الكريمة بتفكر وتدبر وتعبُّد في ذلك كله، فهي بلا شك ولا ريب أنها ستجعلك في غاية السعادة والاطمئنان النفسي والانشراح الصدري، وهو وعد من الله تعالى لنا والله لا يُخلف الميعاد.

 

  • أنواع قراء القرآن الكريم

جاء في حديث يقطع الظهر لإمامنا الخامس من أئمة المسلمين الإمام محمد الباقر، عليه السلام يقول فيه: “قُرَّاءُ الْقُرْآنِ ثَلَاثَةٌ:

رَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَاتَّخَذَهُ بِضَاعَةً وَاسْتَدَرَّ بِهِ الْمُلُوكَ وَاسْتَطَالَ بِهِ عَلَى النَّاسِ.

وَرَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَحَفِظَ حُرُوفَهُ وَضَيَّعَ حُدُودَهُ وَأَقَامَهُ إِقَامَةَ الْقِدْحِ، فَلَا كَثَّرَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ مِنْ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ.

وَرَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَوَضَعَ دَوَاءَ الْقُرْآنِ عَلَى دَاءِ قَلْبِهِ فَأَسْهَرَ بِهِ لَيْلَهُ وَأَظْمَأَ بِهِ نَهَارَهُ وَقَامَ بِهِ فِي مَسَاجِدِهِ وَتَجَافَى بِهِ عَنْ فِرَاشِهِ؛ فَبِأُولَئِكَ يَدْفَعُ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْبَلَاءَ، وَبِأُولَئِكَ يُدِيلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْأَعْدَاءِ، وَبِأُولَئِكَ يُنَزِّلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْغَيْثَ مِنَ السَّمَاءِ، فَوَ اللَّهِ لَهَؤُلَاءِ فِي قُرَّاءِ الْقُرْآنِ أَعَزُّ مِنَ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمر“. (الكافي؛ الشيخ الكليني: ج ٢ ص ٦٢٧).

إذا كان الأمر كذلك ألا يجدر بنا ونحن أتباع القرآن الناطق ونفتخر بذلك على الناس، أن نكون من الصنف الثالث من الذين يقرؤون القرآن ليكون دواء لكل بلايانا ومصائبنا، لا سيما ونحن نعاني ما نعاني من ويلات هذا الوباء المتجدد، والذي أعيى الناس جميعاً وهو يُهددهم في كل شيء من حياتهم، ونحن نؤمن بأن القرآن الكريم شفاء، ولكن يجب أن نجعل الآخرين أن يؤمنوا به، ثم نلجأ إليه أولاً؛ لا أن يكون آخر ما نلجأ إليه وعندما ينقطع أملنا من أهل الدنيا ويسقط في أيدينا فنتذكر القرآن الكريم ونلجأ إليه ليشفينا، فالدواء في القرآن موجود ولكن الإيمان واليقين فينا مفقود.

 

  • لم يبقَ إلا القرآن الكريم

وهذه ليست من اليوم، أو في هذا العصر بل هي كلمة قالها الإمام الحسن المجتبى، عليه السلام، منذ أن انتقل جده الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، ووالداه، عليهما السلام، إلى الرفيق الأعلى ورأى الناس ينقلبون على الأعقاب كما أخبر الله تعالى، فقال، عليه السلام: “ما بقي في الدنيا بقية غير هذا القرآن فاتخذوه إماماً يدلكم على هداكم، وإن أحق الناس بالقرآن مَنْ عمل به وإن لم يحفظه، وأبعدهم منه مَنْ لم يعمل به وإن كان يقرأه“.

وما علينا إلا العمل بالقرآن الكريم، على طول السنة لا أن نتلوه على الأموات فقط، ليكون كتاب موت لا كتاب حياة والله سبحانه جعله كتاب حياة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}. (الأنفال: 24).

هي دعوة إلهية لحياة سعيدة لهذه الأمة المرحومة بالقرآن بكلا شقيه (الصامت والناطق)، فإذا تسلَّحنا بهذا السلاح الرَّباني فإننا سننتصر على أنفسنا وعلى عدونا وما أحوجنا إلى النَّصر في معركتنا الحضارية التي نخوضها اليوم وبكل ضراوة.

عن المؤلف

الحسين أحمد كريمو

اترك تعليقا