کل المجتمع

المرأة المسلمة ورسالتها التربوية

  • مقدمة

المرأة هي نصف المجتمع في كل المجتمعات قديمها وحديثها، وهي التي تقوم عليها الأسرة ولولاها لما قامت أسرة، ولا كان مجتمع، إلا أنها كانت هي الحلقة الضعف في كل المجتمعات إلى أن جاء الإسلام، ونزل القرآن الكريم على الرسول، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله، في مكة المكرمة حيث العادات والتقاليد الجاهلية التي كانت تنظر إلى المرأة على أنها جريمة، والبنت عيب يجب دفنه، فشاعت فيهم عادة العَفار (أو الاعتفاد) في الأسر الفقيرة، ووأد البنات خاصة، حيث كانت المرأة الحامل تحفر حفرة في الأرض وتجلس لتلد عليها فإذا ولدت بنتاً دفنتها وإذا كان ذكراً أخذته معها إلى بيتها كما يروي عبد الله بن عباس.

فجاء الإسلام وعادات العرب في الجاهلية كما وصفتها الآيات الكريمة: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}. (سورة النحل: 57 – 59).

وقوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ}. (سورة الزخرف: 16 – 17).

 

تبدأ العملية في بناء الأسرة باختيار المرأة وهو ما أرشدنا له رسول الله، صلى الله عليه وآله، في أحاديثه وتوجيهاته التربوية حيث قال: “تخيَّروا لنطفكم، فإن الخال أحد الضجيعين”

 

فهم ينسبون البنات إلى الله تعالى ولكن يأنفون منهن، ويُبغضوهن، ولذا إذا قيل لأحدهم أن زوجتك ولدت لك بنتاً فكان يُغطي وجهه خجلاً من الناس، وكأنه فعل منكراً وعيباً عظيماً، فيذهب ويختفي من القوم من سوء فعلته، وربما يذهب خلسة ليدَّها في التراب ويدفنها حيَّة كما فعل الخليفة في ابنته كما يُحدِّث هو بذلك.

 

  • عظمة الإسلام والقرآن الكريم

ونزل القرآن الكريم بالتوحيد، والنبوة، والولاية، وبقية الأصول في عرب الجاهلية الذين يعبدون الأصنام والأوثان المختلفة فأراد أن يُعالج هذه المسائل العقائدية، كما أنه راح يُعالج المفاسد الأخلاقية الكارثية المنتشرة كشرب الخمر، والرِّبا، وقتل النفس والأولاد وخاصة وأد البنات.

فكانت الآيات تُعطي المرأة حقها في الحياة وهي بذلك متساوية مع الرجل، فلها كل الحقوق، وعليها مثل ما لها من الواجبات في الدين الإسلامي الحنيف، بل جعلها محور البيت وأساسه وعلق بها مسألة تربية الأولاد بالدرجة الأولى، تلك المسؤولية الراقية والمقدَّسة في الدين الإسلامي لن عليها يقوم الدين وتُبنى الحضارة الراقية، وبذلك يكون الإسلام رفع كل الظلم والحيف والاعتداء على المرأة من جانب، وأعطاها كل الحقوق الشخصية والاجتماعية من جانب آخر، فلنا أن نقول حقيقة: أنه لا يوجد مبدأ حقوقي ولا دستور أعطى المرأة حقها وانصفها كما فعل الدين الإسلامي الحنيف.

 

  • الدَّور التربوي للمرأة

الحديث عن التربية في كل المناهج، وكل المدارس، وكل الحضارات لا يمكن أن يكون بعيداً عن المرأة، والأسرة، فهي الأصل والعمود الفقري في أسرتها وفي تربية أبنائها، ولذا شجع الإسلام على تربية البنت خاصة تربية صالحة لأنه عندما نُقدِّم بنتاً صالحة تقية نقية للمجتمع فإننا نقدم له أسرة صالحة بكل ما في الكلمة من معنى.

وتبدأ العملية في بناء الأسرة باختيار المرأة وهو ما أرشدنا له رسول الله، صلى الله عليه وآله، في أحاديثه وتوجيهاته التربوية حيث قال: “تخيَّروا لنطفكم، فإن الخال أحد الضجيعين”، وقال، صلى الله عليه وآله: “إياكم وخضراء الدمن فقيل يا رسول الله: وما خضراء الدمن؟ فقال: المرأة الحسناء في منبت السوء”، ومثل ذلك كثير في أدبياتنا الإسلامية بحمد الله.

وأما في السيرة العملية فالجميع قد سمع قصة الإمام علي، عليه السلام، بعد أن فقد حبيبته فاطمة الزهراء، عليها السلام، وأراد أن يتزوج فقصد أخاه عقيل النسابة المعروف وقال له: “انظر لي امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوجها فتلد لي غلاماً فارساً، فقال له عقيل: أين أنت عن فاطمة بنت حزام، فإنه ليس في العرب أشجع من آبائها”.

فالنجيبة أنجبت أربعة من الرجال الأسود الأبطال الذين خلَّدهم التاريخ حيث كانوا أشجاراً باسقة في بستان الشهادة في يوم عاشوراء الخالدة، ولكن التربية هي التي صنعتهم، ويدي تلك الحسيبة النجيبة هي التي ربَّتهم فصنعت رجلاً كابي الفضل العباس الذي هو فخر الرجال، ومثال الأخ المؤمن وفي التربية التقية النقية، وكل ما نقرأه عن هذا الفارس العجيب كان من صنع أمه السيدة أم البنين لأنها كانت مدرسة في التربية الإيمانية الصالحة.

فدور المرأة في المجتمع الإسلامي هو ذلك الدور الخطير جداً، والأساسي في بناء الأسرة والمجتمع على القيم الإسلامية، وهي التي تربي الرجال، وتُخرِّج البطال الذين ربما غيَّروا التاريخ ولكن ـ يا للأسف الشديد ـ في هذا العصر الإلكتروني الذي سلب منها رسالتها وألقاها في أحضان التلفاز، أو البرامج التافهة، والهواتف الزكية وألعابها ومواقع التواصل الاجتماعي وفيها ما فيها من غثٍّ وثمين، ولكن أهملت بيتها، وتركت أطفالها، وهجرت رسالتها في المجتمع.

 

الكثير من الأمهات الكريمات تركن مسألة التربية للمدرسة، وللشارع، وللمواقع، فضاعت الأجيال وها نحن نرى ونسمع في كل يوم كارثة لم نعهدها في تاريخنا العريق في عراقنا الحبيب، الذي أنجب الأبطال منذ فجر التاريخ، وإلى اليوم

 

فالكثير من الأمهات الكريمات تركن مسألة التربية للمدرسة، وللشارع، وللمواقع، فضاعت الأجيال وها نحن نرى ونسمع في كل يوم كارثة لم نعهدها في تاريخنا العريق في عراقنا الحبيب، الذي أنجب الأبطال منذ فجر التاريخ، وإلى اليوم فما يصنعه الأخوة في الحشد الشعبي هو مفخرة لنا جميعاً، وهم جميعاً من أولاد “الملحة” كما نقول.

فالأم العراقية التي أنجبت وربَّت نكاد نفقدها في هذا العصر الذي يضغط علينا جميعاً من كل النواحي ليسلبنا ديننا، وعقيدنا، وشرفنا، وكرامتنا، بسلبه منا أبناءنا وأولادنا حيث يأخذوهم إلى وراء البحار ليُعلِّموهم طريقة الحياة الأمريكية والغربية الفاسدة والمنحلَّة، والخالية من كل قيمة وفضيلة، فأين الأمهات العراقيات المجاهدات والمضحيات، وأين العراقي أبو الغيرة والحمية على هذه الأجيال التي تُسرق منا أمام أعيننا، والأدهى من ذلك أنهم يكونوا أداة للعدو في ضرب القيم الحضارية والشخصية العراقية.

فكم نحن بحاجة إلى العودة إلى الحضن الدافئ للأم الطيبة الطاهرة، والأسرة الإسلامية التي تجتمع على مائدة القرآن القيمية، لا سيما في مثل هذه الأيام الرمضانية المباركة، التي كانت تضجُّ بالمجالس القرآنية والذكر، والدعاء، وتختتم بذكر مصاب الإمام الحسين، عليه السلام، الذي تربينا جميعاً تحت منبره الشريف، وفي مدرسة الحسينية المباركة فمجالسنا مدارسنا كما كان يُعلمنا آباؤنا ويربينا أمهاتنا في تلك الأيام البسيطة الجميلة.

لأننا كنا نسمع الرواية عن أبى عبد الله الصادق، عليه السلام قال: “البنات حسنات، والبنون نعمة، والحسنات يُثاب عليها والنعمة يُسئل عنها، وقال: أنه بُشِّر النبي، صلى الله عليه واله بفاطمة، عليها السلام، فنظر في وجوه أصحابه فرأى الكراهية فيهم، فقال: ما لكم ريحانة أشمها ورزقها على الله.

فالبنات حسنات تُثاب عليهن أيها الأب فأحسن تربيتهن ليُحسنَّ هن تربية المجتمع بعد زواجهن، تلك هي رسالة المرأة المسلمة في المجتمع التي نكاد أن نفقدها في هذا العصر وحضارته.

عن المؤلف

أ.د سادسة حلاوي حمود – جامعة واسط

أ.د سادسة حلاوي حمود – جامعة واسط

اترك تعليقا