ماذا تخفي بيوت الصفيح في العراق؟!

0

بين بيوتات الصفيح، وبين المنازل الآيلة للسقوط، بين حر الصيف القائظ وبرد الشتاء القارص، بين أحلام الطفولة المسروقة، وآمال الشباب الضائعة في قسوة العيش وصعوبة الحياة، وما بين هذه الشريحة المعدمة، يوجد المئات من الشباب اليافع الذي يحمل المواهب والطاقات التي لو وجدت من يحتضنها ويرعاها لنتج عنها كبار العملاقة في شتى المجالات والاختصاصات، ولساهمت أيما مساهمة في بناء أفضل حضارة، ولقدمت أعظم خدمة للأمة، ولكن ما يشجي القلب أنك ترى الذي عنده جوهرة في داخله ويملك الطاقات والمواهب لا يملك طعام يومه، ولا يملك منزلاً يؤويه، لذا يخرج هذا الشاب اليافع كأنه زهرة تفتحت للتو، يخرج منذ الصباح الباكر جاداً جاهداً كادحاً يبحث عن فرصة عمل مهما كانت شاقة ومتعبة ليحصل على قوة يومه بما يؤمن الحاجات البسيطة لعائلته، فهذه كل حياته دون أن يفكر او يعمل لاكتشاف ما عنده من مواهب وطاقات وبالتالي تنميتها وتطويرها فهو ليس لديه وقت للتفكير بذلك ابدا، فتتلاشى تلك المواهب وتذبل وتذوب في قساوة الحياة ومرارة الدنيا كما يذوب الجليد في حرارة الشمس.
فيا ترى من المسؤول عن ضياع تلك المواهب والطاقات والكفاءات الموجودة عند الشباب؟
الجميع مسؤول عن ذلك بلا استثناء؛ فكل شخص حسب موقعه الذي هو فيه يكون مسؤولاً عن ذلك. ولكن، نستطيع أن نحصر أهم الذين تقع المسؤولية الكبرى عليهم، وهم؛ الحكومة، والعائلة، والمدرسة، والمؤسسات الدينية والثقافية، فهؤلاء أبرز من يتحملون المسؤولية، فبسبب الإهمال الحكومي وسلب الحقوق وعدم إعطاء فرص للعيش الكريم، ومع الضغط العائلي والكبت الذي تمارسه العائلة وعدم إفساح المجال للشباب ليطور من مهاراته ومواهبه، وبسبب الأسلوب والمنهج الخاطئ في المدارس، وعدم العناية الصحيحة والجادة لمساعدة الطالب على أن يكون إنسانا ناجحاً وكفوءاً، ثم عدم قيام المؤسسات الدينية والثقافية بدورها الصحيح لاحتواء الشباب، و استخراج طاقاتهم، ومواهبهم، والعمل على تطويرها، ولكل هذه الاسباب تضيع الكنوز التي بين أيدينا وعلى هذا الحال لا يمكن لنا أن نبني أي مجتمع، ولا أية حضارة.
ان بناء المجتمع الفاضل وتأسيس الحضارة لا يكون إلا ببناء الكوادر أولا، وبناء الكوادر يتوقف على العوامل المساعدة للنشوء، المشار اليها، أي إننا إذا أردنا ان نبني كوادر ونخرج الكفاءات في شتى المجالات لابد من الالتفات الى ما يلي:
أولاً: على الحكومة ان تعطي الحقوق الكاملة للمجتمع بصورة عامة وللشباب بصورة خاصة، وأن توفر لهم فرص العيش الكريم وتوفر لهم الدعم ليتمكنوا من اكتشاف طاقاتهم ومواهبهم وتنميتها وتطويرها، كما وتدعم أيضا المؤسسات التي تعنى باحتواء الشباب وتعليمهم وتربيتهم وصقل مواهبهم.
ثانيا: على العائلة ان لاتمارس الضغط على الشباب وتعطيهم الحرية في تحديد مستقبلهم وممارسة هواياتهم والعمل على تحقيق طموحاتهم واهدافهم.
ثالثا: على المدارس ان توفر المناهج، وتضع الخطط، وتبتكر الأساليب التي تصنع من الطلبة خيرة الكوادر والكفاءات، وأن تدفعهم وتزرع في نفوسهم التطلع وحب خدمة البلد، علماً أن هذا المطلب يمثل اليوم من اكبر التحديات أمام المدارس وكوادرها التعليمية، بأن لا تبتعد عن دورها الأساس، ألا وهو تربية الكوادر والكفاءات التي تحمل هم خدمة البلد وقيادته إلى بر الأمان، حتى لا تكون مسؤولة عما يحصل من تخرّج مجموعة همهم أنفسهم وهدفهم هو الحصول على المال فقط من خلال الوظيفة دون التفكير والعمل على تطوير أنفسهم في مجالاتهم وبالتالي تطوير البلد، ثم الانتباه أكثر الى الدور الأساس للمدارس، ألا وهو التعليم وليس التلقين، ودفع الطلاب الى ما يُعرف بـ “الدرخ”، بدلاً من حثّه على الفهم والاستيعاب والاستزادة من العلم والمعرفة.
رابعا: وعلى المؤسسات الدينية والثقافية ان تقوم بدورها وتتحمل المسؤولية الكبرى، حتى وإن تخلّى الآخرون (المشار اليهم) عن مسؤولياتهم، عليها ان تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية، إذ ان عليها احتواء أولئك الشباب الضائعين في معترك الحياة، واستقطابهم، وفتح أبوابها لاستقبالهم، وتشجيعهم وإعطائهم الثقة بأنفسهم، و زرع حب العلم والتعلم في نفوسهم، ومساعدتهم لاكتشاف مواهبهم، والعمل على تطويرها وتنميتها، وتوجيه طاقاتهم وقدراتهم، وذلك يكون بإنشاء المعاهد والمراكز، وإقامة الدورات في شتى المجالات والاختصاصات، واحتواء جميع المواهب، وإعطاء المجال وتوفير الإمكانيات لأصحاب المواهب لتنمية مواهبهم، كما ومن دورها أيضا؛ زرع مختصين في المجتمع للبحث عن أصحاب المواهب، واكتشاف الطاقات وتوجيهها في الاتجاه الصحيح بما يخدم الأمة، وينفع الدين، فعلى المؤسسات الدينية والثقافية احتواء جميع المهارات والمواهب وعدم الاقتصار على جانب واحد، ومن ثمّ تخريج الكوادر والكفاءات والقيادات الصالحة التي تستطيع أن تبني مجتمع اسلامياً متكاملاً.
أما إذا لم تقم المؤسسات الدينية بدورها المطلوب، فان الفراغ الذي تتركه ستملأه جهات اخرى تقف لنا بالمرصاد لاستقطاب الشباب واحتوائهم، ثم العمل على تنمية مواهبهم وطاقاتهم وتجييرها لخدمة مصالحهم، وليس لمصلحة الشاب نفسه، ولا لمصلحة مجتمعه وأهله، وبعد هذا، لن ينفع الندم والأسف عندما نشهد مختلف الظواهر الشاذة والغريبة من سلوك وعادات وأعمال لم يعهدها المجتمع من قبل، كما لا ينفع الكلام ولا الانتقاد.