حوار حول سورة الطارق – القسم الأول

(من أول السورة إلى الآية الرابعة منها)

0

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4))

 

تمهيد: سورة الطارق مكية، وهي السورة السادسة والثمانون في ترتيب القرآن الكريم، آياتها سبع عشرة.
وفي ما يلي، نبدأ حوارنا حول هذه السورة المباركة:

 

  • ما فضل السورة المباركة؟

– في كتاب ثواب الأعمال باسناده عن أبي عبد الله، عليه السلام، قال: «من كانت قراءته في فرائضه بالسماء والطارق كانت له عند الله يوم القيامة جاها ومنزلة، وكان من رفقاء النبيين وأصحابهم في الجنة»(1).

 

 إصبر وأمهل

  • ما هو الاطار العام لهذه السورة المباركة؟

– لكي يتسع قلب الانسان للحقائق الكبرى فيعيها ويتكيف معها، يرغبه الوحي في النظر والتفكر في آفاق السماء وما فيها من النجوم الثاقبة والشهب الطارقة، وفي أغوار النفس وما انطوت عليه من عالم كبير، وفي نشأته الأولى حيث خُلق من ماءٍ دافق يخرج من بين الصلب والترائب، ومصيره الاخير حيث يواجه اعماله بلا حجاب ولا قوة ولا ناصر.

ولكي لا يتهرب البشر من الحقائق العظيمة؛ كواقع الرجع والحساب بتكذيب الرسالة أو تأويل انبائها بما يتناسب واللامسؤولية، يذكّره الوحي بأن القرآن قول فصل، وليس بالهزل، وينذر المكذبين والكافرين بأن الله يكيد لهم كيدا؛ ولكن يمهلهم، وأنت أيها الانسان؛ اصبر، وامهلهم رويدا.

 

 لماذا القَسَم؟

  • تبدأ السورة بالقَسَم بالسماء وبالطارق؛ فتقول:
{وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ}؛ فما المراد بالطارق؟ ولماذا القَسَمُ أصلاً؟

– أرأيت النجم الذي يطرق بنوره الثاقب في عرض السماء! أرأيته كيف يدفع الله به شر إبليس وجنوده عن السماء واهلها والارض وسكانها! إنه مثل واحد لحفظ الله؛ فَقَسَماً به وبالسماء التي يحفظها: ان الله هو الحفيظ، ولولاه لما استطاع الانسان ان يعيش لحظة، ولا غيره من الاحياء.

قالــوا: الطرق يعني الدق، وانما سمي السبيل طريقا لان الانسان يدق عليه برجله، وزائر الليل سُمّي طارقا لانه بحاجة الى دق الابواب لتفتح، ولعل كل قادم تسميه العرب طارقا لانه – هو الآخر – يدق الأبواب بوصفه غريبا عن المنطقة.

والقَسَم بالسماء وما يطرق فيها من النجوم الثاقبة يستثير عقل الانسان، ويستقطب اهتمامه، وينفض عن قلبه غبار الغفلة والسبات؛ وبالذات حين يكون القَسَم بالسماء البعيدة عن متناول أيدينا وعن مرامي فكرنا، وبالطارق الذي يخشاه الانسان؛ فليس كل طارق يطرق بخير.

وحين يرتفع الانسان الى افق التفكير والتدبر في آيات الله في السماء والارض، يقترب من معرفة الحقائق الكبرى؛ بينما الذي يعيش في زنزانة مشاكله اليومية، وهواجس نفسه ووساوس قلبه، فانه يُحرم التفكر في الآفـاق، ويُحرم – بالتالي – بلوغ الحقائق. ولعل هذا من اهداف القَسَم في القرآن: الارتفاع بالانسان الى آفاق الحقائق بعيدا عما يحيط بفكره من قضايا خاصة لا تنفك تستقطب اهتماماته. والقرآن منهج تفكير قبل أن يكون دائرة للمعارف؛ ولذلك فهو لا يهدف مجرد تعليم الانسان؛ بل جعله قادرا على التعلم بذاته؛ فهو يفتح مغاليق الفكر بمفاتيح الذكر، ويُبَصِّر الانسان الحقائق برفع الغشاوات عن قلبه، ويُخرق الحجب التي تستر بصيرته عن رؤية الحقائق باستثارة العقل ونفض غبار الغفلة عن الفؤاد.

وسورة الطارق تتجلى، بين السور القصار، بهذه الميزة؛ انها، كما النجم الثاقب بنوره الوضيء، تطرق أبواب القلب حتى تفتحه امام شلال النور المنبعث من الوحي.

 

 وما أدراك؟

  • لماذا عاد وطرح الاستفسار، وقال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ}؟

– دع فكرك يجوب في آفاق الخليقة؛ لعله يكتشف ما هو الطارق.

إن قوله – تعالى -: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ} يستثيرعقل الانسان، كما تبين له أهمية القضية. وقال بعض المفسرين: كلمــا ذُكِرت هذه الجملة في القرآن عَرَّفَ موضوعها، مثـل قولــه سبحانــه: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}، (سورة القدر: 2-3) بينما اذا استخدمت جملة (وما يدريك) فإن الموضوع يبقى مجهولا في النص.

 

 حفظ السماء من الشياطين

  • في قوله تعالى: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ}، هل تحدث عن نجم بعينه؟ أم عن جنس النجم؟ وكيف يكون ثاقباً؟

– الطارق هو النجم العالي الذي يثقب ضوؤه الباهر جدار الظلام، وهو المراد بقوله: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ}.

قالوا: الثاقب: المضيء، ومنه: شهاب ثاقب، والعرب تقول: اثقب نارك؛ أي: أضئها، والثقوب ما تشعل به النار من دقاق العيدان.

واختلفوا في تأويل هذه الكلمة. والذي يبدو لي – والكلام لا يزال للمرجع المدرسي – أن الطارق هي الأقدار التي تتواصل في الليل والنهار بخيرها وشرها؛ ولذلك نستعيذ بالله من طارق السوء حسب النص المأثور عن النبي، صلى الله عليه وآله: «أعوذ بك من شر طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن» (2).

وفي الدعاء: «بك أستجير يا ذا العفو والرضوان من الظلم والعدوان، ومن غِيَر الـــزمان، وتواتر الأحزان، وطوارق الحَدَثان، ومن انقضاء المدة قبل التأهب والعدة»(3).

وحسب هــذا الرأي، فإن النجم الثاقب هو بيان لهذا الطارق الذي يشبه النجم الثاقب، كما قال – سبحانه -: {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ}، (ســـــــــورة الصافات: 10).

ويكون القَسَم – إذا – بتلك الشهب التي يحفظ الله بها السماء من الشياطين الذين يسترقون السمع، ويكون السياق متناسبا مع الحديث عن حفظه سبحانه لأهل الارض.

وقيل: ان كل نجم يسمى طارقا بعدّه يطلع بالليل، وعليه فان القَسَم بكل نجوم السماء او النجوم اللامعة، وقال البعض: بل النجم هنا هو زحل، وقد روي ذلك عن الامام الصادق، عليه السلام. (4) وقال بعضهم: بل هو الثريا، وقال الآخر: بل هو الزهرة.

وقد تتسع العبارات لكل تلك التطبيقات؛ ذلك لأن آية نتلوها في سورة الملك يظهر منها أن مصابيح السماء هي رجوم الشياطين أو مراكـــزهم لرجمهــم. قال ربنا سبحانه: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ}، (سورة الملك: 5).

فمن المحتمل ان تكون النجوم هي ذات الشهب الطارقة أو أنها مصادر للشهب. يبقى أن نقول: ان المراد من النجم يمكن أن يكون جنس النجم فيشمل سائر الانجم وليس واحدا منها.

 

 دور الحَفَظَة

  • انتقل السياق من السماء إلى الأرض وإلى الإنسان عليها، فقال: {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}؛ فهل هناك من رابطة وعلاقة بينهما؟

– بالتأكيد؛ فحينمـا ينظـــر الانسان الى متانة بناء السماء، وكيف جعلها الله سقفا محفوظا، وزرع في أرجائها مراجم للقوى الشيطانية التي تسعى لافساد النظام فيها، يطمئن الى تلك اليد العظيمة التي تمسك السماوات والأرض أن تزولا، ويعرف أنه في كنف رب عظيم، يحفظه من طوارق السوء.

عشرات الألوف من الحَفَظَة يحرسونك من الأخطار المحدقة بك؛ فلا يصيبك إلا ما تستحق أو ما تقتضيه حكمة الرب.

انظر الى نظام حماية الجسد، تجد أنها تتركب من اجهزة عديدة: فجهاز التكيف مع المحيط، وجهاز الحماية من الجراثيم، وجهاز المناعة الذاتية، والعواطف، والشهوات، والعقل، وعشرات الأجهزة المحيطة بالجسم التي لو أردنا شرحها لملأت أسفارا كبيرة.

ومثل نظام حماية الجسد عشرات الأنظمة الأخرى المبثوثة في الطبيعة تحمي الانسان من التلاشي، مما نعرف بعضها ونجهل الكثير، كلها شاهدة على ان الله – سبحانه – هو الحفيظ الذي أحاط الانسان بحمايته، قال – سبحانه -: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّه}، (سورة الرعد: 11).

وفي هذه الآية، جاء الحديث المأثور عن الامام الباقر، عليه السلام، قــال: «يقول: بأمر الله من أن يقع في ركي – بئر -، او يقع عليه حائط، او يصيبه شيء، حتى إذا جاء القدر خلوا بينه وبينه، يدفعونه الى المقادير، وهما ملكان يحفظانه بالليل، وملكان بالنهار يتعاقبانه» (5)

وبالذات المؤمنين وَكَّل بهم ملائكة يحفظونهم. فقد روي عن النبي، صلى الله عليه واله، أنه قال: «وُكِّل بالمؤمن مائة وستون ملكا يذبون عنه ما لم يقدر عليه، من ذلك البصر سبعة أملاك يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل الذباب، ولو وكل العبد الى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين» (6).

ويظهر من هذا الحديث: أن الملائكة يذبون الشياطين عن المؤمن لكي لا يؤثروا عليه ماديا ومعنويا، ويقوم الحفظة بحفظ أعمال العباد وما تبدء منهم، من نية وكلمة وفعلة، قال الله – سبحانه -:

{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}، (سورة الإنفطار: 10-12).

وهكذا لا يصيب الانسان مصيبة او أذى الا بأذن الله؛ إذ لولا ذلك لمُنعت عنه الحَفظة، وقد قال ربنا سبحانه:

{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}، (سورة الرعد: 11).

————-

  1. نور الثقلين/ ج5/ ص549.
  2. تفسير القرطبي/ ج20/ ص30.
  3. مفاتيح الجنان/ فقرة من دعاء يوم الأحد.
  4. نور الثقلين/ ج5/ ص549.
  5. نور الثقلين/ ج2/ ص487.
  6. تفسير البصائر/ ج54/ ص354.