مكارم الأخلاق

تأملات في دعاء مكارم الأخلاق (13) ماذا نخسر بعدم استماعنا للنصيحة؟

يقول الإمام زين العابدين، عليه السلام، في دعاء مكارم الأخلاق: ” وَوَفِّقْنِي لِطَاعَةِ مَنْ سَدَّدَنِي، وَمُتَابَعَةِ مَنْ أَرْشَدَنِي”.

مشكلة الإنسان منذ أن خلق الله ـ تعالى ـ آدم، عليه السلام، وجعله في الجنة والى يومنا هذا، أنه لا يستطيع أن يميز، بين من ينصحه، وبين من يخدعه، ومن ذلك اليوم الذي جاءه الشيطان بلباس الناصح إلى أبينا آدم، ولكنه في الواقع لم يكن ناصحا، وإنما كان خادعا.

{فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى}، لكن تبين أنها شجرة الطرد، كأنه اصبح في داخل الإنسان عقدة من موضوع النُصح، ولذلك الإنسان لا يحب الناصحين، حتى في قضايا بسيطة، يتحرج البعض من قبول النصح، فإذا قلت لأحدهم عدّل ربطة العنق، فسيأتيك الجواب: لا تتدخل!

والذي لا يسمع النصحية هو من يتندم، لأن الناصح الأمين والمجرب، ليس له أي مصلحة مع المنصوح، لكن يبقى الإنسان يكابر، جاء في الحديث الشريف: “من استبد برأيه هلك”، فالإنسان الذي يظن نفسه أن يفهم كل شيء، وكل مشكلة لا يحتاج فيها الى احد، مثل هذا الإنسان واهم، لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ خلق بني آدم في هذه الحياة، وكل عنده نقص، وهذا النقص لا يُجبر إلا بكمال الآخر.

جاء احدهم الى نبي الله موسى، عليه السلام، فقال: يا نبي الله؛ لماذا نحن مختلفين، فهذا نجار، وهذا مزارع، وذلك تاجر..، فلماذا لا نصبح جميعنا سواسيةً؟

فدعا موسى، عليه السلام، الله تعالى ان يجعلهم سواسية، فأصبحوا كلهم سواء، فذهب النجار الى الخباز، وقال اريد خبزاً:

فقال الخباز: حالك من حالي، اذهب واصنع الخبز بنفسك، فلقد اصبحنا سواسية!

و ذهب الخباز الى النجار لاصلاح باب بيته، فقال له: اذهب وتعلم النجارة لتصلح بابك بنفسك، وهكذا مع بقية افراد المجتمع، فتعطلت الحياة، بعدها جاؤوا الى نبي الله، وقالوا له: ارجعنا الى الحالة السابقة.

وإذا ذهب مريض الى الطبيب، وكتب له علاجا، فإن المريض يلتزم ما  قاله الطبيب، وليس من حقه إبداء رأيه، أو التصرف بإجتهادات شخصية.

“وَوَفِّقْنِي لِطَاعَةِ مَنْ سَدَّدَنِي”، وسددني بمعنى اصلحني، فإذا رأى الناصح غلطا، فإنه يصلحه، وهنا على الانسان الاستماع للناصح واطاعته، ” وَوَفِّقْنِي لِطَاعَةِ مَنْ سَدَّدَنِي، وَمُتَابَعَةِ مَنْ أَرْشَدَنِي”، كذلك فإن الراشد إذا قدم مشورة معينة، فجيب متابعته.

 

  • عاقبة التفرد بالرأي

كان الإمام الصادق، عليه السلام، يطف حول البيت الحرام، مع ابنه اسماعيل، فقال اسماعيل للإمام: يا ابي اريد أن ادعُ على فلان، لأنه أكل أموالي.

فقال الإمام الصادق، عليه السلام: لن يُستجاب دعاؤك.

قال اسماعيل: لماذا؟

قال، عليه السلام: حين اعطيت فلان اموالك للمتاجرة بهن، ألم يخبرك الناس ان هذا الرجل يشرب الخمر، وهو غير ملتزم بالأمور الدينية؟

قال اسماعيل: نعم؛ اخبروني، لكن الناس تقول! وكنتُ غير مجبور للإسمتاع الى كلامهم!

قال الإمام الصادق: ألم تقرأ قوله ـ تعالى ـ {يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ}؟

بعد عودة أمير المؤمنين، عليه السلام، من صفين بعد قضية التحكيم، قال عليه السلام: ” أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ مَعْصِيَةَ النَّاصِحِ الشَّفِيقِ الْعَالِمِ المُجَرِّبِ تُورِثُ الْحَسْرَةَ، وَتُعْقِبُ النَّدَامَةَ، وَقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ في هذِهِ الْحُكُومَةِ أَمْرِي، وَنَخَلْتُ لَكُمْ مَخزُونَ رَأْيِي، لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِيرٍ أَمْرٌ ! فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِينَ الْجُفَاةِ، وَالْمُنَابِذِينَ الْعُصَاةِ، حَتَّى ارْتَابَ النَّاصِحُ بِنُصْحِهِ، وَضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ، فَكُنْتُ وَإِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ أَخُو هَوَازِنَ : أَمَرْتُكُمُ أَمْري بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى  **  فَلَمْ تَسْتَبِينُوا النُّصْحَ إِلاَّ ضُحَى الْغَدِ”.

وبعد معركة صفين خسر ـ الذين دعوا الى التحكيم ـ الدنيا والآخرة، ففي الدنيا اصبحوا من الخوارج، واصبح جماعة منهم، مع معاوية،  أما في الآخرة: {أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ}.

ونحن علينا أن ننتبه، فالناصح لا يجبرك على نصيحته، فهو يضع نصيحته ويمشي، قالت فاطمة، الزهراء، عليها السلام، في خطبتها: “أمَا لَعَمْري، لَقَدْ لقحَتْ، فَنَظِرَة رَيْثُمَا تُنْتِج، ثم احْتَبَلُوا مِلْءَ القَعْبِ دَماً عَبيطاً، وَ ذعَافاً مُبِيداً، هُنالِكَ يَخسَرُ المُبْطِلُونَ، وَ يُعْرَفُ التَّالُونَ، غبَّ مَا سَنَّ الأوَّلُونَ، ثُمَّ طِيبُوا عَن دُنْيَاكُم أنْفُساً، وَ اطْمَئِنُّوا للفِتْنَةِ جَأشاً، و أبْشِرُوا بِسَيفٍ صَارِمٍ، وَ سَطْوَةِ مُعْتَدٍ غَاشِمٍ، وَ هَرَجٍ شَامِلٍ، وَ اسْتِبْدَادٍ مِنَ الظَّالِمِينَ . يَدَعُ فَيئَكُمْ زَهيداً، وَزَرْعَكُم حَصِيداً، فَيَا حَسْرَتي لَكُمْ، وَ أنَّى بِكُمْ : {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} “.

عن المؤلف

السيد مرتضى المدرّسي

اترك تعليقا