كربلاء الحسين واللون الرمادي

0

لماذا ران على قلوب أهل الكوفة سنة 61 للهجرة، فعجزوا عن رؤية الحق وسقطوا في حفرة الباطل الى درجة ان صدقت فيهم مقولة الفرزدق وهو يصفهم للإمام الحسين، عليه السلام: «قلوبهم معك وسيوفهم عليك»؟!

صحراء كربلاء في تلك الحقبة لم تكن بتلك الضبابية والعتمة حتى لا يرى فيها أحد صاحبه، بل كان الجو صحواً والشمس ساطعة في كبد السماء، ويشير الباحثون والمؤرخون الى الذكاء السياسي للإمام الحسين بأن دفع الاحداث الى ساعة الظهيرة ليكون كل شيء قابلاً للرؤية والسمع والإدراك بالحواس كافة لإلقاء الحجج كاملة.

بيد أن المشكلة كانت في طقس من نوع آخر شابه الغموض بسبب اللون الرمادي الذي ضرب العقول فأصاب الافكار بالشلل التام، وأحال الملايين من سكنة حاضرة متمدنة مثل الكوفة الى قطعان – الغالبية العظمى – تحتاح الى من يسوقها بالعصا الى ما يريد.

وكانت ترجمة هذا الموقف الغريب وغير المسبوق في تاريخ الامة آنذاك، مع حداثة عمر الرسالة، هو؛ «الحياد»، وأن لا نكون مع هذا ولا مع ذاك، و»ما لنا والدخول بين السلاطين»، في إشارة من وجهاء القوم، الى مسألة المعاهدة الموقعة بين معاوية وبين الامام الحسن المجتبى، عليه السلام، على أن تكون القيادة من بعد معاوية الى الامام الحسين، عليه السلام، لا الى يزيد، ولكن؛ فاتهم أن هذا الخيار يسوقهم الى صف النفاق، وهو الصف الذي يحبذه الطغاة والحكام الظلمة، ممن ينتهجون التزييف والتضليل، وهي الحقيقة التي يؤكدها القرآن الكريم في سورة النساء، وبعد الحديث عن: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ…}، تأتي الآية التالية (143) لتقول بصراحة: {مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً}، فالسبيل الذي صار اليه المحتشدون لقتال الامام الحسين، عليه السلام، جعلهم مثالاً للخيانة والخذلان والضلال على مر الاجيال والعصور، وبات الناس يتبرأون منهم وممن على شاكلتهم الى يوم القيامة.

 

  • طريق الحق على حدّ السيف

منذ ذلك الحين أدركت فئة مؤمنة في الامة معنى «النصرة» التي أطلقها الامام الحسين، منذ اللحظات الاولى لخروجه على النظام الأموي الباغي، كما عرفوا جيداً ثمن التلبية والاستجابة، وثمن الولاء الذي جاء في الحديث الشريف بانه «كالقابض على جمر»، في مضمون الرواية، فشهدنا ثورات عدّة كانت سبباً في انتشار الوعي الحسيني في أوساط الامة، لتكون كربلاء، أكبر وأعظم بكثير من واقعها الجغرافي حالياً، لتكون مدرسة للثائرين والمصلحين ممن لا يهابون التهديدات مهما كانت، مسطرين ملاحم بطولية في الدفاع عن الامة وعن القيم والمبادئ التي جاء بها الاسلام.

ولذا نجد عالم دين من بين مئات العلماء في الحوزات العلمية يندفع بقوة قاهرة للدفاع عن البلاد الاسلامية ضد الاجتياح الروسي القيصري على ايران في القرن التاسع عشر، فيشارك في تعبئة الناس وشحذ المعنويات ويقاتل هناك ويقتل شهيداً، انه السيد محمد الطباطبائي الملقّب بالمجاهد، والذي تحتضن مدينة كربلاء جثمانه الطاهر في مقبرة معروفة له، كما نجد انطلاقة ثورة العشرين ضد الاستعمار البريطاني بقيادة المرجع الديني الاعلى في زمانه الميرزا محمد تقي الشيرازي تنطلق من كربلاء ايضاً، وكذلك التنظيمات الاسلامية التي رفعت شعار الإصلاح والتغيير والعودة الى النظام الاسلامي، استلهمت من كربلاء الحسين، صياغة الموقف الشجاع والحازم وسط العواصف السياسية والفكرية، مهما كلف ذلك من ثمن.

وفي الاحتفال الشهير بمناسبة ذكرى مولد أمير المؤمنين في كربلاء المقدسة، وفي مطلع الستينات من القرن الماضي، وتحديداً في أوج المد الماركسي وانتشار الافكار الالحادية والمعادية للدين، انطلق الشهيد والمفكر الاسلامي السيد حسن الشيرازي، ليصدح بقصيدته العصماء:

 

واعمل لتطبيق الكتاب مجاهداً

إن العقيدة مصحف وحسامُ

واسحق جباه الملحدين مردداً

لا السجن يرهبني ولا الاعدامُ

 

إن نوع المخاوف التي كانت تنتاب الحكام الطغاة والظلمة من المواقف والافكار الحسينية في العهود الأموية والعباسية، هي نفسها التي كانت – وماتزال – تنتاب أشباههم من الحكام في زماننا هذا، مع فارق الوسائل واشكال ردود الفعل إزاء الحراك المعارض والانتفاضات والثورات التي حصلت في هذا الزمان، ولذا شهدنا كيف أن القمع كان يبدأ أموياً ولا ينتهي عباسياً دموياً في العراق على وجه التحديد، وايضاً في البلاد الاسلامية الاخرى.

ووفقاً للسياسات الديكتاتورية الآنفة الذكر، فان القمع الدموي كان مصحوباً دائماً بالمكر والخديعة ومحاولات التضليل والاحتواء لكسب الساحة والمشروعية بأقل الخسائر مع اختزال الوقت، فكانت هذه السياسة تمد اذرعها كل مكان، إلا في كربلاء الحسين، تواجه مواجهة وتحدياً صارخاً لا هوادة فيه، فلن تنفع الهبات المالية والامتيازات، وإهداء الابنية الفخمة، وإنشاء الجوامع والمراكز الدينية والثقافية، وحتى وضع بعض اللمسات على المشاهد المشرفة للحرمين الشريفين في كربلاء المقدسة، لان القضية تتعلق بالمنهج والنظام، وليس بالقشور والظواهر البسيطة التي يمكن توفيرها في أي وقت كان.

 

  • الوسطية، هل لونها رمادي؟!

المدرسة الحسينية ناصعة في معالمها ومقاصدها، فكان من شدّة بياض صورتها أنها سكنت النفوس وملأت القلوب الطيبة والمشابهة في بياضها، متجاوزة الانتماء المذهبي والديني والقومي، حتى بات الجميع يستشهدون بمقولة الزعيم الهندي المعروف؛ غاندي: «تعلمت من الحسين أن أكون مظلوماً فانتصر»، كما تحولت الى ايقونة لشعراء وأدباء ومفكرين من غير الشيعة ومن غير المسلمين ايضاً.

إن القيم التي حوتها هذه المدرسة لم ولن يطرأ عليها تعديل او تحوير من لدن مفكرين ومنظرين كما يحصل في تيارات فكرية وثقافية او احزاب سياسية ترفع شعار النضال في سبيل قيم كبرى مثل؛ الحرية والمساواة والكرامة الانسانية، وما ابتليت به هذه التيارات في مسيرتها؛ التطرّف في السلوك، والخلل في الوسائل والانحراف في الغايات والاهداف لاسباب سياسية او اقتصادية، بل واسباب داخلية ايديولوجية، لذا نجد انها ترضخ للتناقضات ثم تحاول تبرير تبني هذه التناقضات وتبحث لها عن مشروعية لوجودها في قاموسها الفكري.

بيد أن المدرسة الحسينية لا تحيد قيد أنملة عن التصدّي بقوة لأي انحراف من النظام الحاكم، وحتى من الموظف البسيط في الدولة عندما ينزلق نحو الفساد والظلم، سواء كان هذا في العهد الأموي، أم في العهد العباسي، أم في عهد الاستعمار للبلاد الاسلامية، أم في عهد الانظمة السياسية المدعية للاستقلال والسيادة، فالموقف واحد لا يتغير.

ويعتقد البعض أن التطورات الحاصلة في العصر الحاضر، على مختلف الاصعدة؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية وايضاً الثقافية، ودخول مفاهيم جديدة مثل؛ العولمة والحداثة والوسطية والاعتدال، تستدعي إضفاء شيء من الليونة على المسألة وعدم التصلّب في الطرح لمواكبة هذه التطورات و»الوجود المعترف به» في العالم، ولكن؛ أن نكون معتدلين ووسطيين بمعنى غضّ الطرف عن الثوابت، لا يعدو كونه ليّاً لعنق الحقيقة الناصعة، وتحوير مفهوم الوسطية التي دعا اليها القرآن الكريم في سورة البقرة؛ {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً…}، (سورة البقرة: 143) وهذه الوسطية ليست لوناً او نمطاً من التعامل كما الانماط المختلفة الاخرى، إنما هو مسؤولية حضارية بامتياز، في تكملة الآية الكريمة:

{لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً…}، فالوسطية التي بينها العلماء أنها حالة ايجابية بين التطرف وبين الميوعة، وبين المادية وبين الرهبانية التي ابتليت بهما شعوب العالم قبل بزوغ فجر الاسلام، هي نفس الوسطية التي دعا اليها الامام الصادق، عليه السلام، في الرد على «الجبريون» وعلى «المفوضة»، فقال قولته الشهيرة بأن «لا جبر ولا تفويض بل أمرٌ بين أمرين»، اي ان الارادة والعقل وما وهبه الله للانسان هو الذي يقرر مصيره ومسيره في الحياة.

إن المدرسة الحسينية، بما تحمل من قيم ومبادئ، هي الحالة الوسط بين التوجهات الفكرية المتضاربة، وهي الشاهد على الأمم والشعوب والنموذج النابض ابداً لحياة يتمناها الانسان الحر والكريم والمتطلع الى الافضل دائماً، وان قبلنا لها الحالة الرمادية جدلاً – وإن هي بعيدة كل البعد عنها – فانما نضعها في مصاف الافكار البشرية القابلة دائماً للتطوير والتبديل حسب مقتضيات الزمن، ونخرجها من كونها الحل الناجع لمختلف مشاكل البشرية مهما امتدّ الزمن.